أثر المادية على العبادات .. وقصة إحرام الشباب

عندما تريد أن تأخذ حمامًا روحيًّا، تذهب لأداء عمرة مثلًا، أو لأداء فريضة الحج، ستجد أنَّ المادية زاحمتك في قلب الحرمين الشريفين؛ ففي داخل الحرم تجد انشغال الناس بالدنيا، وبالتصوير والبث المباشر.
وأنت في قلب الروضة الشريفة، وأنت في قلب مشاهد الجلال والرقة، تجد كل مظاهر المادية حاصرتك، من الطعام، إلى المقاهي، إلى كيفية التعامل.
من الأشياء التي أبرهن بها على إشكال المادية، أن أحد الإخوة ينشط مع الشباب وتأطيرهم في بلد من البلدان الأوروبية، قلت له: ما هي الأنشطة الجديدة التي تقومون بها؟
قال لي: نحن نقوم بتوظيف العمرة في تثبيت الشباب على الدين على أتم ما يكون.
ففرحت جدًّا؛ لأن العمرة وزيارة الحرمين الشريفين من أهم الوسائل التي تثبت الإنسان على الدين، ففيه هدى للناس، كما قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: الآية 96]، وقد ورد في الحديث (إنَّ الإيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المَدِينَةِ كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحْرِها) (رواه البخاري ومسلم)
فالذي يخاف على إيمانه يذهب لتجديد الإيمان في مدينة رسول الله ﷺ، فالحية إذا خافت على نفسها ماذا تفعل؟ تهرب إلى الجحر، فالمدينة هي جحر الإيمان ومستقرُّه؛ فالذي يخاف على دين أولاده يُجدِّد إيمانهم في مدينة رسول الله ﷺ.
لكن انظروا ماذا فعل هذا الأخ مع هؤلاء الشباب، قال: ذهب معنا خمسون شابًا، ولبسوا ملابس الإحرام، وتعاهدوا على أن يصلوا في الصف الأول قُبالة الكعبة مباشرة، والتقطوا صورة رائعة (انظروا للمادية) وهم جميعًا يصلون في الصف الأول عند الكعبة، وأخذ يتغنى بهذا الإنجاز العظيم.
خطر مباشرة على ذهني خاطر، فقلت له: هل كانوا محرمين حقًا بالعمرة، أم لبسوا ملابس الإحرام حتى يُسمح لهم؟ لأنَّ الآن لا يُسمح بالطواف للرجال، إلا للمحرمين فقط، في الطابق الأرضي.
قال لي: لا، طبعًا لبسوا ملابس الإحرام، ولم يكونوا مُحرمين، فقد أنهوا العمرة.
إذًا فقد استباحوا الكذب؛ وأنا في العمرة الأخيرة، أديت العمرة قبل الفجر بساعة، وتحلَّلت بالحلق، ثم عدت مرَّةً أخرى إلى الحرم، فقلت أنتهز فرصة لبسي لملابس الإحرام وأدخل إلى الكعبة وأستمتع برؤيتها أو بالطواف مرة أخرى أو بالصلاة بالقرب منها، فما استراحت نفسي بعد أن دخلت للحرم مرَّةً أخرى؛ خرجتُ لأنِّي بهذا اللباس أقول للحارس: أنا مُحرم، وأنا لست بمُحرم؛ فأنا أكذب.
كيف أكون في قلب الحرم بجلاله، وبما عزمت عليه من توبة وإصلاح حالي مع الله سبحانه وتعالى، وأفعل هذا الأمر؟!
بصرف النظر عن صحة هذا القرار التنظيمي من عدمه، أنا أتكلَّم الآن عن الموقف الشرعي، فعندما يسألك الشرطي ويقول لك: “هل أنت محرم؟” تقول له باللباس: “نعم أنا محرم”، وأنت لست بمحرم، أليس هذا كذبًا؟!
الأعداد الكبيرة التي تنزل للطواف، إذا تسابق كل الناس وفعلوا نفس الفعل، هل يستوعبهم صحن الحرم في الطابق الأرضي؟! مستحيل أن يستوعبهم.
فالمادية حاصرتنا؛ فلو كان الدافع فقط هو التقرب من الكعبة، والاستمتاع بالطواف حولها، لقلنا دفعهم لذلك الشوق؛ لكن الصورة هي التي دفعتهم لفعل ذلك، المشهد المادي هو الذي دفعهم إلى هذا السلوك.
د. خالد حنفي
ضمن حلقات دورة: " مفاتيح فهم القرآن الكريم".
د. خالد حنفي