path

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

ففي شهر ربيع الأول يطيب لنا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقق القلوب، وينعش الأفئدة، ويصل النفوس سمحة زاكية بالله عزوجل، ويجدر بنا في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم عرْض أحوالنا على هديه وسنته لنقف على موقعنا وحالنا من الاقتداء به، ونختبر صدق حبنا له بصدق الاتباع والتأسي؛ قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]..

فإننا نريد في ذكرى مولده أنْ نجدِّد حبنا له صلى الله عليه وسلم واستمساكنا برسالته، وفي الجمعة الماضية طرحنا سؤالاً هو: لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ فبأي شيء سيفرح بنا ومن أي شيء سيحزن ويغضب؟

واليوم نستكمل مشاهد الزيارة النبوية للمسلمين في الغرب ليعرضها كل واحد فينا على حاله ويسائل نفسه هل فرح بي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم غضب مني؟ وهل أنال صحبته ومرافقته في الجنة بهذا الفرح أم أُحرم منه بسبب بُعْدي وهجري لسنته؟

ثم ننتقل من التغيير الفردي في حالنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا وتأسيا واقتداء إلى الحال الجماعي فيتحقق المقصود الكلي والجزئي من احتفائنا واحتفالنا بميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن مشاهد تلك الزيارة النبوية المشرفة المُتَخيَلة ما يلي:

1. فرحُه صلى الله عليه وسلم بالأُسَر المتراحمة المستقرة:

إنَّ من أشد ما يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تخيلنا زيارته للمسلمين في الغرب فرحه بالأسر المستقرة المتوادة المتراحمة كثيرة الأولاد، وفرحه بسعي وحرص الجيل الجديد من أولاد المسلمين في الغرب للزواج وبناء الأسر وعدم تأثره بالقيم الغربية السلبية الرامية لتجاوز أمر الأسرة واستبدالها بالمتعة واللذة الآنية المؤقتة؛ فإن من يحرص على إقامة الأسرة ويحافظ عليها ويتنازل لاستمرارها يقتدي بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها أنه قال: "خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي" الترمذي، والدارمي بسند صحيح.

والمرأة المسلمة في الغرب التي تتسرع في هدم الأسرة وطلب الطلاق تُدخل نفسها في وعيد خطير وهو قوله صلى الله عليه وسلم:" أيُّمَا امرأةٍ سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ فحرامٌ عليها رائحةُ الجنةِ" أبو داوود والترمذي بسند صحيح، فكيف يفرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذاً؟!

والنبي صلى الله عليه وسلم يدعونا للتوازن والاعتدال في تقييم ونظر الزوجين للآخر فيقول:" لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنةً إن سخِطَ منْها خُلقًا رضِيَ منْها آخرَ" مسلم عن أبي هريرة، وإنَّ واقع المسلمين في الغرب وارتفاع نسبب الطلاق والشقاق إلى هذا النحو المخيف بل المرعب يؤذن بخطر كبير على الدين والتدين والهوية، ولا يعكس الفهم لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء الأسر ومعاملة الزوجات، واستمرار هذا الحال سيُنفر الأجيال الجديدة من الزواج وبناء الأسر وستكون الأجيال الجديدة من أولاد المسلمين نُسَخاً مصورة من الذين حولهم، وهذا الحال لا يفرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يحزنه ويغضبه!

2. فرحُه صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الجيران:

أولت السنة النبوية عناية كبرى بالإحسان إلى الجار وكف الأذى عنه حتى كتب بعض العلماء كتاباً مستقلا جمع فيه قرابة أربعين حديثا في الإحسان إلى الجيران، وتقريبا كل هذه الأحاديث جاء الحديث فيها عن الجار مطلقا عاما ليشمل الجار المسلم وغير المسلم، ومن أهم هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه" أبوداود والترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة.

والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن لكثرة ما أوصاه سيدنا جبريل بالجار أنه سيعطيه حقا في الميراث ليصبح الجوار أحد أسباب الميراث مثل القرابة لعظم شأنه ومنزلته، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" متفق عليه. والإحسان إلى جيراننا من غير المسلمين وتجنب إيذائهم واحد من أهم الأبواب الدعوية التي نُفرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبلغ بها رسالة الإسلام بطريق عملي وآمن إلى غير المسلمين، فهل علاقتك بجارك المسلم وغير المسلم تُفرح نبيك أم تحزنه؟!

3. فرحه صلى الله عليه وسلم بالمسلم القدوة:

المسلم القدوة هو الذي يوصل رسالة الإسلام بتجسيدها عمليا بحاله قبل مقاله، والمسلم الفتنة هو الذي يفتن غير المسلمين ويصرفهم بسوء خلقه عن التفكير في الإسلام والتوجه إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يفرح بالمسلم القدوة ويحزن ويغضب من المسلم الفتنة، والمسلم القدوة يكون قدوة بأخلاقه وصدقه وأمانته ووفائه بالعهد، وما أجمل هذا الحديث الذي يخاطب ويتنزل على المسلم في الغرب اليوم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحدٍ من أصحابي يموتُ بأرضٍ إلا بُعِثَ قائدًا ونورًا لهم يومَ القيامةِ" الترمذي..

وهذه نصوص نبوية نفتقر في الغرب لتجسيدها حالا وفعلا، قال صلى الله عليه وسلم" إنَّ من أحبِّكم إليَّ أحسنُكم أخلاقًا" متفق عليه، وقوله:" ما من شيءٍ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلقٍ حسنٍ وإنَّ اللهَ يُبغضُ الفاحشَ البذيءَ" أبو داوود والترمذي وأحمد بسند صحيح، ومن أهم الأخلاق الوفاء بالعهد وتأمين المعاهد وعدم الغدر به قال صلى الله عليه وسلم: "مَن قَتَلَ نَفسًا مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها لَيوجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا" البخاري.

ومن أهم المبادئ في منظومة الأخلاق الإسلامية عدم الرد على سوء الخلق بمثله؛ قال صلى الله عليه وسلم:" أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تَخُنْ من خانَك" أبو داود والبيهقي بسند صحيح، ومن التوجيهات النبوية المهمة للتاجر المسلم:" من غش فليس مني" مسلم، فهل جسدنا هذه الأخلاق والقيم النبوية في الغرب فصرنا بها قدوة لغير المسلمين يتعرفون من خلالنا على الإسلام ويفرح بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم وقع العكس؟ راجع نفسك وفرِّح نبيك وكن على حذر من إحزانه والحرمان من لقائه وشفاعته.

4. فرحُه صلى الله عليه وسلم بالعامل المتعفف الآكل من عمل يده:

حث النبي صلى الله عليه وسلم على الكسب والأكل من عمل اليد ووضع منهاجا عمليا لمواجهة البطالة وفقدان العمل والمال؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رجلًا من الأنصارِ أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يسألُه فقال أمَا في بيتِكَ شيءٌ؟ قال بلى حِلْسٌ نلبسُ بعضَه ونَبسطُ بعضَه وقعبٌ نشربُ ُفيه من الماءِ قال ائتني بهما قال فأتاه بهما فأخذهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذينِ؟ قال رجلٌ أنا آخذهما بدرهمٍ قال من يزيد على درهمٍ؟ مرتينِ أو ثلاثًا قال: رجلٌ أنا آخذُهما بدرهمينِ فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمينِ وأعطاهما الأنصاريَّ وقال اشترِ بأحدِهما طعامًا فانبِذْهُ إلى أهلِكَ واشترِ بالآخر قدُّومًا فأتني به فأتاه به فشدَّ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيدِه ثم قال له اذهبْ فاحتطبْ وبعْ ولا أَرَينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا فذهب الرجلُ يحتطبُ ويبيعُ فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهمَ فاشتَرَى ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خيرٌ لكَ من أن تجيءَ المسألةُ نكتةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ إنَّ المسألةَ لا تصلَحُ إلا لثلاثةٍ لذي فقرٍ مُدْقِعٍ أو لذي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أو لذي دَمٍ مُوجِعٍ" أحمد وأصحاب السنن بسند حسن..

كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسألة وذل السؤال فقال:" لا يَفتحُ أحدٌ على نفسِه بابَ مسألةٍ إلا فتحَ اللهُ عليه بابَ فقرٍ" متفق عليه. وما أحوجنا إلى هذا التوجيه النبوي في ظلم ارتفاع التضخم وكثرة البطالة، وتعطل المشاريع، واستسهال بعض المسلمين العيش على المساعدات وترك العمل، وعدم السعي والحرص على تعلم الكسب واحتراف مهنة جديدة حتى يتجنب ذل السؤال وطلب المساعدة إلا إذا كان في حاجة إليها دون كذب أو تدليس أو أي صورة من صور أخذ ما لا حق له فيه، فمنْ حرِص على الكسب والغنى من طريق مباح، وتجنب ذل السؤال سيفرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خالف هذا الهدي النبوي سيحزن منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر في أي صف تريد أن تكون؟

اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، واجمعنا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة، وكن لأهلنا وإخواننا المستضعفين في غزة وفلسطين وكل مكان يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 28 أغسطس 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

جهاد العصر | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

article title

جهاد العصر | خطبة الجمعة

article title

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

جهاد العصر | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة