path

الشيخ الغزالي الرباني

article title

بدايةً، لا أزكي على الله تعالى أحدًا، وأحسب الشيخ رحمه الله تعالى ربانيَّ الروح والعقل منذ بداياته الأولى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم:

يقول رحمه الله: سألني مدرس النحو، وأنا طالب في المرحلة الابتدائية: 

أعرب يا ولد: رأيت الله أكبر كل شيء! 

فقلت على عجل: رأيتُ: فعل وفاعل، والله: منصوب على التعظيم! 

وحدثت ضجة من الطلبة، ونظرت مذعورًا إلى الأستاذ، فرأيت عينيه تذرفان بالدموع! 

كان الرجل من القلوب الخاشعة، وقد هزّه أني التزمت الاحترام مع لفظ الجلالة كما علموني، فلم أقل إنه مفعول أول، ودمعت عيناه تأدُّبًا مع الله!

كان ذلك وهو في المرحلة الابتدائية؛ فأي سبق، وأي وعي، وأي نور، وأي شفافية!؟ رحمه الله وأجزل مثوبته.

ويبدو أن هذا من نية الأب الصالح، فمن البدايات سماه أبوه محمد الغزالي تيمنًا باسم الإمام أبي حامد محمد الغزالي؛ بعد أن رأى حجة الإسلام في منامه يقول له: إنه سوف ينجب ولدًا، ونصحه أن يسميه على اسمه: الغزالي؛ فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه! فطرح الله عليه البركة في عمله، وهمته، ورؤيته الخاصة، وفي وظائفه أيضًا؛ إذ عمل مديرًا للمساجد، ووكيلًا لوزارة الأوقاف، وفي السعودية عين رحمه الله رئيسًا لقسم الدعوة وأصول الدين بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وعمل أستاذًا للدعوة بجامعة قطر، وشغل أمين أمناء الجامعة الإسلامية بباكستان، وبالجزائر رئيسًا للمجلس العلمي في الجامعة الإسلامية في قسنطينة، كما درَّس في الأردن والكويت وأميركا، وعرفت فضله الدعاة، والمنابر، والإعلام، وشهدت الصحف معاركه العلمية والتجديدية، ونضاله عن دينه، وعقيدته، ونبيه صلى الله عليه وسلم، وبقي منافحًا عن الإسلام في مقدمة الصفوف حتى آخر لحظات عمره.

وكان من توفيق الله تعالى إياه أن التحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وبدأت كتاباته في مجلة (الإخوان المسلمين) أثناء دراسته بالسنة الثالثة في الكلية، بعد تعرفه على الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة، وظل الإمام يشجعه على الكتابة حتى تخرّج بعد أربع سنوات في سنة (1360هـ/ 1941م) وتخصص بعدها في الدعوة والإرشاد حتى حصل على درجة العالمية سنة (1362 هـ/ 1943م) وعمره ست وعشرون سنة، وبدأت بعدها رحلته في الدعوة من خلال مساجد القاهرة، وقد تلقى العلم عن الشيخ عبد العظيم الزرقاني، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبو زهرة والدكتور محمد يوسف موسى والشيخ محمد محمد المدني وغيرهم من علماء الأزهر.

ومن مواقفه ذات الدلالة على ربَّانيَّته –ولا أزكيه على الله تعالى- ما رواه في مذكراته:

جاءتني (برقية) من البلد تطلب حضوري فورًا، فأدركت أن خطرًا داهم الأسرة، وسافرت وأنا

 مشتت الذهن، واسودّت أفكاري عندما رأيت دكان أبي – عن بُعد - وهو مغلق!

تحرّكت قدماي بلا وعي إلى البيت، ورأيت أبي يصرخ من مغص كلوي أصيب به، والأولاد من حوله حيارى، وقد أعطاه الطبيب بعض الأقراص المخدّرة، ولكن الآلام كانت أربى وأقسى، وقالوا: لا بد من جراحة تستخرج ما في الكلى من حصيات!

وفتحت الدكان ووقفت مكان أبي أعمل، وأنا خبير بذلك؛ لأني في أثناء الإجازة الصيفية أساعده. ومضت عدة أيام ونحن نتروّى ونتدارس ما نصنع: أجور الأطباء فوق الطاقة، ولو أمكن إعدادها فإن الجراحة كانت يومئذٍ غير مأمونة العقبى، وقد مات عمٌّ لي في جراحة مشابهة؛ فماذا نصنع؟

وحاصرني غم ثقيل، وأخذت شخوص الأشياء تتقلص أمام عيني، وثبتت بصيرتي على شيء واحد: الله وحسب! وكأنَّما كنتُ أكلم الناس وأنا حالم!

وجاء رجل يشتري بعض الأغذية، ولما قدمتها له قال لي بصوت ضارع: ليس معي ثمنها الآن، وأقسم بالله إنه لصادق، وإنه غدًا يجيء بالثمن!

