path

القرآنُ هدًى للناس | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فإن المسلمين في الغرب يعيشون حالة متجددة من الخوف والقلق على دينهم وهويتهم، وتتجدد وتتضاعف أسبابها يوماً بعد يوم، وهم يستشعرون مسؤولية البيان والبلاغ المبين العالمي للإسلام بحكم عيشهم وسط أكثرية غير مسلمة، كما أنهم يعيشون في بيئة شديدة المادية تؤدي إلى جفاف الروح، وقسوة القلب، وتراكم الران والحجب عليه..

والهموم الثلاثة تعد قضايا مركزية في حياة المسلم الأوروبي؛ فهو مسؤول عن حفظ دينه ودين من يعول، وهو كذلك يحمل مهمة رسالية نحو غير المسلمين كما أنه باب أجر وفضل كبير فُتح لكل مسلم يجب أن يُحسن اغتنامه، وإذا قسا القلب وجفت الروح لا تغني المواعظ والعبادات اليومية ولا تحقق مقاصدها وأثرها في حياة المسلم وآخرته..

والجواب الجامع الواحد للقضايا الثلاثة والمبدد لتلك الهموم هو القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم هو وسيلة الثبات الأولى على الدين قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}[الفرقان:32]، وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين}[النحل:102].

وعن خويلد بن عمرو قال: خرَج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: "أبشِروا وأبشِروا أليس تشهَدونَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ؟ قالوا: نَعم، قال: "فإنَّ هذا القرآنَ سبَبٌ طرَفُه بيدِ اللهِ وطرَفُه بأيديكم فتمسَّكوا به فإنَّكم لنْ تضِلُّوا ولن تهلِكوا بعدَه أبدًا" (ابن حبان وابن أبي شيبة بسند صحيح). 

وقد كان القرآن الكريم السبب المباشر الأكبر في هداية كبار الصحابة وصناديد الكفر إلى الإسلام، كما كان سبب تغيير قلوب وعقول كبار الفلاسفة والمفكرين الغربيين الذين هداهم الله للإسلام بسبب آية في كتاب الله؛ كجيفري لانج الذي أسلم بسبب سؤال الاستخلاف في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون}[البقرة:30]..

ومراد هوفمان الذي أسلم بسبب آية تكررت في القرآن الكريم 5 مرات؛ وهي قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام:164]، ومحمد أسد الذي أسلم بسبب قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر}[التكاثر:1].

فالقرآن هو وسيلة البيان المبين الأولى والأخيرة للإسلام، ثم إنه أعظم وسائل التزكية وترقيق القلب وإزالة قسوته ومحو رانه؛ فقد قال الله تعالى في شأن تأثر غير المسلمين بالقرآن: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين}[المائدة:83]، وقال تعالى مبينًا أن قلب المؤمن أولى بالـتأثر بالقرآن من الجبل المتصدع وجلا بالقرآن: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون}[الحشر:21]، وقال تعالى مبينًا أن القرآن هو سبب الخشوع ورقة القلب والبعد عنه هو سبب القسوة: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون}[الحديد:16]..

فالقرآن هو كتاب الهدى والهداية للمسلمين وغير المسلمين قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185]، وقال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9].

وهذه إضاءات لتفعيل القرآن ككتاب هداية في واقعنا الأوروبي:

1. العناية بالقرآن في بيوتنا:

من أراد أن يحبِّب أولاده في القرآن لابد أن يكون قدوة صالحة لهم في علاقته بالقرآن الكريم تلاوة وحفظا وتدبرا وتخلقا بأخلاقه، وأن يشاهدوا الأبوين يتصفحان القرآن أكثر مما يتصفحان الهواتف والشاشات، ولابد من التضحية بالوقت والمال لأولادنا لوصلهم بكتاب الله عز وجل، وتحبيبهم في حفظه وتلاوته والصبر عليهم والدعاء لهم، والاستفادة من تجارب الآخرين في تحفيظ ووصل أولادهم بالقرآن الكريم؛ فمنهم من انقطع بأولاده في سن معين لعام أو عامين في بلد عربي لحفظ القرآن والحصول على الإجازة فيه، ومنهم من داوم على مجلس قرآني منزلي منتظم كان وسيلة لحفظ كل أفراد الأسرة القرآن الكريم خلال سنوات، ومنهم من كانت الأم وحدها سببا في تحفيظ كل أولادها القرآن، ومنهم من قرر الانقطاع عن هاتفه وعدم العودة إليه إلا بعد حفظ القرآن فعاد حافظا له بعد بضعة أشهر، وكم رأيت من شباب وفتيات وُلدوا وازدادوا في الغرب حفظوا القرآن وأجيزوا فيه بصدق القصد وعلو الهمة.

