path

أخطر أمراض العصر .. رسالة إلى أئمة المسلمين

article title

هناك مرضٌ معنويٌّ خطيرٌ، بدأ يسري في صفوفِ الناسِ، وأرى ضرورةَ تناولِ هذا المرضِ لمعرفةِ أسبابِهِ ووسائلِ علاجِهِ وتدابيرِ الوقايةِ منه؛ هذا المرضُ حذَّر منه القرآنُ، وبيَّن أنَّ اللهَ لعن أُمَّةً من الأممِ بسببه.

هذا المرضُ لا تراه العينُ، ولكن نرى آثارَه في سلوكِ الناسِ ومواقفِهِم؛ هذا المرضُ هو اعتيادُ المنكرِ، أو "موتُ الشعورِ"، أو قل: موتُ القلبِ إزاءَ ما يحدثُ من فسادٍ ومظالمَ ومنكراتٍ.

لا شيء يطمسُ الفطرةَ ويهدمُ الحقيقةَ مثلُ التعوُّدِ على رؤيةِ المنكرِ والفسادِ، ثم التكيُّفِ معه، ثم تبريرِهِ وتمريرِهِ، والرِّضا به.

بعضُ الناسِ يرى المنكرَ فيُنكرُه، ثم يألفُه فلا يُنكرُه، ثم يرضى به، ثم يُدافعُ عنه، ثم يُصبحُ عندهم معروفًا عياذًا بالله.

ولا يزالُ المسلمُ بخيرٍ ما دامَ يحملُ ضميرًا مرهفًا وقلبًا حيًّا، يُنكرُ المنكرَ ويعرفُ المعروفَ. أمَّا إذا رأى وطنًا سليبًا، وظلمًا طاغيًا، وفسادًا مُقنَّعًا، ومالًا مستباحًا، ومنكرًا في ثوبِ معروفٍ، ثم لم يُبالِ بانتهاكِ محارمِ اللهِ، ولم ينتصرْ لدينِهِ، ولم يتمعَّرْ وجهُه من الظلمِ والفسادِ والإفسادِ، فقد تسرَّبَ الفسادُ إلى جوهرِ شخصيَّتِهِ، وماتَ أعظمُ شيءٍ فيه، ألا وهو قلبُه الذي هو معيارُ آدميَّتِهِ، وسرُّ فلاحِهِ ونجاتِهِ يومَ القيامةِ، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89].

صحيحٌ أنَّ اغتصابَ السلطةِ، وغيابَ الحكمِ الرشيدِ، ونهبَ المالِ العامِّ، وتقنينَ سرقتِهِ؛ خطرٌ يُهدِّدُ المجتمعَ ويهدمُ ببطءٍ المقاصدَ الكبرى من حفظِ الدينِ والنفسِ والعقلِ والمالِ والأجيالِ، ولكنَّ نظامَ الحكمِ ورجالَه ما هم إلا مرآةٌ لأحوالِ أفرادِ المجتمعِ؛ فالدولةُ من جنسِ المجتمعِ، وليس العكسَ، أي إنَّ المجتمعَ -بأخلاقِهِ، وتصوراتِهِ للحياةِ، وأعرافِهِ، وموازينِ الخيرِ والشرِّ والحقِّ والباطلِ– هو الذي يُحدِّدُ هويةَ الحكمِ وأولوياتِهِ؛ فالدولةُ مرآةُ المجتمعِ. وقديمًا قيل: كما تكونوا يُولَّى عليكم، ويُحدِثُ للناسِ أقضيةً على قدرِ ما أحدثوا من فجورٍ، والناسُ على دينِ ملوكِهِم، والسلطانُ سوقٌ يُجلَبُ إليها ما يُنفَقُ فيها.

وهكذا تتوالى وتتناسَلُ سلسلةُ الفسادِ في المجتمعِ؛ فإنْ كان الحاكمُ طاغيةً ظالمًا مستبدًّا، رأيتَ الناسَ يُسارعون في ظلمِ بعضِهِم بعضًا، ولا يتورَّعُ القويُّ في العدوانِ وقطيعةِ الأرحامِ، ويتنافسون في التملُّقِ الوضيعِ للحاكمِ وزبانيَّتِهِ.

وإذا رأيتَ الحاكمَ سارقًا مختلسًا، رأيتَ الناسَ يُسارعون في النهبِ والسلبِ من كلِّ بابٍ، والنصبِ والرشوةِ دون حسابٍ، ولا يملأُ أعينَهُم من الحرامِ شيءٌ.

هذا نداءٌ لكلِّ عالمٍ وفقيهٍ وإمامٍ وداعيةٍ غيورٍ، أن يُعظِّمَ ما عظَّمه الشرعُ من المنكراتِ الكبرى التي تمسُّ مقاصدَ الشريعةِ، وألَّا يحصرَ العالمُ والداعيةُ رسالتَه في مسائلِ الفروعِ أو الوعظِ الباردِ، بل يُخصِّصَ جزءًا من خطابِهِ وعملِهِ لإحياءِ قلوبِ الناسِ، وتقويةِ شعورِهِم الإيمانيِّ في كراهيةِ المنكرِ وإنكارِهِ.

إنَّ اللهَ لا يظلمُ الناسَ شيئًا، وسننَ الكونِ لا تُحابي أحدًا ولو كان تقيًّا، وقد تكونُ الفرعونيَّةُ والقارونيَّةُ التي تتقاسمُ أوطانَ المسلمينَ عقوبةً من اللهِ تعالى بما كسبتْ أيدينا، أو بما كسبتْ قلوبُنا؛ فإنَّ اللهَ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ويقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدِرون على أن يُغيِّروا، ثم لا يُغيِّروا، إلا يوشكُ أن يعمَّهُم اللهُ منه بعقابٍ".

د. ونيس المبروك د. ونيس المبروك

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

كُر وأنت حر.. من أصول التربية والدعوة [3]

feather الشيخ طه عامر

الوصايا العشر في التربية الوالدية

feather الشيخ أحمد محمود عمورة

اقرأ أيضا للإمام

article title

محاولة في ترشيد الوعي والسعي

article title

من فقهنا السياسي

article title

جدل المواسم

banner title

مقالات مرتبطة

الشيخ طه عامر

كُر وأنت حر.. من أصول التربية والدعوة [3]

الشيخ أحمد محمود عمورة

الوصايا العشر في التربية الوالدية

الشيخ طه عامر

ما تأخر من بدأ.. في التربية والتكوين [2]