ووقر في نفسي أن الرجل محرج فقلت له: خذ البضاعة وهي مني إليك، وانصرف الرجل غير مصدّق ما سمع! 

أما أنا فذهبت إلى ركن في الدكان، وقلت: يا ربِّ، نبيُّك صلى الله عليه وسلم قال لنا: داووا مرضاكم بالصدقة! فأسألك أن تشفي أبي بهذه الصدقة! وجلست على الأرض أبكي! 

وبعد ساعة سمعت من يناديني من البيت - وكان قريبًا - فذهبت على عجل وقد طاش صوابي! وفوجئت بأبي يلقاني وراء الباب يقول: نزلت هذه الحصاة مني - وكانت حصاة أكبر قليلًا من حبة الفول - لا أدري ما حدث، لقد شفيت!

وفي صباح اليوم التالي كنت في الكلية، أحضر الدروس مع الزملاء!

إن الذي يجيب المضطر إذا دعاه رحمني، ورحم الأسرة كلها، فله الحمد!

وممَّا حدث له ممَّا يعكس ربانية القلب -ولا أزكيه على الله تعالى- أنه خطب في جامع عمرو ابن العاص رضي الله عنه برؤيا، كما كتبت معلمتي سناء البيسي عن الغزالي: "سيد الدعاة في الأهرام/ 23 فبراير 2008":

لأن شيخنا الجليل محمد الغزالي كان رجل دعوة تنير العقول بالحقائق، وتقدم الدين من ينابيعه الصافية؛ خالصًا من الزوائد، والشوائب، وآفات التدين الفاسد‏، ‏ لا يحب الرياء الديني، ولا الرياء الاجتماعي، ولا الرياء السياسي‏؛ ولأنه أزعج السلطات يومًا فحذرته، وعندما لم يستجب صدر القرار الوزاري عام ‏1971‏ بمنعه من الخطابة في المساجد عامة‏! ويأتي الحليم الذي يعرف قدره - الدكتور عبد الحليم محمود‏ - وزيرًا للأوقاف، فيطالب بعودة الشيخ الغزالي، فتلبي الجهات المعنية الطلب علي استحياء من الرجل الصوفي المسؤول، صاحب الشأن الكبير في العالم الإسلامي‏! 

ويرسل الدكتور عبد الحليم يدعو الغزالي في يوم أربعاء ليخبره‏: ‏ 

يا شيخ محمد: ها قد عدت إلى المنبر‏، ‏ وستخطب بإذن الله الجمعة القادمة من منبر جامع عمرو بن العاص‏، ‏ وإني قد رأيته في الرؤيا يشكو من هجر مسجده‏! 

ويهبط القرار علي الغزالي بأحاسيس متضاربة، مستهلها فرَحٌ لاستئناف ما وهب من أجله‏: الدعوة‏.‏ وحزنٌ لأن القلب لا يحمل حبًّا لعمرو بن العاص - نتيجة سوء فهم لموقفه المعادي لعلي ابن أبي طالب في حادثة التحكيم، ندم عليه بعدُ - ويعلن الغزالي رفضه صراحة! فيحاصره ويخجله الدكتور عبد الحليم‏: ‏ يا شيخ محمد: أنت ستخطب بإذن الله الجمعة القادمة في جامع عمرو، وستكون إمامًا، وسوف أصلي خلفك‏!

ويسقط في يد الشيخ الغزالي، لتأتي الجمعة، ويصعد مكرهًا منبر عمرو بن العاص‏، ‏ لكنه في هبوطه - كما روي - كانت تغمره سعادة خفية لا يدري مصدرها، فيقرر الاستمرار، وينتعش الجامع الذي اجتمعت المحافظة والوزارة على تجديده‏، ‏ ويقبل الناس على خطب الشيخ حتى يبلغ الحاضرون عشرات الألوف!

ويتذكر الغزالي مجهشًا بالبكاء -نادمًا على موقفه الأول من سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه- استدعاء الشيخ الباقوري له في بيته لأمر مهم‏: عندما جلست على المقعد القريب إذا بالشيخ الباقوري -وكان المرض قد نال منه- ليقعده يقربني أكثر ويبادرني بالسؤال‏: ‏ 

ماذا بينك وبين عمرو بن العاص؟ 

فتعجبت وقلت‏: لا شيء‏! ‏إنني أخطب الآن في مسجده‏!

فعاد ليقول لي‏:‏ أنا أحكي لك ما رأيت‏، والتفسير لك‏؛ فبينما كنت نائمًا إذ شعرت بطارق يطرق الباب، ويقول بصوت جهوري‏: ‏ الوالي قادم‏! 

فسألت من هو الوالي القادم؟ ‏! ‏ فقال الطارق‏: ‏ عمرو بن العاص! 