2. التربية على صحبة القرآن:

تصف الكثير من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة مع القرآن بالصحبة والصاحب والمصاحبة والتي تقتضي دوام الملازمة، والمحبة، وعدم الانقطاع كقوله صلى الله عليه وسلم: "اقرَؤوا القُرآنَ؛ فإنَّه يَأتي يَومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابِه" (رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي)..

ولكني لم أجد في الأحاديث التي ترصد الأجر على تلاوة القرآن ووصفه بالصحبة حديثا في جمال وعظم وبيان حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"  إِنَّ القرآنَ يَلْقَى صاحبَهُ يومَ القيامةِ حينَ يَنْشَقُّ عنهُ قَبْرُهُ كَالرجلِ الشَّاحِبِ يقولُ: هل تَعْرِفُنِي ؟ فيقولُ لهُ: ما أَعْرِفُكَ، فيقولُ: أنا صاحِبُكَ القرآنُ، الذي أَظْمَأْتُكَ في الهَوَاجِرِ ، وأَسْهَرْتُ لَيْلكَ، وإِنَّ كلَّ تَاجِرٍ من ورَاءِ تِجَارَتِه، وإِنَّكَ اليومَ من ورَاءِ كلِّ تجارةٍ، قال : فَيُعْطَى المُلْكَ بِيَمِينِهِ، والخُلْدَ بِشِمالِهِ، ويُوضَعُ على رأسِهِ تَاجُ الوَقَار ، ويُكْسَى والِدَاهُ حُلَّتَيْنِ، لا يَقُومُ لهُما أهلُ الدنيا، فَيَقُولانِ : بِمَ كُسِينا هذا ؟ فيقالُ : بأخذِ ولدِكُما القرآنَ، ثُمَّ يقالُ: اقرأْ واصْعَدْ في درجِ الجنةِ وغُرَفِها، فهوَ في صُعُودٍ ما دَامَ يقرأُ هذاً كان أوْ تَرْتِيلًا" الدارمي والبيهقي وأحمد بسند حسن، والتربية على صحبة القرآن لابد أن تبدأ منذ الصغر بل من لحظة التفكير في الزواج والارتباط بأهل القرآن.

3. العناية باللغة العربية وتيسير القرآن لغير العرب:

نحن بحاجة إلى ضرورة العناية باللغة العربية خاصة لمن أصولهم عربية؛ لأن إتقانها سهل ميسور مقارنة بمن أصولهم أعجمية، ولأنها تيسير حفظ القرآن وفهمه وحسن تدبره والعمل به، قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين} [الشعراء:195]، ولأنها أحد معالم الهوية للمسلمين في الغرب، وقد سألتُ واحداً من قدماء المهاجرين إلى ألمانيا عن أهم وأكبر تحدي أمام الجديد من أولاد المسلمين في الغرب؟ فقال: اللغة العربية، فإذا ضعفت صلة الأجيال الجديدة باللغة العربية ضعفت صلتهم بالقرآن وشوشت عليهم مفاهيم الإسلام ومبادئه من ينابيعه الصافية، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}[يوسف:2]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا}[طه:113].

ولكننا أيضًا بحاجة إلى مقاربات وتجارب وتطوير لتقديم وتعليم القرآن لغير العرب، فلا بد من تطوير رسالة وعمل المدارس القرآنية والانتقال من التحفيظ بالتلقين إلى التحفيظ بالتركيز على الفهم والتجاوب مع القرآن، ورعاية خصوصية من لا يعرف العربية في الغرب في المدارس القرآنية حتى نحصن الشباب بالقرآن من الشبهات والشهوات، ويتجدد ويترسخ في قلوبهم الإيمان بالقرآن.

4. العناية بالمدارس والأنشطة القرآنية:

هناك في ألمانيا وأوروبا مدارس ومناشط قرآنية كثيرة، وهذه المدارس تحتاج إلى تطوير وعمل وتفرغ وتخصص حتى تؤدي رسالتها وتحقق غايتها في تثبيت الجيل الجديد على الدين وتصله بكتاب الله عز وجل، وواجب المسلمين دعم هذه المدارس والمناشط القرآنية بالوقت والمال، وتأسيس الأوقاف لخدمة القرآن، والدفع بأولادهم للمشاركة في هذه المناشط والمدارس القرآنية، وبكفالة المعلمين والمحفظين للقرآن الكريم، وبتقديم كل صور الدعم من دعاء أو كلمة طيبة، ومسجدنا المبارك يحتضن اليوم نشاطا قرآنيا كبيرا وعملاً رائعاً هو المسابقة الألمانية للقرآن الكريم، فشاركوا في دعم هذه المسابقة وادعموا الحفظة والمشاركين فيها، وهنيئا لمن كان سببا بوقته وجهده وماله في إحياء وخدمة كتاب الله عزوجل.

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدرونا، وذهاب همومنا وأحزاننا، اللهم كن لأهلنا وإخواننا في فلسطين واليمن والسودان وكل ومكان سندا ومعينا ووليا ونصيرا، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 9 أكتوبر 2026م.

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

article title

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

article title

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة