المصلحون وعصر "التفاهة"

إنَّ مِنْ أهمِّ ما ينبغي أنْ ينشغلَ بهِ المصلِحونَ في هذا العصرِ هو الاستمرارُ في العملِ التربويِّ والإصلاحيِّ القائمِ على الإخلاصِ والإحسانِ، مع إعطاءِ الأولويَّةِ القصوى للنَّشءِ والشَّبابِ، مع إدراكِ طبيعةِ البيئةِ الاجتماعيَّةِ والإعلاميَّةِ التي يعملونَ في إطارِها.
فمحاولةُ إقناعِ عمومِ النَّاسِ، أو تغييرُ ما ترسَّخَ في أذهانِهم من تصوُّراتٍ تشكَّلَت عبرَ سنواتٍ من التَّأثيرِ الإعلاميِّ المكثَّفِ، ليستْ مهمَّةً يسيرةً، بل هي عمليَّةٌ طويلةٌ ومعقَّدةٌ، تتداخلُ فيها عواملُ نفسيَّةٌ واجتماعيَّةٌ وثقافيَّةٌ. كما أنَّ السَّعيَ إلى ملاحقةِ كلِّ شائعةٍ أو تصحيحِ كلِّ معلومةٍ مغلوطةٍ في الفضاءِ العامِّ قد يستهلكُ جهدًا كبيرًا دونَ أثرٍ متناسبٍ.
الظروفُ التي تعيشُها بلدانُنا اليومَ ترتبطُ بسياقاتٍ وتوجيهاتٍ دوليَّةٍ أوسعَ، فنحنُ بحقٍّ نعيشُ في «عصرِ التَّفاهةِ»؛
حيثُ تشهدُ منظومةُ القيمِ نوعًا من الاضطرابِ، ويُعادُ تشكيلُ معاييرِ الحضورِ والتأثيرِ في المجالِ العامِّ. وفي مثلِ هذه البيئاتِ، لا تكونُ الشُّهرةُ دائمًا مرتبطةً بالكفاءةِ أو العمقِ، بل قد تتقدَّمُ عواملُ أخرى كالإثارةِ، والقدرةِ على جذبِ الانتباهِ، وسرعةِ الانتشارِ. فكلَّما ازدادَ الرَّجلُ أو المرأةُ هبوطًا في الخُلُقِ، وابتذالًا في السُّلوكِ، وسطحيةً في الفكرِ؛ ازدادَ شهرةً وجماهيريَّةً وحضورًا.
كما أنَّ وسائلَ الإعلامِ ووسائلَ التَّواصلِ الاجتماعيِّ تسهمُ -بدرجاتٍ متفاوتةٍ- في إبرازِ وترميزِ بعضِ النَّماذجِ التي تكذبُ بصدقٍ وتغشُّ بثقةٍ، وتفتقرُ إلى التَّأهيلِ العلميِّ أو العمقِ الفكريِّ، في مقابلِ تراجعِ حضورِ الخطابِ الجادِّ؛ فكثير من وسائل الإعلام لا تُدار بالكفاءة وحدها، بل بمنطق "رأس المال الرمزي"؛ ممَّا يؤدِّي عادةً إلى تزييفٍ في الوعيِ العامِّ وإفسادٍ للذائقةِ الثَّقافيَّةِ لدى المتابِعِ والمشاهدِ.
ويؤدِّي ذلك أحيانًا إلى تشويشٍ في الوعيِ العامِّ، وإلى صعوبةِ التمييزِ بينَ المعرفةِ الرَّصينةِ والمحتوى السَّطحيِّ. وفي هذا السِّياقِ، قد تتأثَّرُ معاييرُ التَّوظيفِ في المناصبِ المهمَّةِ، فلا يقومُ على الكفاءةِ والأمانةِ، بل تدخلُ اعتباراتٌ أخرى، ممَّا يفرضُ تحدِّياتٍ إضافيَّةً أمامَ الإصلاحِ المجتمعيِّ والمؤسَّسيِّ.
هذا الواقعُ لا يعني الاستسلامَ لهُ، أو التَّطبيعَ معهُ، بل يبرزُ الحاجةَ إلى عملٍ إصلاحيٍّ طويلِ النَّفَسِ، يركِّزُ على بناءِ الإنسانِ، وتعزيزِ القيمِ، وتكوينِ وعيٍ نقديٍّ قادرٍ على التَّمييزِ.
كما أنَّ التمسُّكَ بالفضيلةِ في مثلِ هذه البيئاتِ يكتسبُ أهميَّةً مضاعفةً، لما يتطلَّبُه من صبرٍ وثباتٍ في ظلِّ الضُّغوطِ المختلفةِ. ومن الوسائلِ المهمَّةِ في ذلك: توجيهُ الجهودِ نحو فئةِ الشَّبابِ، عبر تأطيرِهم ضمنَ منظومةٍ قيميَّةٍ واضحةٍ، وتعزيزِ ارتباطِهم بالمصادرِ الأصيلةِ للمعرفةِ، بما يسهمُ في بناءِ وعيٍ متوازنٍ يجمعُ بين الأصالةِ والمعاصرةِ وفهمِ الواقعِ.
وَطِّنوا أنفسَكم على ثوابتِ الإسلامِ وأخلاقِهِ وقيمِهِ، واجمعوا الشَّبابَ تحتَ رايةِ القرآنِ، رايةِ الحقِّ والخيرِ والجمالِ.
فإنَّ هذه «التفاهةَ» -مهما بدتْ طاغيةً ورابيةً- تظلُّ محدودةَ الأثرِ على المدى البعيدِ، بينما تبقى القيمُ الراسخةُ والمعرفةُ النَّافعةُ أكثرَ بقاءً وتأثيرًا في المجتمعاتِ.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؟
#بداية_الإصلاح_وعيٌ
- الكلمات الدلالية
- الإصلاح
- الدعوة
- العصر
- مشكلات المجتمع
- التفاهة
د. ونيس المبروك