الإسلام والحملة على قبح الجاهلية وعوائدها [2]

ممَّا هدمه الإسلام من القبح: عبادة الجاهلية:
ففي البخاري: 4954 عن سيدي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم؛ وهو يُحدّثُ عن فترة الوحي: (بينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعتُ بصري، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراءٍ جالسٌ على كُرسيٍّ بين السّماء والأرض، ففرقتُ منه، فرجعتُ، فقُلتُ: زمِّلُوني زمِّلُوني، فدثّرُوهُ، فأنزل اللّهُ تعالى: (يأيُّها المُدّثّرُ* قُم فأنذر* وربّك فكبّر* وثيابك فطهّر* والرّجز فاهجُر) - قال أبو سلمة: وهي الأوثانُ الّتي كان أهلُ الجاهليّة يعبُدُون - قال: ثُمّ تتابع الوحيُ!
وفي مسلم: 3028 عن سيدي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت المرأةُ تطُوفُ بالبيت وهي عُريانةٌ، فتقُولُ: من يُعيرُني تطوافًا؟ تجعلُهُ على فرجها، وتقُولُ:
اليوم يبدُو بعضُهُ، أو كُلُّهُ ** ** فما بدا منه فلا أُحلُّهُ
فنزلت هذه الآيةُ: (خُذُوا زينتكُم عند كُلّ مسجدٍ) [الأعراف:31]!
وفي مرقاة المفاتيح/ 2554 عن سيدي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكًا هو لك، تملكه؛ وما ملك) ما نافية: وقيل موصولة! قال الطيبي: كان المشركون يقولون (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك) فإذا انتهى كلامهم إلى لا شريك لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قدٍ قدٍ؛ أي اقتصروا عليه، ولا تتجاوزوا عنه إلى ما بعده).
وجاء في الحاوي في تفسير القرآن الكريم/ فصل في تغيير أهل الجاهلية مناسك الحج:
اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه السلام، وذلك أن قريشًا وقومًا آخرين سموا أنفسهم بالحمس، وهم أهل الشدة في دينهم، والحماسة الشدة يقال: رجل أحمس وقوم حمس، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة، والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة! فيدخلون في غور من الأرض - وهو المنخفض منها - وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة، وصاروا في غور من الأرض، فأمر الله تعالى محمدًا عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، والآية لا دلالة فيها على ذلك، بل السنة دلت على هذه الأحكام. ا.ه.
وممَّا هدمه الإسلام من فعل الجاهلية المأكولات الخبيثة الضارة:
يقول تبارك وتعالى في الآية الثالثة من سورة المائدة: (حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع - إلا ما ذكيتم - وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق....)!
وإنك لو تأملت هذه المنهيات من مطاعمهم لوجدت كيف كانوا جفاة، عديمي الذوق، يأكلون أي شيء؛ مستحلِّين، أو متأوِّلين؛ خصوصًا أشكال الميتة؛ التي ذُبحت بسكين الله -كما يفترون- والدم الذي يأكلونه بالصوف، أو غميسًا! يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية:
"... وقال ابن أبي حاتم: عن سيدي أبي أمامة صدي بن عجلان رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هلم يا صدي فكل. قال: قلت: ويحكم! إنما أتيتكم من عند مُحرم هذا عليكم، وأنزل الله عليه، قالوا: وما ذاك؟
قال: فتلوت عليهم هذه الآية: (حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير)".
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، وزاد بعد هذا السياق: قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام، ويأبون علي، فقلت لهم: ويحكم، اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش -قال: وعلي عباءتي- فقالوا: لا؛ ولكن ندعك حتى تموت عطشًا! قال: فاغتممت، وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آتٍ في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس شرابا ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة!
وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحق:
وإياك والميتات.. لا تقربنها ولا تأخذن عظمًا حديدًا فتفصدا
وذا النصب المنصوب لا تأتينه ولا تعبد الأصنام والله فاعبدا
أي: لا تفعل كما يفعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع أخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره، أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه! ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة!
وقد قرأت أن طوائف من عبدة الشيطان، والجماعات المهووسة بمصاصي الدماء، تؤمن بقوة الدم الخارقة والسحرية، ويقوم أعضاؤها باحتسائه خلال حفلاتهم السرية التي تقدم فيها أضحية بشريةّ! وقرأت أن طوائف من اليهود يعجنون الفطير بالدم في عيد لهم، وفي بريطانيا يبيعون في محلات الوجبات السريعة سندوتشات برجر بالدم تسمى Black Pudding Burger ورأيت في إسبانيا في السوبر مارتس النقانق بالدم، معلقة في كل المحلات التي دخلتها!
كما رأيت في برنامج وثائقي أبناء قبيلة الماساي في أفريقيا يفعلون ذلك اليوم؛ تمامًا كفعل أهل الجاهلية الأولى - كما في الصورة أدناه - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
** ومما هدمه الإسلام من فعل الجاهلية: الكسب من الكهانة وأعمال والشرك:
ففي البخاري: 3842 عن سيدتي عائشة رضي الله تعالى عنها: كان لأبي بكرٍ غُلامٌ يُخرجُ له الخراج، وكان أبو بكرٍ يأكُلُ من خراجه، فجاء يومًا بشيءٍ؛ فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغُلامُ: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هُو؟ قال: كُنتُ تكهّنتُ لإنسان في الجاهليّة، وما أُحسنُ الكهانة، إلّا أنّي خدعتُهُ، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكرٍ يدهُ، فقاء كُل شيءٍ في بطنه!
** ومما هدمه الإسلام من فعل الجاهلية الدعارة والدياثة والزنا:
ففي البخاري: 5127 وغيره عن سيدتي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّ النّكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاءٍ:
• فنكاحٌ منها نكاحُ النّاس اليوم: يخطُبُ الرّجُلُ إلى الرّجُل وليّتهُ أو ابنتهُ، فيُصدقُها ثُمّ ينكحُها!
• ونكاحٌ آخرُ: كان الرّجُلُ يقولُ لامرأته إذا طهُرت من طمثها: أرسلي إلى فُلانٍ فاستبضعي منه ويعتزلُها زوجُها ولا يمسُّها أبدًا، حتّى يتبيّن حملُها من ذلك الرّجُل الذي تستبضعُ منه، فإذا تبيّن حملُها أصابها زوجُها إذا أحبّ، وإنّما يفعلُ ذلك رغبةً في نجابة الولد، فكان هذا النّكاحُ نكاح الاستبضاع!
• ونكاحٌ آخرُ: يجتمعُ الرّهطُ ما دُون العشرة، فيدخُلُون على المرأة، كُلُّهُم يُصيبُها، فإذا حملت ووضعت، ومرّ عليها ليالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجُلٌ منهم أن يمتنع، حتّى يجتمعُوا عندها، تقُولُ لهم: قد عرفتُمُ الذي كان من أمركُم وقد ولدتُ، فهو ابنُك يا فُلانُ، تُسمّي من أحبّت باسمه فيلحقُ به ولدُها، لا يستطيعُ أن يمتنع به الرّجُلُ!
• ونكاحُ الرّابع: يجتمعُ النّاسُ الكثيرُ، فيدخُلُون على المرأة، لا تمتنعُ ممّن جاءها، وهُنّ البغايا، كُنّ ينصبن على أبوابهنّ راياتٍ تكُونُ علمًا، فمن أرادهُنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهُنّ ووضعت حملها جُمعُوا لها، ودعوا لهمُ القافة، ثُمّ ألحقُوا ولدها بالّذي يرون، فالتاط به، ودُعي ابنهُ، لا يمتنع من ذلك! فلمّا بُعث مُحمّدٌ صلّى اللهُ عليه وسلّم بالحقّ، هدم نكاح الجاهليّة كُلّهُ؛ إلّا نكاح النّاس اليوم.
** وممَّا هدمه الإسلام الفخر بالآباء والأنساب:
يقول تبارك وتعالى في سورة المؤمنون/ 101: (فإذا نُفخ في الصُّور فلا أنساب بينهُم يومئذٍ ولا يتساءلُون)! وفي صحيح ابن حبان/: 5775 عن سيدي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: (لا تفخروا بآبائكم في الجاهليّة؛ فوالّذي نفسُ محمّدٍ بيده لما يُدهدهُ الجُعلُ بمنخريه خيرٌ من آبائكم الّذين ماتوا في الجاهليّة)!
** وممَّا هدمه الإسلام احتفالات الجاهلية:
فقد أخرج أبو داود/1134عن سيدي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: قدمتُ عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكُم اللهُ بهما خيرًا منهما: يومٌ النحر، ويومُ الفطر)!
** وممَّا هدمه الإسلام ثأر الجاهلية:
ففي تخريج المسند: 16376 بسند حسن لغيره عن سيدي أبي شريح العدوي خويلد بن عمرو مرفوعًا: (وإنّ أعتى النّاس على الله عزّ وجلّ ثلاثةٌ: رجُلٌ قتل فيها، ورجُلٌ قتل غير قاتله، ورجُلٌ طلب بذحلٍ في الجاهليّة، وإنّي والله لأدِينّ هذا الرّجُل الذي قتلتُم) فوداهُ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم!
** وممَّا هدمه الإسلام نياحة الجاهلية:
فقد أخرج البخاري/3519، عن سيدي عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: (ليس منَّا من ضرب الخُدُود، وشقِّ الجُيُوب، ودعا بدعوى الجاهليَّة).
** وممَّا هدمه الإسلام إهانة المرأة وإقصاؤها:
قال الله تعالى: (ولا تتمنّوا ما فضّل اللّهُ به بعضكُم علىٰ بعضٍ؛ لّلرّجال نصيبٌ مّمّا اكتسبُوا، وللنّساء نصيبٌ مّمّا اكتسبن، واسألُوا اللّه من فضله؛ إنّ اللّه كان بكُلّ شيءٍ عليمًا) النساء:32!
وقال تعالى: (ولهُنّ مثلُ الّذي عليهنّ بالمعرُوف) البقرة:228!
وفي البخاري: 5843 عن سيدي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لبثتُ سنةً وأنا أُريدُ أن أسأل عُمر، عن المرأتين اللّتين تظاهرتا على النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، فجعلتُ أهابُهُ، فنزل يومًا منزلًا فدخل الأراك، فلمّا خرج سألتُهُ فقال: عائشةُ وحفصةُ، ثُمّ قال: كُنّا في الجاهليّة لا نعُدُّ النّساء شيئًا، فلمّا جاء الإسلام وذكرهُنّ اللّهُ، رأينا لهنّ بذلك علينا حقًّا، من غير أن نُدخلهُنّ في شيءٍ من أُمُورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلامٌ، فأغلظت لي، فقُلتُ لها: وإنّك لهناك؟
قالت: تقُولُ هذا لي وابنتُك تُؤذي النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم؟!
فأتيتُ حفصة فقُلتُ لها: إنّي أُحذّرُك أن تعصي اللّه ورسولهُ، وتقدّمتُ إليها في أذاهُ، فأتيتُ أُمّ سلمة فقُلتُ لها، فقالت: أعجبُ منك يا عُمرُ، قد دخلت في أُمُورنا، فلم يبق إلّا أن تدخُل بين رسول اللّه صلّى اللهُ عليه وسلّم وأزواجه؟ فردَّدت!
وكان رجُلٌ من الأنصار إذا غاب عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وشهدتُهُ أتيتُهُ بما يكونُ، وإذا غبتُ عن رسول اللّه صلّى اللهُ عليه وسلّم وشهد أتاني بما يكونُ من رسول اللّه صلّى اللهُ عليه وسلّم، وكان من حول رسول اللّه صلّى اللهُ عليه وسلّم قد استقام له، فلم يبق إلّا ملكُ غسّان بالشّام، كُنّا نخافُ أن يأتينا، فما شعرتُ إلّا بالأنصاريّ وهو يقولُ: إنّه قد حدث أمرٌ، قُلتُ له: وما هُو؟ أجاء الغسَّانيُّ؟ قال: أعظمُ من ذاك، طلَّق رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم نساءهُ!
فجئتُ فإذا البُكاءُ من حُجرهنَّ كُلِّها، وإذا النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم قد صعد في مشرُبةٍ له، وعلى باب المشرُبة وصيفٌ، فأتيتُهُ فقُلتُ: استأذن لي، فأذن لي، فدخلتُ، فإذا النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم على حصيرٍ قد أثَّر في جنبه، وتحت رأسه مرفقةٌ من أدمٍ حشوُها ليفٌ، وإذا أُهُبٌ مُعلَّقةٌ وقرظٌ فذكرتُ الذي قُلتُ لحفصة وأُمِّ سَلَمَة، والذي ردَّت عليَّ أُمُّ سلمة، فضحك رسولُ اللّه صلى اللهُ عليه وسلم، فلبث تسعًا وعشرين ليلةً ثُمّ نزل.
- الكلمات الدلالية
- الجمال
- الإسلام
- الجاهلية
- القبح
- علم الجمال
د. عبد السلام البسيوني