فتنة المقارنات في عصر الشاشات | خطبة الجمعة

فتنة المقارنات في عصر الشاشات
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،
فإن العالم الرقمي الجديد الذي نعيشه تحولت فيه الشاشات من مجرَّد أدوات للتواصل وتيسير الحياة إلى نوافذ نرى من خلالها تفاصيل حياة البشر واللحظات الاستثنائية الجميلة في حياتهم، وكأنَّ الحياة فقط لهو ومرح ورحلات وطعام وشراب لذيذ لا مشاكل ولا أوجاع فيها، ممَّا أوجد فتنةً عصريةً جديدة؛ وهي المقارنات الشبكيَّة بين حالِك وحال غيرك..
فمهما كنت في راحة وغنى وترف واستقرار وأمان ترى على الشاشات من هو أفضل حالًا منك فتسخط على حياتك وتُسلَب نعمة الرضا القلبي والاطمئنان بما آتاك الله من فضله؛ ولذلك نحن إذا قارنَّا حياتنا اليوم نجد أنَّها أكثر رفاهيةً وترفًا من حياة أعظم الملوك قديمًا؛ سفرًا، وسياحةً، وطعامًا، ومتعًا جديدة في الحياة لم يكن يملكها هؤلاء الملوك.. ومع ذلك لا نرضى بها ولا تُحقِّق لنا السعادة؛ لأنَّنا نتطلَّع إلى ما في يد غيرنا.
والأزمة أنَّ ما يُقدَّم لنا على الشاشات ليس هو الحقيقة المجرَّدة القابلة للتحقُّق في واقع الحياة؛ فكلُّ ما نراه على الشاشات مزيَّنٌ ومزخرفٌ ومفلتر، فنحن في عصر تزيين الشهوات بامتياز، سواءٌ كانت حسية أم فكرية، والقرآن الكريم يُقدِّم لنا الحلَّ الذي يمنحنا الطمأنينة والراحة القلبيَّة، وهو تجنُّب المقارنات مع الآخرين، وعدم مدِّ العين والتطلُّع إلى ما في يد الناس في آيتين من كتاب الله عز وجل في سورتي الحجر وطه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 131-132]..
فالآية تنهى عن أن تجعل عينك تنساب وتمتدُّ إلى ما عند غيرك، ثم تقيس نفسك به، فترى نفسك دونه فتجزع وتقنط، والآية تُشبِّه ما تمتدُّ العين إليه من مُتع الدنيا وشهواتها بالزَّهرة، والتي من أوصافها سرعة الذبول والزوال، والعلاج بحسن الصِّلة بالله والصلاة والتربية على هذه القيمة؛ فالرضا عن الله هو الذي يمنحك السعادة وراحة البال، وليس كثرة المال وبلوغ متع الحياة؛ فكم من غنيٍّ مترف سُلِب نعمة الرِّضا فحُرِم الاستمتاع بطيِّبات الحياة..
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسَ الغِنى عن كثرةِ العَرَضِ، ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ" (متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة)..
وهذه جملة من مخاطر وآثار المقارنات في عصر الشاشات:
1. شيوع الغل والتحاسد المجتمعي:
إنَّ المقارنات التي أظهرتها الشاشات والتطبيقات فرضت حالة مكتومة من الغل والحقد والتحاسد المجتمعي حتى بين الأقارب والأصدقاء وقد كانت مقارنة إخوة يوسف له بهم وظنهم حب أبيهم له أكثر منهم باب شر وفتنة، فحسدوه وحقدوا عليه وقرروا قتله بإلقائه في البئر قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 8-9]، ولهذا جاء التوجيه النبوي بالتسوية بين الأولاد في العطية لنزع فتيل المقارنة والتحاسد والتباغض في دائرة الإخوة؛ ففي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد لما نحل ابنه نحلة دون بقية إخوته: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟" قال: لا، قال: "فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ" متفق عليه. فالعدل في المعاملة هنا وقاية من فتنة التحاسد والغل قبل أن تقع.
2. إفساد العملية التربوية:
يقع كثير من الآباء والأمهات في فخ المقارنات في تربية أولادهم بدافع حرصهم على أن يتميَّزوا ويسبقوا غيرهم في أمور الدنيا والآخرة، دون نظرٍ إلى الظروف والتحديات المحيطة بهم، ودون رعايةٍ للفروق الفردية الطبيعيَّة بين الأبناء والأقران؛ فيُفسدون من حيث أرادوا الإصلاح، ويضرُّون حيث قصدوا النفع..
