path

توجيهات لحفظ المال وقت الأزمات | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فمع طول أمد الحرب واتساع دائرتها وارتفاع أسعار المحروقات والغلاء والتضخم، يتساءل الناس كيف السبيل لحفظ أموالنا وثرواتنا؟ وهل من توجيهاتٍ إسلاميَّةٍ تُعين حُسْن التدبير وحماية الأموال من الضياع وقت الأزمات والشدائد؟

لا شك أنَّ المال هو قوام الحياة، وطبيعي أن يسعى الإنسان لتحصيله وجمعه، وأن يخاف عليه من الضياع والتلف.. قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء:5]؛ أي: تقوم به معايشكم وتنتظم به مصالحكم، والمال في حقيقته مالُ الله، والإنسان فيه مستخلَف، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد 7]، والمستخلَف لا يتصرف تصرفَ المالك المطلق، وإنما يتصرَّفُ تصرُّفَ الأمين الذي سيُسأل؛ قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه» (رواه الترمذي بسند صحيح).

وكل ما ورد في الحديث يُسأل العبدُ عنه سؤالًا واحدًا إلَّا المال فإنَّه يُسأل عنه سؤالين: من أين؟ وفيمَ؟ لأنَّ للمال طرفين؛ كسبًا وإنفاقًا، وكلاهما موضعُ تكليف ومحاسبة.

وقد عدَّ الإسلام حفظ المال من الكلِّيَّات التشريعية الخمسة التي جاءت أحكام الشريعة ونصوصها لحفظها؛ فحرَّم الله الربا والسرقة والغش والغصب وكلَّ كسبٍ للمال بطريقٍ غير شرعي، كما فرض الزكاة في أنواعٍ كثيرةٍ من المال بقصد حفظه؛ فكلُّ التشريعات والأحكام المتعلِّقة بمنظومة المال في الإسلام تستهدف حفظه وتنميته وتثميره، وفي القرآن الكريم إشارةٌ واضحة إلى منهجيَّة حفظ المال بالتخطيط والتدبير وحُسن الإدارة والاستشراف وقت الأزمات، والتي تُمثِّل منهجًا اقتصاديًّا يجب العمل بروحه وقصده قبل نصِّه ولفظه، وذلك في الخطة الاقتصادية التي وضعها سيدنا يوسف عليه السلام لاستنقاذ مصر من مجاعةٍ اقتصاديَّةٍ محقَّقة بتفسيره لرؤيا الملك، قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُون﴾ [يوسف:47]، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُون﴾ [يوسف:48]، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون﴾ [يوسف:49].

وهذه جملة من التوجيهات الضرورية لحفظ المال وقت الشدائد والأزمات: 

1. الاقتصاد في الإنفاق وتجنُّب الإسراف:

إنَّ طلب الاقتصاد في الإنفاق وتجنب الإسراف في القرآن والسنة دلَّت عليه نصوصٌ كثيرة، وهو مطلوبٌ في كلِّ الأوقات، ويتأكَّد طلبه وقت الأزمات والحروب، فلو قُبِل تجاوز حدِّ التوسُّط في الإنفاق في أوقات اليُسر فلا يُقبَل وقت الشدَّة والعسر، ومن الآيات التي تؤكِّد على الوسطيَّة في الإنفاق بين البخل والسرف، قوله تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان 67]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء 29].

والنبيَّ ﷺ يؤكِّد معيار الإنفاق بقوله: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند حسن).

ويحسُن بالمسلم وقت الأزمات أن يقصر إنفاقه على الضروريَّات ممَّا لا تستقيم الحياة دونه، ثم الحاجيات وهي ما يلحقه بتركها حرجٌ ومشقَّة شديدة، ويؤخِّر التحسينيَّات والكماليَّات حتى تنتهي الشدَّة والأزمة.

2. تجنُّب الربا والإكثار من الصدقة:

المسلم مأمورٌ بحفظ ماله وحمايته من الضياع والمخاطرة والكسب الحرام؛ قال رسول الله ﷺ «إنَّ الله كره لكم ثلاثًا، قيلَ وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال» (متفق عليه)، ومن أخطر أسباب ضياع المال: التوسُّع في التعامل بالربا وعدم التدقيق في المعاملات المالية هل دخلها الربا أم لا؟

وعدم قصر الدخول فيه على باب الضرورة أو الحاجة؛ قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة 276]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُون﴾ [الروم:39]..

