path

أين نجد إيمان العجائز؟ وما حاجتنا إليه؟

article title

أذكر من زمن بعيد في قريتنا بمصر الحبيبة يوم جاءتنا امرأة شارفت على الثمانين، وكنت قد خرجت لها ألتمس ما تريد فقالت لي يا ولدي: عندي أسئلة هل ممكن أن تجيبني؟ قلت: هاتيها يا خالة، فقالت:

إنني أصوم شهر رجب وشعبان ورمضان متصلين، لكنَّ جارتي تقول لي ما تفعلينه خطأ، فهل هو خطأ يا بني؟

قلت لها بارك الله فيك يا خالة وأعانك وتقبل منك، ما تفعلينه ليس خطأً، قالت وإنني أصلي ثمان ركعات بعد طلوع الشمس لكن نفس المرأة تقول لي إنما ركعتان، فهل ما أفعله خطأ؟

قلت لها ليس خطأ، يجوز أن تصلي ركعتين ويجوز ثمانية، قالت لكنني تعودت على الثمانية قلت لها استمري.

ثم ظلت تعدد النوافل التي تقوم بها حتى خجلت وتصاغرتُ أمامها، تلك المرأة يرحمها الله لم تكن تخط حرفًا بيمينها، ولا تحسن قراءة آية ولا تحفظ إلا قصار السور وعلى الرغم من هذا فإن عملها أكبر وأعظم من علمها، ثم قلت في نفسي: لقد علمت المرأة قليلًا وعملت أضعاف ما تعلم، وهنيئًا لمن كان عمله أكبر من علمه.

اليوم حصيلتنا من العلم والمعرفة أضعافها لكن أين القيام والصيام ودوام الذكر والاستغفار؟

نعم، حُرمت تلك المرأة من حظ التعليم والانتظام في أروقة الجامعات وحيازة الشهادات لكنها ارتقت صهوة جواد الطاعة والعبادة مع خشية وإنابة.

قال بعض السلف: إذا رأيت الرجل لا يقوى على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنه محروم. 

لا ريب أن مثل هذا النموذج من الرجال والنساء في عالمنا الإسلامي لا حصر لهم، وهم بركة الزمان وبهم يُستسقى الغمام وتُجتلب الأرزاق ويرفع الله عنا بهم كثيرا من مصارع السوء ومعاطب الحياة.

إذا كنت حاجًا أو معتمرًا فتأمَّل جيدًا تلك الشيبات وقد تدفقت على البيت العتيق واحتشدت في الساحات تزاحم الشباب وتحرص على أداء الشعائر مستهينة بتقدم العمر ووهن العظام وكلفة العبادات. 

إن ذلك الرجل ذو الشيبة الظاهرة واللحية البيضاء والتجاعيد التي خطَّت جنبات وجهه الباسم تراه مادًّا صوته ورافعًا يديه بالدعاء تترقرق في عينيه دموع الشوق والمحبة لله تعالى، لهو أغلى وأغنى وأقنى من الجلوس أمام بحيرة غناء وسط الشلالات الهادرة في سويسرا أو غيرها.

نعم إنه ليملأ روحك ويذيب قلبك.

ترى كثيرًا من العجائز في المناسك في همة ونشاط.

أذكر أنَّ امرأة كبيرة في العمر ونحن بموسم الحج أيام رمي الجمار، عرضتُ عليها أن أنوب عنها في الرمي فأبَتْ، وقالت لا، إنني أريد أن أتعب.

إنه التعب اللذيذ، لأنه في ذات الله تعالى.

إيمان العجائز خال من الكدر والشك والتردد واستبطاء الموعود وتعجل الثمرة، بل الجزم واليقين وحسن الظن الجميل، وجمال التوكل على الله ورؤية الواهب ومشاهدة المُنعم ويد الله التي تتصرف في شؤون الكون والمخلوقات.

لذلك فلا عجب أن يدعو عمر رضى الله عنه أن يميته على دين العجائز.

وها هو حجة الإسلام الإمام الغزالي يدعو ربه قائلًا: اللهم أمتني على إيمان عجائز نيسابور.

إيمان العجائز هو إيمان الفطرة السليمة والقلوب الصافية والعقول المؤمنة، بعيدًا عن الجدل الفلسفي والمناظرات والتعقيد والتكلف والتصحر الروحي.

إيمان يصنعه التعرض لأنوار القرآن، واليقين في الله والاستسلام لأمره والإيمان بحكمته. 

وهناك تحت أضواء مكة المكرمة، وأشعة النور في المدينة المنورة، تستعيد روحك وتلقى إيمان العجائز المفقود في زمن الشهرة وضجيج الحياة.

الشيخ طه عامر الشيخ طه عامر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

الإسلام والحملة على قبح الجاهلية وعوائدها [2]

feather د. عبد السلام البسيوني

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

article title

تحديات غير مسبوقة في واقعنا الأوروبي | من قواعد التربية [5]

article title

للغرس وقت إن تجاوزته لا يثمر.. من قواعد التربية [4]

banner title

مقالات مرتبطة

د. عبد السلام البسيوني

الإسلام والحملة على قبح الجاهلية وعوائدها [2]

الشيخ طه عامر

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

د. ونيس المبروك

المصلحون وعصر "التفاهة"