بين حُرية الستر وستر الحرية

بين حُرية الستر وستر الحرية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد..
فإن حجاب المرأة المسلمة قضية يتكرَّر فيها إكراه المسلمة على منعها من الالتزام بفرضها الديني سواء في بلد أكثريَّته مسلمة كما وقع في أذربيجان مؤخرًا، أم أكثريَّته غير مسلمة كما وقع في فرنسا منذ مارس 2004م وفي غيرها من البلدان الأوروبية، ولا ينتهي عجب المرء من حديث الغرب الدائم عن حرية المرأة وكرامتها وانتزاع حقوقها وانتقاد نظام الإسلام وتشريعاته التي ظلمت المرأة حسب زعمه؛ حيث نصَّفت حقَّ المرأة في الميراث في بعض الصور والمسائل، ثم يرتدُّ الغرب عن تلك الحرية حين يُخيِّر المسلمة بين التعليم والحجاب، أو بين العمل والحجاب، فيقع في الظلم ويُناقض العدل الذي يدعو إليه؛ فأيُّ عدلٍ في حرمان مسلمةٍ من التعليم أو العمل بسبب قطعة قماش على رأسها لبستها التزاما بأمر ربِّها؟! وكيف يرفع الغرب شعار الحرية ثم يصادرها حين يتعلق الأمر بلباس المرأة فيصبح الستر نفسه سترًا للحرية.
إنَّ الحرية الحقيقية تعني نفي كلِّ صور وأشكال الإكراه، سواء الإكراه على لباس الحجاب أم نزعه؛ فالحرية الدينية في الإسلام مقرَّرة مؤكَّدة بعشرات النصوص القطعيَّة، على رأسها قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 265]، ومسلك الإكراه على نزع الحجاب كشرطٍ للتعليم والعمل في بعض البلدان الأوروبية أو المسلمة اليوم مسلكٌ لا يُحقِّق الشعارات التي يرفعها العالم المتحضِّر والمنظمات الحقوقية اليوم؛ من تكريمٍ للمرأة، واستعادةٍ لحقوقها، وتحريرها، ورفعٍ للظلم عنها، وتمكينها في المجتمع، والمساواة بينها وبين الرجل، وغير ذلك من الشعارات التي تكشف هذه التوجُّهات والقوانين زيفها وخداعها!!
ودفاع المسلمة عن حجابها اليوم هو دفاعٌ عن حريَّة الاختيار الديني التي تتبنَّاها المواثيق الدولية، ومنها المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..
وهذه إضاءات حول حجاب المرأة في الإسلام وكيفيَّة التعامل مع الإكراهات على نزعه:
1. الحجاب فرضٌ دينيٌ مجمعٌ عليه:
تغطية المرأة لكامل بدنها ما عدا الوجه والكفَّين هو فرضٌ دينيٌّ ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمَّة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، كقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]..
كما دلَّت على فرضيَّته وقطعيَّته السنة العملية للباس النساء واحتشامهنَّ في زمن النبوَّة والصحابة الكرام..
والقضايا الإجماعية تحفظ الوحدة الشعورية والفكرية والعملية للأمة وتحميها من الذوبان، وإذا ثبت الإجماع الصحيح في مسألة من المسائل أُغلقت على النظر والاجتهاد، فوظيفة الإجماع الأصولي أنَّه ينقل الدليل من الظنِّيَّة إلى القطعيَّة؛ فالحجاب فرضٌ وإن خلعته كلُّ نساء الدنيا، ولم يقع خلافٌ في فرضيَّته حتى بين الفِرق الإسلامية التي اختلفت في أمور العقائد، ممَّا يعني أنَّه من القضايا المستقرَّة في الأمَّة، والقاعدة الأصوليَّة أنَّ الإكراه ينفي التكليف؛ فلا تُكرَه فتاة على لبس الحجاب في أيِّ مرحلةٍ من مراحل عمرها، ويجب أن يُبيَّن لها الحكم الشرعي ثم تكون لها الحرية التامَّة في لباسها، وإذا كنَّا نرفض إكراه الحكومات لبناتنا المسلمات على نزع الحجاب كشرطٍ للتعليم والعمل، فلا بُدَّ أن نُنكر أيضًا إكراه بعض الأسر والعائلات أو الحكومات المسلمة إن وقع على لبس الحجاب.
2. الحجاب له مقصد وحكمة وليس رمزًا دينيًّا:
لا يصحُّ أبدًا اعتبار الحجاب رمزًا دينيًّا كسببٍ لحظره على المسلمات في بعض البلدان؛ فالحجاب فرضٌ دينيٌّ له مقصدٌ وحكمةٌ ووظيفة، وهو تحقيق العفَّة والستر والحياء، وحماية الرجل والمرأة والمجتمع، وصيانة الأسرة واستمرار وجودها، وتحقيق الاستخلاف والعبودية لله عز وجل، كما يقول الإمام الشاطبي: "المقصد الشرعي من وضع الشريعة: إخراج المكلَّف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا".
فالمسلمة تُحقِّق العبوديَّة لله بلباسها الذي أمرها الله به، وتُناقض هواها في الكشف بضدِّه وهو الستر، لتصل إلى مبتغاها بمرضاة الله ودخول جنته؛ فالتناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنة قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40-41]، والحجاب خادمٌ وحافظٌ للكلِّيَّات الخمسة: الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
3. الأبعاد الفلسفية الخمسة للحجاب:
لفهم الأبعاد الفلسفية للحجاب لا بُدَّ من استبعاد ربطه بالعادات والتقاليد الموروثة، أو التأويلات التي لا تتوافق مع نصوص القرآن والسنة والتعامل مع المرأة من منطلق أنَّها عورةٌ وفتنة يجب أن تُستر فحسب، أو قصر الحجاب على الشكل والصورة واستبعاد الجوهر والقيمة من ستر وحياء وأخلاق وتقوى وإيمان يعمر القلب، كما قال الله تعالى في ختام آيات إغواء الشيطان لسيدنا آدم عليه السلام بانكشاف سوأته بعد الأكل من الشجرة: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون} [الأعراف: 26]..
فالحجاب له بُعْدٌ فطريٌّ يتجلَّى في قصَّة سيدنا آدم وزوجه قال تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين} [الأعراف: 22]؛ ففطرة الإنسان النقيَّة تدفعه دائمًا للاحتشام والستر رجلًا كان أو امرأة، والحجاب سترٌ وزينةٌ وطهارةٌ وعفَّة..
وله بُعدٌ عقدي؛ فهو آيةٌ معنوية وروحية وليس رمزا ماديًّا جافًّا وهو مظهرٌ للفطرة والإيمان، وله بُعد إنساني؛ فعلاقة الإنسان بجسده علاقة أمانة ومسؤولية وليست علاقة ملكية فأبداننا ليست ملكا لنا ونحن مؤتمنون عليها والواجب علينا صيانة الأمانة بستر ما أمر الله بستره قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [الأنفال: 27]، وهو مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة..
وله بُعد أخلاقي؛ فالحجاب حياء والحياء حياة، والحياء أُسُّ الإسلام، والحياء شعبةٌ من الإيمان، والحياء والإيمان قرناء كما في الحديث الصحيح، وله بُعد جمالي؛ فالمسلمة المحتشمة في لباسها تُحقِّق بحيائها وخلقها الجمال الكامل، وتتحقق وتتعبَّد باسم من أسماء الله الحسنى الجميل، وبُعد الجمال جاء في آية الستر واللباس في قصة آدم عليه السلام قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون} [الأعراف: 26]، فاللباس لستر وتغطية ما أمر الله بستره، والريش لتحقيق الجمال.
4. كيف يتعامل المسلمون في أوروبا مع هذه الإكراهات:
إنَّ المسلمة في أيِّ بلدٍ تتعرَّض فيه للإكراه على نزع حجابها كشرط للتعليم أو العمل يجب أن تتمسَّك بحجابها وأن تفتخر بطاعتها لربِّها، وأن تحتسب أجرها على ما تلقى من ابتلاء وصبر على الأذى، وأن توازن بين الاستمرار في التعليم والعمل وبين الالتزام بفرائضها الدينية، وأن تُراجع العلماء في بلدها لمعرفة الرُّخص والاستثناءات الشرعيَّة التي تُمكِّنها من التحقُّق بتلك الموازنة، وأن توقِن أنَّها مأجورة أجرًا مضاعفًا على تمسُّكها بحجابها أمام هذه الإكراهات؛ فالأجر على قدر المشقة، وإعمال مبدأ المردودية المصلحية في التكاليف الشرعية الذي قرَّره العز بن عبد السلام وغيره يُنتج مضاعفة أجر المسلمة وثوابها في الغرب مقارنةً بغيرها؛ سواء لبُعد الهوية أم الثبات على الدين في وقت غربته "فطوبى للغرباء"..
ويجب على عموم المسلمين والمؤسَّسات أن يتحمَّلوا مسؤوليَّتهم وواجبهم تجاه هذه الإكراهات؛ من تدافع قانوني وحضاري وفكري وتوعوي، واستبعاد فكرة الهروب والهجرة وتغيير المكان والانطلاق من مبدأ المواطنة والمطالبة بالحقوق بعد أداء الواجبات، فمنهج الأنبياء كان توطين الدعوة والتدافع السلمي مع التحدِّيَّات وليس الهرب منها؛ قال تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِين} [يوسف: 33]، ولم يقل الهجرة وتغيير المكان أحب إلىَّ ممَّا يدعونني إليه، وهكذا سائر الأنبياء مع أقوامهم.
اللهمَّ ارزق شبابنا عفَّة يوسف، وارزق بناتنا طهارة مريم، وثبتهنَّ على حجاب الإسلام، وحبِّب إلينا وإليهم الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا وإيَّاهم من الرَّاشدين، وكن لأهلنا وإخواننا في غزَّة وفلسطين، وكلِّ مكانٍ سندًا ومعينًا ووليًّا ونصيرًا، وارفع الكرب وأوقف الحرب والطف بأمَّة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في قضائك وقدرك لطفًا يليق بكرمك يا أكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 23 أكتوبر 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- المرأة
- الحجاب
- منع الحجاب
- أذربيجان
- فرنسا
- أوروبا
- الحرية
- حرية المرأة
د. خالد حنفي