مقاصد الدعوة إلى الله تعالى .. ومؤمن آل فرعون نموذجًا | خطبة الجمعة

مقاصد الدعوة إلى الله تعالى
ومؤمن آل فرعون نموذجًا
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الخلق لهدايته، وأرسل الرسل برحمته، وأنزل الكتب بحكمته، وجعل الدعوة إليه حياةً للقلوب، ونورًا للعقول، ورحمةً للخلق، وحجةً على العالمين. نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله وكماله، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادةً تُحرِّر الإنسان من عبودية الخلق، وتردُّه إلى عبودية الخالق، وتمنحه معنى وجوده ووجهة حياته وأمان مصيره. وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وكشف الله به الغمَّة، وتركَنَا على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أمَّا بعد؛ عباد الله، فإن من أجلِّ الأعمال التي يعمر بها الإنسان عمره، وأعظمها أثرًا بعد موته، وأرفعها منزلةً عند ربِّه: أن يكون سببًا في هداية إنسان إلى الله.
وحَسْبُ الدَّعوة شرفًا أنَّ الله نسبها إليه فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وحسبها منزلةً أنَّها سبيل رسول الله ﷺ ومن اتَّبعه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
وتأمَّلوا هذا البيان القرآني الجامع: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ فالدعوة ليست نشاطًا عابرًا، بل سبيل حياة. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾؛ فالله غايتها، لا الذات ولا الجماعة ولا الشهرة ولا كثرة الأتباع. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾؛ فالعلم والوعي والحكمة وفقه النفوس والواقع عُدَّتها. ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾؛ فهي ميراث النبوَّة، يحمل منه كلُّ مسلمٍ بقدر علمه واستطاعته وموقعه.
ولهذا قال النبيُّ ﷺ لعليٍّ رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم»؛ (متَّفقٌ عليه). وقال ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»؛ (رواه مسلم).
فيا لها من تجارة! قد يموت صاحبها وتبقى أرباحها؛ يقول كلمةً فتوقظ قلبًا، ويهدي الله بها إنسانًا، فيُصلِّي بعد غفلة، ويتوب بعد معصية، ويصلح بعد فساد، ويربِّي أبناءه على الخير، ويهدي الله بهم آخرين، وتظل الحسنات تتناسل في ميزان صاحب الكلمة الأولى وهو تحت التراب.
والدعوة إلى الله، وإن كان للعلماء والدعاة فيها من الواجب ما يُناسب علمهم ومكانتهم وقدرتهم، ليست وظيفة فئة مخصوصة من الأمَّة تُعفى منها بقيَّتها؛ فكلُّ مسلمٍ يحمل منها بقدر ما علم، ويؤدِّي منها بقدر ما استطاع، وفي الدائرة التي أقامه الله فيها.
وهذا بعض ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ فالاتباع ليس انتسابًا صامتًا، وإنما يحمل في طياته نصيبًا من البلاغ والهداية والدلالة على الخير. وقد قال النبي ﷺ: «بلِّغوا عنِّي ولو آية»؛ رواه البخاري.
ولسنا أمَّة الإجابة فحسب، التي استجابت لرسول الله ﷺ وآمنت بما جاء به، بل نحن كذلك أمَّة الوراثة التي تحمل عنه أمانة البلاغ، وأمَّة الشهادة التي أقامها الله بين الرسالة والعالم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ومِنْ ثَمَّ تتنوَّع ميادين الدعوة بتنوُّع مواقع المسلمين وقدراتهم؛ فقد تكون بعلمٍ يُعلَّم، أو كلمة حقٍّ تُقال، أو خُلُقٍ حسنٍ يُرى، أو ولدٍ يُربَّى، أو معروفٍ يُنشَر، أو منكرٍ يُدفَع، أو قدوةٍ صالحةٍ تجعل الناس يرون في سلوك المسلم شيئًا من جمال الإسلام.
وليس المطلوب من كلِّ مسلمٍ أن يكون عالمًا أو خطيبًا، ولكنَّ المطلوب ألَّا يكون وجوده في الحياة خاليًا من نصيبٍ في هدايةٍ أو إصلاحٍ أو دلالةٍ على خير.
ولكن إذا كانت الدعوة بهذه المنزلة، فإنَّ سؤالًا يسبق الحديث عن وسائلها وأساليبها وأدواتها: لماذا ندعو إلى الله؟ وما الذي تريد الدعوة أن تحققه في الإنسان والحياة؟
هنا يأتي فقه مقاصد الدعوة!
