path

غزة التي نُسِّينَاها | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد..

ففي العاشر من أكتوبر 2025م دخل وقف إطلاق النار في غزة حيِّز التنفيذ، لكنَّ القتل لم يتوقف والحصار لم ينته؛ فقد قُتل أكثر من ألف شخص منذ إبرام الاتفاق، وقالت اليونيسف في أغسطس 2026م إنَّ ما لا يقل عن 300 طفل قُتلوا في القطاع خلال 300 يوم منذ إعلان وقف إطلاق النار؛ أي بمعدل طفل في اليوم تقريبًا، والمراكز الصحية والمستشفيات تعاني نقصًا في الموارد واكتظاظًا شديدًا في الحالات..

وتفيد التقارير أن أكثر من 13% من سكان غزة يعيشون في مواقع نزوح معرضة للفيضانات أو في مبانٍ غير آمنة، ويُتوقع أن يعاني نحو 101 ألف طفل من سوء التغذية الحاد حتى منتصف أكتوبر 2026م، منهم أكثر من 31 ألف حالة شديدة، كما يعاني القطاع من نقص حاد في مياه الشرب، ويسكنون في خيام مهترئة لا تناسب قدوم فصل الشتاء..

وتفيد التقارير أن الأمراض المعدية منتشرة بسبب اكتظاظ المواقع وسوء الصرف الصحي. هذا الوضع المأساوي في غزة قد أُنسيناه تمامًا مع كثرة الأحداث وتتابعها واعتيادنا على مشاهد الحروب والدماء، وغفلتنا الإيمانية قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون}[الحشر:19].

والهم الفردي يُنسي الهم الجماعي فضغوط الحياة ومشاكلها تجعل الهم والشأن الخاص يطغى على الهم والشأن العام للأمة، وقد تعددت جراحاتنا في دول ومناطق كثيرة وأُجهد العقل والقلب من الفكر والمتابعة فأسلم نفسه للسكون والكسل والراحة والنسيان، وغاب مفهوم الأمة الواحدة والجسد الواحد كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى" متفق عليه.

وأسلمنا إخواننا للحصار والتجويع والخيام والقتل دون نصرة أو عمل مستدام لإغاثتهم قال صلى الله عليه وسلم:" المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه" متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر. ولا يمكننا تصور وجود أي شكل من أشكال الإغاثة والنصرة لأهلنا في غزة مع حالة النسيان والغفلة والانشغال عنها بغيرها، ولا أدري لماذا أمتنا سريعة الهبة والغضب سريعة النسيان والخمول؟!

وهذه خطوات لإحياء التفاعل مع محنة غزة والتذكير بواجبنا نحوها:

1. إحياء الإيمان في القلوب:

إن إحياء القلب بالإيمان هو شعلة النور التي تضئ حياة المؤمن وتدفعه لنصرة إخوانه وعدم نسيانهم قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون}[الأنعام:122]، والإيمان يتجدد بالذكر والدعاء قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الإيمانَ ليَخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسأَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم" (الحاكم والطبراني بسند صحيح)..

كما يتجدد الإيمان بمعرفة الله بأسمائه وصفاته فمن عرف الله تعالى بالعدل والرحمة والانتقام من الظالمين امتلأ قلبه ثقة ويقينا في وعد الله ولم يعرف اليأس أو الغفلة وانطلق إلى العمل لإغاثة ونصرة إخوانه، وعندما يحيا القلب بالإيمان يتحول التعاطف الوقتي إلى عمل مستدام؛ لأنه يستشعر المسؤولية عن إخوانه أمام الله تبارك وتعالى، ويقاوم الأنانية والانشغال بنفسه ويقدم همَّ إخوانه على همِّه، وقوة إيمانه تحميه من الاستسلام لليأس والعجز.

2. استعادة مفهوم الأمة الواحدة:

الأمة في الخطاب القرآني ليست مجرد تجمع بشري يعيش في رقعة جغرافية محددة، وإنما رابطة إيمانية وأخلاقية تجعل المؤمنين كالجسد الواحد مهما تباعدت بلدانهم قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} [الأنبياء:92]..

وقضية فلسطين قضية الأمة كلها، وقد ضعف أو غاب مفهوم الأمة الواحدة بسبب الخلافات المذهبية والسياسية والطائفية والقطرية، وغاب المصلحون العاملون على وحدة الأمة وتوحيدها، والمسلمون في الغرب عجزوا عن الاجتماع والوحدة وتجسيد معنى الأمة الواحدة في البلد الواحد، كما ضعفت صلتهم بأمتهم والتجاوب المنشود مع قضاياها رغم ما يبذلون من جهد صادق وعمل نافع للتفاعل مع القضايا الإنسانية في العالم الإنساني، ومعوقات الاتحاد والتكتل في الغرب أيسر في التعامل معها وتجاوزها منها في العالم الإسلامي، وكل التطورات والأحداث والتوقعات توجب على المسلمين في الغرب العمل الجاد على أن يكونوا أمة واحدة وأن يتجاوزوا خلافاتهم التي تعيقهم عن العمل الجاد والمستدام لنصرة فلسطين الجريحة.

3. الإسهام في غوث فردي أو جماعي مستدام:

وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالديمومة والاستمرارية وعدم الانقطاع فقالت: "كان عَمَلُه ديمةً" (البخاري)، وقالت: "كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ" (مسلم).

أي: أتقنه وداوم عليه، وبما أن محنة غزة مستمرة ولم ينقطع عنها القتل والحصار والتجويع فليكن الغوث والنصرة مستدامة أيضًا لا تنقطع حتى ينقطع الحصار ويتوقف القتل، وصور النصرة المستدامة الفردية والجماعية كثيرة منها: الصدقة الشهرية والكفالة الدائمة، والوقف الخيري، والاشتراك الجماعي في شراء خيمة أو حفر بئر أو كفالة أسرة، أو إرسال أجهزة طبية وأدوية تفتقر إليها المشافي شريطة أن يتم ذلك عبر القنوات الرسمية المسموح لها قانونا بإرسال المساعدات، وأن تكون قاصرة على الإغاثة الإنسانية وتلبية الحاجات العاجلة للأطفال والمدنيين الذين يعانون الحصار والتجويع.

4. المتابعة الإعلامية وعدم الانشغال بواجب عن واجب:

عالمنا وطبيعة المرحلة التي نحياها كثرت فيها الأحداث والمتغيرات الكبرى ولا نكاد نفرغ من قراءة أو متابعة خبر حتى يطغى عليه خبر جديد، والإعلام يقدم الحديث الجديد على القديم المكرر كما في غزة مع أحداث العالم الأحدث، والأصل أن لا ننشغل بحدث عن حدث أو بواجب عن واجب، والخطوة الأولى لنسيان أي قضية عدم متابعة جديدها، فلابد من تحويل المعرفة إلى عمل، والانتقال من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي. 

اللهم فرج الكرب وأوقف على أهلنا وإخواننا في غزة، وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، واجمع كلمة هذه الأمة على الهدى وقلوبها على المحبة وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 16 أكتوبر 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

القرآنُ هدًى للناس | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

القرآنُ هدًى للناس | خطبة الجمعة

article title

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

article title

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

القرآنُ هدًى للناس | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة