path

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

article title

أتخيل نفسي طفلًا أو شابًّا يعيش في ألمانيا أو شرق أوروبا أو غربها أو في أيِّ بقعةٍ من المعمورة فكتب الله له أداء الحج أو العمرة، كيف سيري مشهد ضيوف الرحمن وهم يتدفقون على بيت الله الحرام؟

ما أثر تنوع الألوان والأعراق واللغات واللهجات التي يراها ويسمعها؟

كيف سيُفكِّر حينما ينظر فيرى كثيرًا من كبار السنِّ يطوفون ويسعون على الرغم من ضعفهم ومشقَّة العبادة عليهم؟

إنَّ تردُّد الأجيال الجديدة من أبناء مسلمي الغرب خاصَّةً على البيت الحرام له أهمية قصوى في بناء شخصيتهم وتكوين هويتهم الدينية، ولعلنا نقف مع الغايات المرجوَّة من زيارة البيت الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف.

أولًا: استقلال شخصية المسلم

من أخطر التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في عالمنا المعاصر بشكل عام وفي الغرب بوجه خاص، الذوبان وضعف الرأي وغياب المرجعية والوجهة، والمبادئ الكبرى التي يحاكم في ضوئها سيولة الأفكار وتنوع المعتقدات والمذاهب والفلسفات التي تصنع المجتمعات وتتحكم في اختياراتهم ونمط حياتهم.

والمسجد مهد التوحيد وموطن الأنوار وقبلة الحياة، ومن حق أول بقعة وضعها الله للناس لإعلان حرية الإنسان أن نجدد الولاء إليه..

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "إن المسجد الأول في العالم جدير بأن تُشد إليه الرحال، وأن تجيء إليه الوفود بين الحين والحين لتؤدي له التحية... وكل مسجد يُبنى في المشارق والمغارب بعده ينبغي أن يرتبط به وأن يتجه إليه، ولذلك كان هذا المسجد المحترم قبلة للمؤمنين كافة.

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149].

وشيء آخر في تاريخ الإنسانية يشدنا نحن المسلمين خاصة إلى هذه الكعبة المشرفة، إن أمتنا الكبيرة كانت أملًا عندما بدأ هذا البناء، وإن رسالتنا الخاتمة كانت دعوة حارة عندما برزت هذه القواعد، كان إبراهيم وإسماعيل يقولان: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة 128].

إنَّنا نحن الذرية المسلمة المعنية في هذا الدعاء، وأنَّ رسولنا الخاتم محمدًا عليه الصلاة والسلام هو والدنا الروحي والثقافي وصاحب أطهر أنفاس حنت على العالم وألهمته رشده.. أفلا نرتبط بعدئذٍ بهذا البيت، ونزوره ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا؟ 

ما أعظم الذكريات التي تحفُّ به! وما أوفى الوفود التي طوت الأبعاد لرؤيته، والتزوُّد من خيره وبرِّه. [فن الذكر والدعاء ص 107/ 108].

هذه البيت العتيق بداية معرفة الإنسانية لربها ومهد ميلادها الحقيقي وينبوع هدايتها، فعلى الأجيال الجديدة أن تُجدِّد الصلة به كلما واتتها الفرصة وتهيَّأت لها الظروف.

ثانيًا: تعزيز الجانب الروحي في ظل طغيان المادة

نحن محرومون في الغرب من سماع صوت الأذان، فكيف بك وأنت تسمع الأذان في البيت الحرام فيتسلل إلى روحك ويسرى هداه في قلبك، فتود أعضاؤك كلها لو أنها أسماع تتنعم به كما نعمت أذناك. 

إنَّه شعور فوق العبارة، فما أروع أن تصحب أولادك إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي وتمضي بين ردحاته أوقاتًا بين الذكر والدعاء والتأمل.

إذا كان للهواء النقي ثمرته على الرئتين، وإذا كان للمناظر الخلابة أثرها على الصحة النفسية، فإن الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي الروضة مع استشعار عظمة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم وأثره على نقاء القلب وزكاة النفس.

 وإذا سلَّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خشوع ومحبة فإن روحك وقلبك سيُحلقان في عالم الملائكة

إن تلك البقاع الطاهرة عطَّرتها الأنفاس الزكية على مدى الدهور. 

