path

محاولة في ترشيد الوعي والسعي

article title

هذه بعض القضايا المنهجية "قد" تُعين في فهم ما يجري:

1- إذا أردت أن تفهم أي قضية مُركبة، أو صراع مرير، فلا تطلق لعواطفك العنان، بل حاول أن تربطه بجذره، وأصله الذي تفرع عنه... بمعنى آخر: لابد من وضعه في مجاله أو أقرب المجالات له، هل هو صراع عقائدي أم سياسي أم اجتماعي، أم صراع تجتمع فيها كل هذه المنطلقات ولكن بنسب متفاوتة.

لأنَّ لكلِّ مجال "طبيعته" ومنطِقه، وأدواته، ومآلاته، وقواعد يسير عليها، وإن عدم إدراك طبائع الأشياء هو الخطوة الأولى في سوء التدبير والضلالة في السَيْر.

2- في الأمور المُركبة، كالنزاعات السياسية والعسكرية التي تتعدد أطرافها (الظاهرة والخفية) لا يصح، بل لا يعقل أن تضع الناس فيها بين خيارين لا ثالث لهما! فهذه مغالطة وتزييف للوعي وتضييق مساحة الفهم الصحيح لمجريات الأمور وعواقبها، بل تضييق لحركة الحياة التي تمور بكل جديد، وتتسع لطيف أوسع من الخيارات

كما لا يمكن "تعميم" موقف مُوحَّد، وقَالَب جامد لكل الناس! فقد تتعدد المواقف، ويتنوع الخطاب، وتتبدل السياسات، بل تتعدد الثغور، وكل ذلك بحسب الوسع، وبحسب السياقات وتوقع المآلات؛ فقد يكون الخيار الأحكم والأنسب هو مسار ثالث غاب عنك، أو رابع غُيبت عنه؛ فيه تحقيق للمقاصد وتفويت للمفاسد وإسقاط للخيار القسري الأوحد.

ولنحذر من بعض المُغرضين الذين يُخيرون الناس بين أمرين لا ثالث لهم، فيمارسون إرهاب التصنيف ثم التصفية الأدبية والاجتماعية، بناء على تلك القسمة الثنائية الضيزى.

3- مما يعين على فهم الظواهر، استصحاب فكرة "رأس جبل الجليد" فكثير من جبال الجليد الضخمة الراسخة، لا يظهر على سطح الماء منها إلى رأسها المدبب الصغير، والطفل يظن أن ما ظهر له هو الحقيقة الكاملة لذاك الجبل... وكذلك بعض جولات التدافع البشري الذي جعله الله من سنن الكون، فإن لهذه الجولات والأحداث والمواقف التي تظهر على السطح، جذورا تاريخية راسخة، وآمادا من النزاع الثقافي والاجتماعي، ودَورة من دورات "صراع المشاريع الكبرى" في المنطقة، والذي لا يظهر منها أحيانا إلا "رأس جبل الجليد".

4- أكثر مجال يُستخدم فيه الكذب والخداع والخيانة ونقض المواثيق؛ هو مجال السياسة، بخاصة إذا خَلَتْ من الدين والخُلق- كما هو اليوم- وازداد الأمر تعقيدا عندما صار الإعلام المعاصر في خدمة هذه الصناعة... ولهذا السبب يقع كثير من السُذَّج والعاطفيين "الدراويش" في خديعة وأكاذيب بعض الساسة! ويصدقون أجهزةَ إِعلامِهم، وحَمَلةَ أقلامهم، وقد يحدث هذا ايضا مع بعض الفقهاء لأنهم -كما قال العلامة ابن خلدون- "متعوّدون في سائر أنظارهم الأمور الذَّهنيَّة والأنظار الفكريَّة لا يعرفون سواها. والسَّياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنَّها خفيّة. ولعلَّ أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلّيّ الّذي يحاول تطبيقه عليها".

5- قد تضطرك الأمور لاختيار الشر والإقدام على مفسدة! لا حُبًا لها، ولكن لأنك لا تملك خيارا آخر؛ فمن السهل التمييز بين الخير والشر، أو بين المصلحة والمفسدة، ولكن الابتلاء الأصعب، ومحك الفقه والحكمة هو التفريق بين الخيرين والمفاضلة بين أحد الشرين، أو بتعبير ابن تيمية رحمه الله "معرفة خير الخيرين وشر الشرين"

وقد يدفع العلو والاعتداء والانتهاكات التي تقوم بها بعض الدول والأنظمة تحت شعارات طائفية، بعضَ الناس لاختيار أخف الشرين؛ لا عن حب وولاء، ولكن طلبا للأمن والبقاء.

لعل هذه الأحداث الكبيرة تضع المسلمين –عربًا وعجمًا شعوبًا وحكومات- وجهًا لوجه وبشكل سافر جلي أمام حقيقة المشروع العقدي الكبير الذي يهدد مقومات وجودهم، ولا يفرق بين حليف مؤقت، أو عميل خفي، أو عدو مُعلَن...

إن لله في هذا الكون قوانين وسنن، فقد تأتي المِنح في طيات المِحن، وتتكشف ألطاف اليُسر في ظواهر العُسر، فتتنادى الأنظمة والشعوب من أجل مشروع تحرري حضاري جديد، يحفظ ديننا، ويُنهي القطيعة، ويؤمِن أوطاننا، ويحقق آمالنا.

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

د. ونيس المبروك د. ونيس المبروك

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

فلسفة الأفضليَّات في الصيام

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

رمضان وإحياء الضمائر

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

من فقهنا السياسي

article title

جدل المواسم

article title

لماذا هجرنا قواعد الجرح والتعديل ؟!

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

فلسفة الأفضليَّات في الصيام

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رمضان وإحياء الضمائر

د. يونس محمد صالح الزلاوي

أنا رمضان.. فمن أنت؟