ومن الكلمات الخاطئة الشائعة في المسيرة التربوية: أخوك أفضل منك، ابن عمِّك حفظ القرآن كاملًا في سنٍّ أصغر منك، وهذه المنهجيَّة التربويَّة تجعل الطفل دائمًا ينظر إلى ما عند غيره لا إلى ما يملكه من قدرات، كما يحتقر مُنجزَه مهما كبر؛ لأنَّه لم يبلغ من يُقارنه والده به!!
والتربية الصحيحة هي التي تُعظِّم فيها فعل ولدك الإيجابي وتراعي قدراته وإمكاناته وظروفه وتحدياته وتجعل المقارنة مع نفسه وليس مع الآخرين، فتقول له: لقد حفظت العام الماضي جزءًا من القرآن فلم لا تحفظ مثله أو أكبر منه هذا العام، ثم تُعظِّم فعله وإنجازه وتُعلِمه أنَّ الصورة ستكتمل لو استكملت ما عندك بفعل كذا، وكأنَّه لو أتي بما تطلب منه يكون قد أتى على الإنجاز في أتمِّ صورةٍ وأبهاها..
وهذا ما يُجسِّده المنهج النبويُّ في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إنَّ رِجالًا مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانوا يَرَونَ الرُّؤيا على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقُصُّونَها على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاءَ اللهُ، وأنا غُلامٌ حَديثُ السِّنِّ، وبَيتي المَسجِدُ قَبلَ أن أنكِحَ، فقُلتُ في نَفسي: لو كان فيكَ خَيرٌ لَرَأيتَ مِثلَ ما يَرى هؤلاء، فلَمَّا اضطَجَعتُ ذاتَ لَيلةٍ قُلتُ: اللهُمَّ إن كُنتَ تَعلَمُ فيَّ خَيرًا فأرِني رُؤيا، فبينَما أنا كَذلك إذ جاءَني مَلَكانِ في يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما مِقمعةٌ مِن حَديدٍ، يُقبِلانِ بي إلى جَهَنَّمَ، وأنا بينَهما أدعو اللهَ: اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن جَهَنَّمَ، ثُمَّ أُراني لَقيَني مَلَكٌ في يَدِه مِقمعةٌ مِن حَديدٍ، فقال: لَن تُراعَ، نِعمَ الرَّجُلُ أنتَ لو كُنتَ تُكثِرُ الصَّلاةَ. فانطَلَقوا بي حتَّى وقَفوا بي على شَفيرِ جَهَنَّمَ، فإذا هي مَطويَّةٌ كَطَيِّ البِئرِ، له قُرونٌ كَقَرنِ البِئرِ، بينَ كُلِّ قَرنَينِ مَلَكٌ بيَدِه مِقمعةٌ مِن حَديدٍ، وأرى فيها رِجالًا مُعَلَّقينَ بالسَّلاسِلِ، رُؤوسُهم أسفَلَهم، عَرَفتُ فيها رِجالًا مِن قُرَيشٍ، فانصَرَفوا بي عن ذاتِ اليَمينِ. فقَصَصتُها على حَفصةَ، فقَصَّتها حَفصةُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ عَبدَ اللهِ رَجُلٌ صالِحٌ، لو كان يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، فقال نافِعٌ: فلَم يَزَلْ بَعدَ ذلك يُكثِرُ الصَّلاةَ" البخاري.
إنَّ بعض الآباء لا ينظر إلى حسنات ومزايا ولده وينظر إلى سلبياته وأخطائه بعدسة مكبرة تكبر الصغير ولا ترى الكبير، ولا بد لنا في الغرب من الوقوف على حجم التحديات والفتن التي يلقاها أولادنا في المدارس والجامعات وأن نطور طرائقنا ومنهاجنا التربوية بما يتوافق معها بدلًا من استنساخ مناهج مليئة بالأخطاء وما عادت تصلح حتى خارج أوروبا.
3. جحود النعم وقلة الشكر:
لقد كان الناس قبل ظهور الشاشات والتطبيقات يعرفون قيمة النعم ويشكرون الله عليها على الرغم من أنَّ حياتهم كانت أقلَّ ترفًا ورفاهيةً ممَّا نحن عليه اليوم شرقًا وغربًا، وإنَّما جُحِدت النعم لأنَّ الإنسان كلَّما تصفَّح الشاشات رأى عند غيره ما ليس عنده فمدَّ عينيه إليه، فإذا بلغه انتقل إلى غيره ثم هو مع كلِّ ذلك لا يشكر الله على ما آتاه، وينسى تعدُّد النعم وتتابعها عليه؛ لأنه لا يرى إلَّا ما نقص منه، أمَّا ما بين يديه فقد عمي عنه..
والمنهج النبوي يُخرجنا بيسرٍ وأمان من هذه الفتنة، ويردَّنا إلى شكر النعم فتزيد؛ قال النبيُّ ﷺ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" (مسلم). فالنظر إلى الأدنى يورث الشكر، والنظر إلى الأعلى يورث فقدان الشعور بالنعمة وقلة الشكر عليها فيؤول إلى النقصان لا إلى الزيادة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
وليست هذه دعوةٌ لترك السَّعي وبلوغ الغنى والتمتُّع بطيِّبات الحياة الدنيا بطبيعة الحال؛ وإنَّما يُذَمُّ أن تُصبح الدنيا هي معيار الفلاح والرضا دون تطلُّعٍ إلى الآخرة، وأن تكون الدنيا في قلبك لا في يدك فتحزن لفوات شيءٍ منها.
4. فقدان السكينة الأُسرية والعزوف عن الزواج وتزايد الشقاق والطلاق:
لقد أوجدت الشاشات أمراضًا مجتمعيَّةً عدَّة منذ ظهرت وتعلَّق الناس بها بل أدمنوها؛ فهُدمت الأسر، وارتفعت حالات الشِّقاق والطلاق شرقًا وغربًا على نحوٍ مرعب؛ وذلك لأسبابٍ كثيرة، منها الهواتف والشاشات التي سهَّلت الخيانات الزوجية بصورها ومراتبها المختلفة، وجرَّأت الناس على فضول الكلام والنظر وإضاعة الأوقات، وعمَّقت من المقارنات الأسرية؛ فقد تكون الزوجة هانئة مستقرَّة مع زوجها فرحة بحياتها وأولادها فتُطالع مشهدًا مترفًا لزوجةٍ على الشاشات فتتنكَّر للنعمة، وتضغط على زوجها أن يُحقِّق لها مثلما رأت، فتُعجِزه وتحيل حياته ومعيشته ضنكًا، ثم إنَّها لا ترضى مهما فعل لها؛ لأنَّ ما ترى متتابع متكاثر متجدِّد..
وقد ترى زوجًا فرحًا مسرورًا بجمال زوجته وراضٍ عنها تمام الرِّضى، فما يلبث أن يرى الفاتنات الجميلات المزينات المزخرفات فيبدأ بمقارنتها بغيرها ويتغيَّر حاله عليها فيحيل حياته المستقرَّة إلى حياة بئيسة مضطربة ثم لا يبلغ ما يريد، ولهذا كثرت عمليَّات التجميل وصار لها رواج واختصاص بأغلى الأثمان، وتطوَّرت وتعدَّدت برامج التخسيس للرجال والنساء، ولو رضي كلُّ إنسانٍ عن نفسه وتصالح معها وأدرك أنَّه لكلِّ مرحلة عمرية متغيِّراتها وسماتها والواجب الاستمتاع بها كما هي لا التصارع معها، والسعي لحالةٍ لا تستقيم مع العمر والزمن؛ لكان أقوم قيلًا وأهدى سبيلًا!!
ولكنَّ الخطر الأكبر من كلِّ هذا هو عزوف الجيل الجديد من شبابنا وبناتنا في الغرب عن الزواج؛ لأنَّ الشاشات رفعت سقف الطموحات والتوقعات لدى الشباب والبنات على نحوٍ خياليٍّ لا وجود له في الواقع؛ لأنَّ البنت ترى نموذجًا تُقارن نفسها معه ولا تقبل دونه، ثم إنَّها ترى من كوَّنت نفسها وصار لها وضع اجتماعي واستمتعت بحياتها على نحوٍ أفضل ممَّا لو تزوَّجت وأنجبت وبَنَت أسرة، فترفض الخُطَّاب إلى أن تقلَّ الفرص أو تزهد في الزواج بالكلِّيَّة، ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الشباب؛ فهو ينشد مثاليَّةً فيمن يطلبها زوجة، جمالًا ودينًا ونَسَبًا وتعليمًا وفكرًا وإنجازًا وتنازلًا له ليرضى، والسبب هو كثرة المقارنات الشبكيَّة.
فلا بد من العناية بالشباب وتوجيهم وتأهيلهم وتحصينهم من السموم الفكرية الضارَّة قبل فوات الأوان، وما أجمل أن نجعل شعارنا في هذا العصر: "لا تمدنَّ عينيك"!
اللهم فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين، وأعنَّا على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، وكن لأهلنا وإخواننا في غزَّة وفلسطين وكلِّ مكانٍ سندًا ومعينًا ووليًّا ونصيرًا.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 30 أكتوبر 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- المقارنات
- الشاشات
- سوشيال ميديا
د. خالد حنفي