وهذه الأنفاس مع السكينة والرحمة التي تغشاها هي البيئة التي ترتقي فيها النفس وتسمو بها الروح. 

 [لعلَّ قدمًا تقع على قدم]

هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة يلتمسون خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم وأُثر عن الإمام مالك رضى الله عنه أنه كان يمشي بقرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حافي القدمين ويقول لعل قدمًا تقع على قدم، هذا السلوك قادم من عالم المحبة الخالصة لجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوله به والعيش مع سيرته وسنته.

وقد كان سيدنا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما مولعًا بتتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو عجيب، كان يزور مسجد قباء كل سبت اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان يركب ناقته فدار بها مرتين فسئل عن ذلك فقال: هنا دارت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين !!

إن أدب الجوارح ينبع من معين القلوب.

لقد تتبعت زاور الروضة الشريفة والمصطفين السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت من يزاحم لدرجة الإيذاء، ورأيت رجالًا ينصرفوا بعد السلام على حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم القهقرى أدبًا مع المقام الشريف.

لقد كان ثابت بن شماس رضى الله عنه جهير الصوت، هذه طبيعة صوته، وبعد أن نزل قوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات 2].

اعتزل يبكي في بيته خوفًا من وقوعه تحت وعيد الآية حتى أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يخبره أنه من أهل الجنة.

فإذا زار الحاج أو المعتمر البيت الحرام ورأى آيات الجلال تكسو الكعبة المشرفة أيقن أن هذا هو النعيم حقا، وأن الدنيا ومتاعها تتضاءل أمام ناظريه، وما أعذب الأذان وأنت تنظر إلى الكعبة.

إن هناك إشراقات نورانية تتجلى على قلوب أولادنا وتتنزع كثيرًا من حظوظ الشيطان منه.

 

ثالثا: تجديد الانتماء للإسلام 

لقد نبتت شجرة التوحيد التي ننتمي إليها في تلك الديار المقدسة؛ فهي موطن ميلاد الإيمان.

وإذا كان المرء يحن إلى التراب الذي درج عليه زمن الصبا فيُيمم وجهه شطره ليستعيد ذكريات عزيزة عليه، فإننا نولى وجوهنا كل صلاة تجاه قبلتنا، ونُوفد من الأمة من ينوب عنا لإعلان الولاء لله تعالى عند أول بيت وضع للناس.

مهما حدثت أولادك عن أجدادهم دون أن يروا آثار ديارهم ستبقى الرابطة الروحية واهنة. فليطوَّفوا بالبيت العتيق ويعيشوا قصة بنائه، ويسعوا بين الصفا والمروة ويتأملوا معانيه، ويزوروا المشاعر المقدسة وتاريخها البعيد، ويصعدوا إلى حراء مهبط الوحي وكهف الإيمان ومأوى جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة تَعبُده وتأمَّله.

فإذا فرغتم من زيارة مكة المكرمة

فلتكن الزيارة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث السكينة والراحة للأبدان والقلوب، وكيف لا وقد ضمَّت جسد أطهر خلق الله.

ولنقُصَّ على أولادنا طرفًا من السيرة العطرة، قصة المدينة المنورة، وفضلها، وقصة الهجرة إليها، وما هي أهم معالم المدينة وما أكثرها.

إن الزيارات المبكرة لأولادنا إلى بيت الله الحرام تُمثل مناعة روحية وقلبيَّة في عالم كثيف المادة شديدة الوطأة على القلوب والأرواح.

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

تصميم مولد بالذكاء الاصطناعي

الشيخ طه عامر الشيخ طه عامر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

المصلحون وعصر "التفاهة"

feather د. ونيس المبروك

تحديات غير مسبوقة في واقعنا الأوروبي | من قواعد التربية [5]

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

تحديات غير مسبوقة في واقعنا الأوروبي | من قواعد التربية [5]

article title

للغرس وقت إن تجاوزته لا يثمر.. من قواعد التربية [4]

article title

كُر وأنت حر.. من أصول التربية والدعوة [3]

banner title

مقالات مرتبطة

د. ونيس المبروك

المصلحون وعصر "التفاهة"

الشيخ طه عامر

تحديات غير مسبوقة في واقعنا الأوروبي | من قواعد التربية [5]

د. عبد السلام البسيوني

الإسلام والحملة على قبح الجاهلية وعوائدها [1]