الذين يتوبون من قريب

الذين يتوبون من قريب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،
فقد تأملتُ كثيرًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 17-18].. ومَنْ هؤلاء الذين يتوبون من قريب بعد الوقوع في الذنب بجهالة وقد أوجب الله على نفسه قبول توبتهم؟
والذي يبدو لي راجحًا من أقوال المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين كأبي حامد الغزالي ورشيد رضا أن المراد بالذين يتوبون من قريب: الذين يتوبون في زمن قريب من اقتراف المعصية، وليس من يتوب قبيل الغرغرة؛ فالأصل أن لا يقع العبد في الذنب إلَّا عن جهالة، ثم يتوب عقب الذنب مباشرةً فيندم على ذنبه، ويمحو أثره بالحسنة بعده قبل أن يتراكم الرَّانُ على قلبه، ويعجز بعد ذلك عن محوه وإزالته، كما في الحديث: "إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقَل منها، وإن زاد زادت حتَّى يُغلَّفَ بها قلبُه، فذلك الرَّانُ الَّذي ذكر اللهُ في كتابِه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ" (الترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة).
وترك المبادرة إلى التوبة من قريب يوقع العبد بين خطرين: تراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا لا يقبل المحو، الثاني: أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو فما هلك من هلك إلا بالتسويف فيكون تسويده القلب نقدًا وجلاؤه بالطاعة نسيئة إلى أن يختطفه الموت، فيأتي الله بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. وهذه محفزات لبلوغ التوبة من قريب حتى تكون مقبولة عند الله:
1. رعاية خصوصية زماننا وواقعنا الأوروبي:
إنَّ من أهم سمات عصرنا كثرة الملهيات والصوارف وتزيين وتلوين الشهوات وسهولة التلبس بها والاعتياد عليها، والواقع الأوروبي يضاعف من تراكم الوقوع في صغائر الذنوب دون التوبة منها؛ فالبيئة الأوروبية تجمع بين يسر المحرمات وعدم الإنكار القلبي لها، وبين صعوبة محو أثرها بالطاعات والقربات، فالمساجد بعيدة عن العمل والبيوت، ومنظومة العمل والحياة لا تراعي الخصوصية الدينية للمسلمين في الغرب، وأمام هذين الأمرين يجد المسلم الأوروبي نفسه يدور في ترس الحياة ودروبها وماديتها ويسوِّف التوبة ويؤخرها حتى يجد نفسه على فراش الموت أو على عتبات القبر دون زاد أو توبة صادقة قبل الممات، لهذا وجب على المسلم الأوروبي المسارعة إلى التوبة من قريب وعدم التسويف أو التأخير وتجديد التوبة كلما تكرر الذنب، فعن عقبة بن عامر أن رجلًا قالَ يا رسولَ اللَّهِ أحدُنا يُذنِبُ الذَّنبَ" قالَ: يُكْتبُ عليهِ، قالَ: ثمَّ يستغفرُ ويتوبُ، قالَ: يُغفَرُ لَهُ ويتابُ عليهِ، قالَ: ثمَّ يَعودُ فيذنبُ، قالَ: يُكْتبُ عليهِ. قالَ: ثمَّ يَستَغفرُ ويَتوبُ، قالَ: "يُغفَرُ لَهُ ويُتابُ عليهِ ولا يملُّ اللَّهُ حتَّى تملُّوا" البيهقي والطبراني بسند صحيح.
٢. تجاوز حالة الغفلة وقسوة القلب:
لا شيء يقطع الغفلة عن العبد ويوقف استمرار قسوة القلب وتراكم النكات السوداء عليه مثل التوبة من قريب، ولا شيء يزيد من قسوة القلب ويعقد أمر علاجه وترقيقه ومحو الران والنكات السوداء من عليه مثل التوبة من بعيد وتأخيرها حتى الأيام الأخيرة في حياة المسلم، وقد لاحظتُ أن كثيرا من الناس يفيق ويتوب ويعود إلى ربه ويسأل عن الأعمال الصالحة وأبواب الخير والنفقة في أواخر عمره، وهو أمرٌ حسنٌ لا ريب؛ ففي الحديث الصحيح:" إنَّ اللهَ يَقبَلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ" الترمذي وأحمد عن ابن عمر، ولكن الأفضل من التوبة في آخر العمر التوبة من قريب في وقت الصحة والقوة والقدرة على العمل الصالح.
٣. تجنب سوء الخاتمة:
قانون حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة في قوله صلى الله عليه وسلم:" يُبعَثُ كُلُّ عَبدٍ على ما ماتَ عليه" مسلم عن جابر بن عبدالله، فمن أخَّر التوبة من قريب وعاش في الغفلة فمات عليها مات غافلا، ومن عاش الصلاة والعبادة فمات عليها بُعث عليها، ومن عاش في أوحال الذنوب والمعاصي لا يبالي بأثرها على القلب يؤمل في التوبة قبل الموت الذي يأتي بغتة مات على المعصية التي عاش عليها، وآفة عصرنا والحياة في الغرب أنها تجعلك تألف المعصية وتعتاد على رؤيتها فلا ينكرها القلب ولا يسأل صاحبها إلا عن المحرمات القطعية الظاهرة، أما الصغائر فلا يكترث بها!! فليصنع كل واحد منا خاتمته بنفسه وليحذر سوء الخاتمة بالتوبة من قريب.
٤. التوبة من قريب التي يتوب الله على صاحبها:
هي التي يقع العبد فيها على بُغض وكره لها ونفور منها وتجنب ما يقربه منها، ثم هو بعدها يبكي ندما وحرقة على وقوعه فيها ناظرا إلى عظمة من عصى لا إلى صغر ذنبه، ثم هو يعزم على عدم العودة إليها صادقا سائلا ربه المعونة والمدد في تركها، ثم يقطع الأسباب التي تذكره بالمعصية وتأخذه إليها كصحبة السوء ويتخذ صحبة صالحة معينة على الطاعة، ثم يزاحم المعصية بموانعها العملية كالزواج معينًا وحافظا للفرج والنظر، ثم يسارع في فعل حسنة يمحو بها تلك السيئة قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]..
وقال صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللَّهَ حيثُ ما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ" (الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري).
اللهم تقبل توبتنا، وأغفر زلتنا، واستر عورتنا، وآمن روعتنا، وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل مكان سندا ومعينا ووليا ونصيرا. والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 6 نوفمبر 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- التوبة
د. خالد حنفي