فالدعوة ليست غايتها أن نغلب إنسانًا في مناظرة، وإنَّما أن نهديه؛ وليست غايتها أن نُسكته، وإنَّما أن نفتح قلبه للحق؛ وليست غايتها أن نصنع جمهورًا، وإنَّما أن نصنع إنسانًا؛ وليست غايتها أن يكثر الكلام باسم الإسلام، وإنَّما أن يكثر الخير الذي يصنعه الإسلام في الحياة، وإذا غابت المقاصد، ربما انتصرت الوسيلة وهُزمت الرسالة، وربَّما كسب الداعية الجدل وخسر المدعو، وربَّما ارتفع صوت الدعوة وانخفض أثرها.
وأوَّل مقاصد الدعوة وأعظمها وأجمعها: هداية الإنسان إلى الله وتحقيق عبوديته له. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالإنسان قد يملك الدنيا ويضيع منه مفتاح وجوده؛ يعرف أشياء كثيرة ولا يعرف ربه، ويقطع المسافات ولا يعرف إلى أين يمضي، ويطيل الحياة ولا يعرف لماذا يعيش. فجاءت الدعوة لتُجيب عن أعظم أسئلة الوجود: من خلقك؟ ولماذا خلقك؟ وكيف تعيش؟ وإلى أين المصير؟
ومن هنا كان مقصدها الثاني: بناء الإنسان من داخله؛ تزكيةً لقلبه، وإنارةً لعقله، وتقويمًا لإرادته، وتهذيبًا لسلوكه. قال الله تعالى في رسالة نبيه ﷺ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
فليست الدعوة حشدًا للمعلومات الدينية في الرؤوس، وإنَّما بناءٌ للإنسان. والعلم الذي لا يزيد صاحبه خشيةً، والخطاب الذي لا يورث رحمةً، والتديُّن الذي لا يُثمر أمانةً وعدلًا وعفَّةً وصدقًا؛ قد فقد من روح الدعوة بقدر ما فقد من هذه الثمار، ثم تتَّسع دائرة المقاصد؛ لأنَّ الإسلام لا يبني الإنسان ليتركه جزيرةً منفصلةً عمَّن حوله.
ففي الأسرة تقصد الدعوة إنشاء البيت الذي يعرف الله، وتسكنه المودة، وتحرسه التقوى، وتنشأ فيه الأجيال على العبادة والخلق والمسؤولية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. فلا يستقيم أن يضيء الداعية للبعيد بينما يترك بيته في الظلام.
ثم تمتد الدعوة إلى المجتمع؛ فتحرس المعروف، وتقاوم المنكر، وتحفظ الحقوق، وتصون الدماء، وتنصر الضعيف، وتواجه الفساد، وتنشر العدل والرحمة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وتأملوا: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. لم يقل: على الناس. إنما هي أمة تحمل خيرًا للناس؛ فخيريتها ليست امتيازًا تتباهى به، وإنما أمانة تؤديها.
ثم تتسع الدائرة حتى تبلغ الأمة؛ فتحفظ الدعوة هويتها، وتجدد إيمانها، وتجمع كلمتها على الحق، وتعيد إليها وعيها برسالتها وشهودها الحضاري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهكذا تبدأ الدعوة بقلب، ولكنها لا تنتهي عنده؛ تبدأ بإنسان فتبني أسرةً، وتصنع مجتمعًا، وتنهض بأمة، وتحمل رحمةً إلى العالم، ثم إن لها مقصدًا يظل مهيمنًا على هذه المقاصد كلها: إنقاذ الإنسان في الدنيا والآخرة.
فالداعية لا يرى أمامه خصمًا يريد أن يهزمه، وإنما إنسانًا يريد أن ينقذه. ولذلك بلغ من رحمة النبي ﷺ بالناس أن قال الله له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
إنها رحمة لا شماتة، وحرص لا استعلاء، وألم على الضال لا كراهية له؛ ولهذا تجمع الدعوة بين صلاح الدنيا وفلاح الآخرة. فلا تترك المظلوم لظلمه بحجة أن الآخرة خير، ولا تنشغل بتحسين دنياه حتى تنسيه لقاء ربه. إنها تريد إنسانًا صالحًا في محرابه وسوقه، في بيته ومجتمعه، في عبادته وعمله، في سره وعلانيته؛ يعمر الأرض وقلبه معلق بالسماء، ويأخذ نصيبه من الدنيا وعينه على دار القرار.
ومن هنا نستطيع أن نجمع مقاصد الدعوة في كلمة قرآنية واحدة، قالها رجل مؤمن في واحدة من أخطر اللحظات التي سجلها القرآن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١]. نعم؛ الدعوة إلى الله دعوة إلى النجاة.
نجاة العقل من الضلال، والقلب من الشرك، والنفس من الهوى، والإنسان من العبودية لغير الله، والأسرة من التفكك، والمجتمع من الفساد، والأمة من الضياع، ثم النجاة الكبرى من النار والفوز برضوان الله وجنته، وقد جسد صاحب هذه الكلمة، مؤمن آل فرعون، هذه المقاصد في موقف من أروع مواقف الدعوة في القرآن.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، إمام الدعاة وسيد المرسلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فاتقوا الله عباد الله.
لقد وقف مؤمن آل فرعون في لحظة كان الطغيان فيها قد بلغ منتهاه، حتى قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: ٢٦].
وهنا خرج صوت الإيمان من قلب بيت فرعون نفسه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
وتأملوا كيف اجتمعت مقاصد الدعوة في كلماته.
بدأ بحفظ النفس ومقاومة الظلم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾. فالدعوة لا تقف متفرجةً على الدم الحرام، ولا تفصل الإيمان عن حرمة الإنسان.
ثم أقام الحجة وخاطب العقل: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال بحكمة عجيبة: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. لم يبدأ بالشتيمة، ولم يستبدل حجة الطاغية بصخب الداعية؛ بل فتح للعقل نافذةً ليرى.
ثم خاطب فيهم مصلحة المجتمع ومصيره: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩].
وما أجمل قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾! لم يقل: من ينصركم؛ لأنه لم يخرج نفسه من قومه، ولم يحول مخالفتهم إلى شماتة في مصيرهم. كان يخاف عليهم وهم يخالفونه، ويريد نجاتهم وهم يعاندونه.
وهذه روح الداعية الحق: أن يبقى قلبه رحيمًا حتى وهو يقاوم الباطل.
ثم فتح أمامهم صفحات التاريخ: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر: ٣٠-٣١]؛ ليعلمهم أن للطغيان سننًا، وأن التاريخ ليس حكايات تمضي، بل آيات تتكرر لمن لم يعتبر.
ثم رفع أبصارهم إلى الآخرة: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢].
فخاف عليهم في دنياهم، وخاف عليهم في أخراهم. وهكذا الداعية الرباني: يحمل هم الإنسان كله، لا جزءًا منه؛ حاضره ومصيره، جسده وروحه، دنياه وآخرته.
ثم بلغ خطابه قمَّته فقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨-٣٩].
وكان فرعون قد قال قبل ذلك: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
رشادان يتواجهان:
رشاد يزعمه الطاغية ليقود الناس إلى نفسه، ورشاد يحمله المؤمن ليقود الناس إلى الله؛ رشاد يجعل القوة دليل الحق، ورشاد يجعل الحق ميزان القوة؛ رشاد ينتهي عند مُلك زائل، ورشاد يفتح أمام الإنسان أبواب ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾.
ثم اختصر المؤمن رسالته كلها في صيحة خالدة: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤١-٤٢]. هنا سر الدعوة كلها: ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾.
وإلى من يدعوهم؟ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾. لا إلى نفسه، ولا إلى اسمه، ولا إلى مجده، ولا إلى جماعته؛ بل إلى الله.
فليزن كل من يحمل كلمة الإسلام دعوته بهذا الميزان: هل أدعو الناس إلى الله، أم أدعوهم إليَّ؟ هل أريد هدايتهم، أم أريد غلبتهم؟ هل يفرح قلبي إذا وصلوا إلى الحق ولو لم يصلوا إليه عن طريقي؟
ثم أدى الرجل رسالته، ولم يملك النتائج، فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤].
وهذه خاتمة الداعية: بلاغ ثم تفويض، وعمل ثم توكل، وبذل ثم رضا بما يقدره الله، فجاء الجواب من السماء: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥].
عباد الله؛ ما أحوج الدعوة اليوم إلى روح هذا المؤمن: بصيرة ترى، ورحمة تخاف على الناس، وحكمة تعرف كيف تقول، وشجاعة تعرف متى تقول، وإخلاص يعرف إلى من يدعو، وقلب يؤدي واجبه ثم يفوض أمره إلى الله.
اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم ارزق الدعاة إليك علمًا وبصيرةً، وإخلاصًا وحكمةً، ورحمةً وشجاعةً.
اللهم أصلح أفراد المسلمين وأسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم، وألّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام.
اللهم انصر المستضعفين، وارحم المظلومين، واحفظ الدماء والأعراض والحرمات، واكشف الكرب عن المكروبين، واجعل لأمتنا من ضعفها قوةً، ومن فرقتها اجتماعًا، ومن حيرتها رشدًا، ومن محنتها فرجًا ومخرجًا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أقم الصلاة.
الدكتور وصفي عاشور أبو زيد
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- فقه المقاصد
- مقاصد الدعوة
- مؤمن آل فرعون
د. وصفي عاشور أبو زيد