وإذا كان الربا يمحق البركة من المال فإن الصدقة على العكس تباركه وتزيده وتنميه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ 39]، وقال ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ -ولا يَصعَدُ إلى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ- فإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كما يُرَبِّي أحَدُكُم فُلُوَّه، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ» (رواه البخاري).

والأزمات المالية تُضاعِف الفقر وترفع الأسعار، وتكثر معها الحاجات، والواجب على أهل اليسار والغنى الإكثار من التصدُّق وكفالة المحتاجين خاصَّةً الأقارب، وإنظار المعسرين أو إسقاط الدَّيْن عنهم.

3. حفظ المال وفق مقصد الشرع:

سعيُ المسلمُ لحفظ المال يجب أن يكون وَفْق مراد الله تعالى، وتناغمًا مع مقاصد الشرع في الأموال، والتي حدَّدها الطاهر بن عاشور بخمسة: الرواج، والوضوح، والحفظ، والإثبات، والعدل.

وقد لاحظتُ أنَّ معظم صور سعي الناس إلى استثمار المال وحفظه تتناقض مع هذه المقاصد؛ فالناس تتَّجه لحفظ مالها بالكنز والتجميد كشراء الذهب، والله تعالى لم يخلق المال لكنزه وتجميده وإنَّما خلقه لينتفع الناس به ويتداولونه بينهم؛ قال تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾[الحشر:7].

وحفظ المال بشراء الذهب يُناقض مقصد الرواج والتداول، وشراء الذهب الرقمي والمتاجرة بالمال في العملات الرقمية دون امتلاكٍ للخبرة يُناقض مقصد حفظ المال ويؤدِّي لضياعه وفقده، وأغلب توجُّهات الناس المالية في عصرنا تميل إلى تحقيق كسبٍ سريعٍ وكبير دون عمل، ودون إسهامٍ في الإنتاج ومساعدة الناس وتخفيف البطالة، واستغلال حاجة العمَّال والمزارعين والفقراء، وتكريس الثروة والمال في يد فئةٍ محدودةٍ جدًّا من البشر مقابل مئات الملايين الذين يموتون جوعًا، وهذا يُناقض مقصد العدل في الأموال..

فعليك أيها المسلم قبل المتاجرة أو السعي إلى استثمار مالك أو حفظه أن تنظر ما مقصد الشرع الذي يحققه هذا الاستثمار، وما الفائدة التي تعود عليك وعلى الخلق؟!

4. الحفاظ على الأصول واستبدالها بمثلها عند بيعها:

من التوجيهات النبوية الرائعة في حفظ المال وتثميره، ويتأكَّد هذا التوجيه وقت الأزمات والحروب، وذلك في حديث سعيد بن حريث المخزومي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من باعَ دارًا أو عقارًا فلم يجعَل ثمنَه في مثلِه كانَ قمِنًا أَنْ لَا يُبارَكَ فيه» (رواه أحمد وابن ماجة بسندٍ حسن).

ومعنى الحديث: أنَّ من باع دارًا أو عقارًا -أي: أصولًا ثابتةً مثل: الدور، والأراضي، والأشجار المثمرة- ثم لم يضع ثمنها في عقارٍ مشابه كان قمنًا -أي: جديرًا وحقيقًا- أن لا يُبارك له فيه، فإنْ وَضَعَه في عقارٍ مثله بورك له فيه.. والحديث توجيهٌ نبويٌّ لحفظ الأصول المالية وعدم التفريط فيها، وليس نهيًا عامًّا عن بيع العقار إذا دعت لذلك حاجةٌ ظاهرةٌ أو ضرورةٌ ملجئة؛ لأنَّ الأصول إذا فُقِدت يصعب تعويضها، ولا يجد الإنسان بعدها ما يتجر به أو يُعوِّض خسارته أو يستعمله لمنفعته الخاصَّة، وقد رأيتُ بعض الناس تُغريه الفوائد البنكية العالية فيبيع أصوله وما يملك من عقارٍ طلبًا لها، فيقع بذلك في خطرين ومخالفتين شرعيَّتين: أكل الربا ومحق المال، وتضييع الأصول؛ فهو بذلك يستجمع سببين لرفع البركة في الرزق والمال. 

اللهمَّ أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمَّن سواك، وارزقنا الحلال وبارك لنا فيه، وارفع عنا الربا والغلاء والوباء والحروب والقتل، وانشر السلام والأمن في ربوع الدنيا، وفرج الكرب عن إخواننا في فلسطين واليمن والسودان وكل مكان والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 2 أكتوبر 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

article title

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

article title

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد