path

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فنحن على مقربة من عام دراسي جديد أو قد بدأ العام الدراسي في عدد من المدن والولايات، وإذا أردنا بحق أن نُرسخ الوجود الإسلامي في الغرب وأن نجعل منه عنصر وصل حضاري وإثراء إنساني وإضافة حقيقية للمجتمعات الأوروبية، وإذا أردنا بحق أن نحقق مقصد الشهادة على الناس؛ قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم}[البقرة:143]..

فإن المدخل لكل ذلك هو أن نعتني بالعلم والتعليم وأن يكون من أبناء المسلمين الملتزمين دينيا العالم والمفكر والكاتب والمؤلف والشاعر والأديب والقانوني والطبيب والمهندس والسياسي والاقتصادي والعالم المتقن المتفنن في كل اختصاص وميدان وأن نرى من أولاد المسلمين من يحصد المراكز والجوائز العالمية في العلوم والابتكارات التي تعود بالخير والنفع على البشرية..

فلا بد للأبوين في كل أسرة أن يجعلوا تعليم أولادهم وتفوقهم الدراسي أولوية كبرى في حياتهم، وأن يستثمروا الفرص المتاحة لأولادهم في أوروبا والتي لا يحلم نظراؤهم خارجها بها، وأن الله تعالى منحهم دون جهد أو عمل نعمة كبرى هي الدراسة في أفضل الجامعات الأوروبية مع القرب من الأسرة والعائلة ودون اغتراب وهجرة كغيرهم، ودون العناء والمكابدة في دراسة اللغة وتدبير النفقات المالية كغيرهم، مع ضرورة التأكيد على رعاية الفروق الفردية والقدرات العقلية للأبناء فليسوا جميعا في مستوى واحد يجعلنا نتأمل منهم نتيجة واحدة وتفوقا تاما، كما يتعين علينا أن نتجنب الإكراه في العملية التعليمية والتربوية بكل صوره وأشكاله، سواء الإكراه على التخصص أو الإنجاز وإنما الرفق واللين والحكمة هو المنهج الواجب اتباعه مع الأبناء في ظل تضاعف التحديات وتعددها..

وهذه جملة من الرسائل والتوصيات للطلبة والدراسين في مطلع عام دراسي جديد:

1. تجديد النية وعلو الهمة في طلب العلم:

حتى يؤجر طالب العلم لابد أن يجدد نيته وأن يحدد قصده وهدفه وأن لا يقصر هدفه على الدنيوي دون استحضار للأخروي، فيستحضر أنه في عبادة وقربة لله عزوجل وتخيل هذا الأجر العظيم الذي يبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم طالب العلم خشية لله فيقول: "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ" الترمذي وأبو داوود وأحمد وابن ماجة عن أبي هريرة بسند صحيح..

ثم عليك أن تطلب العلم بهمة عالية وصبر دائم فمن طلب الراحة فاتته الراحة، ومن أراد الراحة بعد انتهاء الدراسة لابد أن يتعب ويبذل أثناءها، كمن أراد الراحة في القبر والفوز بالجنة لابد أن يترك الراحة والكسل بالاجتهاد والمثابرة في الدنيا، وقد كان الأولون ينفقون شهورا وسنين عددا لجمع حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تحقيق مسألة أو لقيا شيخ، وربما اقترض طالب العلم أو فقد ما يملك ليبلغ شيخا أو يحصل نسخة نادرة من كتاب واليوم سهل جدا الوصول إلى العلم وطرَقَ العلماء والشيوخ باب الطلاب بالدراسة عن بعد، وعلى الرغم من ذلك زهد الناس في العلم وضعفت هممهم على نحو غير مسبوق واستبدلوا لذة الطلب والتحصيل بالتصفح الشبكي في أمور وقضايا لا تفيدهم في دينهم أو دنياهم، وربما ثقلت موازينهم بأوزار وسيئات يحتاجون عمرا لمحوها وتبييض صحائفهم..

لن أحدثكم عن نموذج لعلماء السلف المتقدمين وإنما عن عالم معاصر راحل هو البروفيسور فؤاد سزكين الذي سأله أستاذه المستشرق الألماني هلموت ريتر: كم ساعة تقرأ في اليوم؟ فأجابه سزكين بكل فخر: 10 ساعات يوميا، رد عليه ريتر قائلاً: هذه الساعات لا تصنع منك عالما، وأخبره أن العلماء المسلمين الأوائل كانوا يعملون طوال اليوم ولا ينامون إلا ساعات قليلة، ومن يومها رفع سزكين ساعات بحثه وقراءاته اليومية إلى 16 و17 ساعة واستمر على هذا الجدول الصارم حتى تخطى التسعين من عمره ثم تحول هذا الأمر عنده إلى شرط أساسي عند طلابه وتلاميذه الذين يدرسون في معهده تاريخ العلوم العربية والإسلامية في فرانكفورت فكان يشترط على طلابه البقاء في المكتبة

للقراءة والدراسة 10 إلى 12 ساعة يوميا بحد أدنى، فمن يصبر من أبنائنا اليوم على القراءة والدراسة هذه الساعات في انقطاع تام عن الشاشات؟!

2. احذر حرمان العلم بالمعصية:

المعصية تُظلم القلب وتحرم صاحبها العلم وتسلبه التوفيق وتضعف قدرته العقلية على التركيز واستحضار المعلومات قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون}[النور:30] ومن معاني أزكى أنمى وأكمل لهم عقلا وقلبا، وقد أثبتت دراسات علمية حديثة أن إرسال البصر إلى المحرمات يقلل قدرة الدماغ على التركيز والذاكرة على الحفظ، ويُروى أن الإمام الشافعي شكا إلى شيخه وكيع بن الجراح سوء حفظه بعد قوته فأرشده إلى تجنب المعاصي وصاغها الشافعي في بيتين من الشعر قال:

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي 

وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

فاحذروا المعاصي أيها الطلبة خاصة إرسال النظر إلى ما حرم الله، واحرصوا على تجديد التوبة منها حتى تحفظوا عقولكم وقلوبكم.

3. تجنب المشتتات والمشوشات:

لا يُكتب لطالب علم التوفيق والفلاح إلا إذا استثمر وقته وتجنب الصوارف والشواغل والمشوشات والمشتتات، ومن العبارات الرائقة قول الإمام الشافعي رحمه الله: " لو كُلِّفت بصلة لما فهمت مسألة" على الرغم من أن شراء البصلة لا يأخذ كثير وقت أو جهد لكنها ستشتت فكره وتضيع وقته فكيف بمن يقضي الساعات على الهواتف والشاشات فيقل تركيزه ويشتت انتباهه ولا يركز في دروسه وتعلمه، وهل يتعلم من يجيب له الذكاء الاصطناعي عن كل شيء في الدراسة ويحل له الواجبات المدرسية؟!

حدثني مدرس مسلم في مدرسة ألمانية قائلا بكل حسرة: لا تتخيل كيف تراجعت المستويات الدراسية للطلاب وتدنت الأخلاق بسبب الهواتف واعتمادهم على الذكاء الاصطناعي وليتهم يمنعون الهواتف تماما في مختلف المراحل الدراسية!! إنني أدعو طلبة العلم والدراسين إلى قراءة كتاب: صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل للشيخ عبدالفتاح أبو غدة ليتعلموا منه الصبر والمصابرة على طلب العلم وترك الكسل والراحة، ومما ذكره عن العالم العابد داود الطائي قوله:" ما بين مضغ الطعام وشرب الفتيت قراءة خمسين آية"، وإن الأوقات التي نضيعها فيما لا يفيد على الهواتف لو أنفقناها في التعلم وحفظ القرآن لأنجزنا الكثير مما لا نتخيل إنجازه في أعمارنا.

4. صلاتك وبرك بأبويك سر تفوقك وفلاحك:

علم أخي الطالب أن حفاظك على صلواتك خاصة صلاة الجمعة هي سر تفوقك وفلاحك وحصول البركة في وقتك وعملك فأحرص على أداء صلواتك في أوقاتها ولا تؤخرها إلا لعذر قاهر، وأبذل جهدا خاصا لتحافظ على صلاة الجمعة وتذكر حديث حبيبك صلى الله عليه وسلم: "مَن ترَكَ ثلاثَ جمعٍ تَهاونًا بِها، طبعَ اللَّهُ على قلبِهِ" أبو داود والترمذي والنسائي بسند حسن عن أبي الجعد الضمري..

ثم أعلم أن برك بأبويك وكسب رضاهما ودعائهما من أعظم أسباب الفلاح والتوفيق في حياتك كلها الدراسية والعملية، وكم من مقصر في دراسته جبر تقصيره برضا أبويه عنه، وكم من فائق في دراسته قلت الأسباب عنده مقارنة بغيره كانت دعوة من أمه أعظم من كل سبب، وكم من طالب علم حُرم التفوق لكن وسع الله عليه الرزق بسبب بره بأبويه، فاجعل شعارك هذه الآية الكريمة: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء:23].

اللهم احفظ أولادنا وشبابنا وعلمهم ووفقهم في دراستهم وخلقهم بأخلاق الإسلام، وفرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة والسودان وكل مكان يا رب العالمين ، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 4 سبتمبر 2026م.

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]

feather د. خالد حنفي

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]

article title

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

article title

جهاد العصر | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]

د. خالد حنفي

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

جهاد العصر | خطبة الجمعة