فتأهبت للقاء صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشعرت بخفة في بدني‏، ‏ ودخل عمرو ابن العاص وجلس مكانك هذا‏، ‏ رجل قصير القامة، في عينيه عمق كأنهما أغوار محيطات‏، ‏ فقال لي‏: ‏ أبلغ الشيخ محمد الغزالي أنني غفرت له تطاوله علي؛ لأنه أحيا مسجدي بعدي! 

ولا تعليق!

وربانية الشيخ ليست دروشة بلهاء، ولا تيهًا عقليًّا، ولا ادعاء؛ أو قناعًا يصيد به الدنيا، فتدينه -من بداياته- بصيرٌ رشيدٌ نبهان، يقول رحمه الله تعالى:

وقد رأيت كثيرًا من الناس، يدلفون إلى الدين من باب الخدم، ويخرجون إلى الدنيا كذلك من باب الخدم! هؤلاء ليسوا قادة الدين:

هناك نساءٌ يفشلنَ في الحب، أو يشبعنَ من الخطايا، أو تقع لهنَّ كوارث تقيم بينهنَّ وبين الحياة المُشتهاة حجابًا كثيفًا، فماذا يفعلنَ بأنفسهنَّ؟! يذهبنَ إلى الدير، وينذرن أنفسهنَّ لله إلى الأبد/ وهناك، رجالٌ كذلك، طردتهم الحياة من ميادينها، فلجؤوا إلى الدين؛ إذ لا ملجأ غيره!/ فإذا كان موظفًا، أُحيلَ إلى المعاش، عرف طريقه إلى صفوف المساجد!/ وإذا كان منكوبًا في ناحية ما من دنياه، تحوَّل إلى الدين، يلتمس في رحابه متسعًا!

وأبواب الإنابة لا تُغلَق في وجه محزونٍ يلتمس العزاء، ولا في وجه آيبٍ إلى الله عز وجل، ينشد حسن الختام! بيد أن قيادة الحياة إلى الله عز وجل، لا تستمد رجالها من هؤلاء وأولئك!

إن الدين، قمة الكمال الإنساني، النابت في ربوع القوة والنور والحركة والعزم. والقرآن الكريم كتاب يجيء إلى البشر أجمعين، ليبني قواهم على الحق، ولينشئ عواطفهم على الخير، وليجعل التعاون على البر والتقوى!

ويا الله، ما أرشد، وما أبصر، وما أرقى!

وهو الذي يقول أيضًا: في مجال العلم الديني رأيت ناسًا مُتَبَحِّرين في المنقول والمعقول، بهم فقه واسع، ومحفوظات كثيرة، لكن قلوبهم يَشينها جفاف بالغ:

تولَّى أحدهم القضاء، وقَدِمت إليه امرأة متهمة بالزنا، فما زال يستدرجها، ويمكُر بها؛ حتى اعترفت له، وحكم برَجْمِها، لأنها متزوجة!

قلت: هذا منهج يهودي، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يرشد المتهم ليفر من العقاب، ويتراجع عن قراره، ويتحايَل عليه لينصرف آمنًا؛ أما هذا القاضي فإنه احتال على المُذنِب ليقتله! ليس هذا أسلوب الإسلام.

والعلة أن جانبًا آخر من الثقافة الإسلامية لم يُصلِح قلب الرجل فبَقِيَ معتلًا، ولو أَلِف علم القلوب وذاق الجانب العاطفي من الإسلام لستر وغفر، يستره الله ويغفر له!

إن المؤمن لا يبهجه وقوع سيئة من أحد. ويوم يحس الرضا في نفسه لجريمة تقع من إنسان عدو أو صديق فليثق بأن في إيمانه علة خفية، وليسع إلى الاستشفاء منها.

وقال: ولست ألوم أحدًا استهان بنا، أو ساء ظنه بديننا؛ ما دمنا المسؤولين الأوائل عن هذا البلاء؛ إن القطيع السائب لا بد أن تفترسه الذئاب!

وهو الذي كتب كتابه في فقه السيرة، مميزًا مشحونًا بالعاطفة والحب والإجلال، وألقى دروسه ومحاضراته عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبكى وأبكى تعبيرًا وإجلالًا وشوقًا!

مستلة من كتابي: عبقرية الغزالي

د. عبد السلام البسيوني د. عبد السلام البسيوني

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

احذر يا ابني الغالي

feather دكتور سعد الكبيسي

احذري يا ابنتي الغالية

feather دكتور سعد الكبيسي

اقرأ أيضا للإمام

article title

علم الجمال في الإسلام: قراءة مفقودة

article title

ليلة القدر: مفاهيم منسية.. ورؤى عصرية

article title

حدث في رمضان: زواج أمنا سودة بنت زمعة رضي الله عنها

banner title

مقالات مرتبطة

دكتور سعد الكبيسي

احذر يا ابني الغالي

دكتور سعد الكبيسي

احذري يا ابنتي الغالية

د. عبد السلام البسيوني

علم الجمال في الإسلام: قراءة مفقودة