path

طُمأنينةُ القلب في زمن الخوف والقلق | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فمن سمات عصرنا والمرحلة التي نحياها الآن الخوف والقلق؛ فالأحداث كثيرة ومتسارعة ودائرة الحرب تتسع ويزيد معها الخوف والقلق على النفس والمال والولد، والمتغيرات السياسية المحلية وما تبعها من توجُّهات تستهدف المكون المسلم في ألمانيا وفي أوروبا، والغلاء المعيشي المتزايد والتضخم المرتفع والمتجه إلى مزيد من الارتفاع..

كلُّ هذا ضاعف من حالة الخوف والقلق التي يحياها كلُّ الناس خاصَّةً مع ضعف الإيمان واليقين، وسرعة وسهولة نقل الأحداث وكثرة التحليلات التي تُخيف وتُقلق، ولا تطمئن وتثبِّت؛ فيخاف الناس من الحاضر والمستقبل، والخبراء يؤكِّدون أنَّ كلَّ الأمراض النفسيَّة مصدرها الخوف، وإذا كان الخوف في الأحوال العادية مصدرًا للأمراض النفسية فكيف إذا اجتمعت كلُّ هذه الأسباب والمستجدَّات، وانضمَّ إليها الخوف الدائم الذي يعيشه المسلمون في أوروبا على دين وهوية أولادهم؟!

والخوف فطرة في الإنسان، وهو شعور طبيعي أودعه الله في النفس لحماية الإنسان من الأخطار وتنبيهه إلى ما قد يضره؛ فمن خاف من المرض استعد له بالوقاية منه وقصد علاجه إن وقع، ومن خاف على ماله أخذ بالتدابير الممكنة لحمايته وتثميره، والإنسان مفطور على الخوف قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج:19]، {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} [المعارج:20]، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:21]..

وقد أوضحت آياتٌ متعدِّدة خوف بعض الأنبياء في بعض المواقف؛ فذكر القرآن الكريم خوف موسى وهارون عليهما السلام من مواجهة فرعون، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه: 45]، وذكر القرآن في موضعٍ آخر أنَّ موسى عليه السلام خاف من قتل فرعون، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [الشعراء: 14]، وقال تعالى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 21]..

وقد وضَّحت آياتٌ أخرى خوف إبراهيم عليه السلام من الملائكة الذين زاروه في صورة بشر، ولم تصل أيديهم إلى الطعام الذي قدَّمه لهم فقال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 69، 70]، فإذا كان الخوف قد وقع للأنبياء، وهم أكمل الناس إيمانًا، فهذا يدل على أنه فطرة إنسانية.

وهذه جملة من أهم العوامل والأسباب التي تحقق طمأنينة القلب في زمن الخوف والقلق:

1. تعميق الإيمان بالقضاء والقدر:

أهمُّ ما يورث المسلم الطمأنينة القلبية والراحة النفسية ويُبدِّد الخوف والقلق ويرفعهما من قاموسه، تعميق وترسيخ الإيمان بالقضاء والقدر، الذي هو ركنٌ من أركان الإيمان؛ فعندما توقِن أنَّ كلَّ ما سيقع في الكون، سيقع بعلم الله وتقديره، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [التغابن:11]، وأن خوفك وقلقك لن يُغيِّر من أقدار الله في شيء، وأنَّ الله تعالى رحيم حكيم، وأنَّ أمر المؤمن كلَّه خيرٌ في السرَّاء والضرَّاء؛ يطمئنُّ قلبك ويرتاح بالك؛ فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وَكانَ عرشُهُ على الماءِ" (رواه مسلم)..

فقدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وشقاءهم أو سعادتهم، فكيف أخاف على أشياء كُتبت وقُدِّرت ووقع الفراغ منها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؟!

والمؤمن يعلم يقينًا أنَّ الحياة والموت بيد الله وحده، وأنَّ الآجال مكتوبةٌ لا تتقدَّم ولا تتأخَّر؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، والإنسان لن يموت إلَّا إذا انتهى أجله بحربٍ أو بغير حرب، تأمل قوله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمرآن: 154].

فمن جاء أجله سيموت حتى لو كان في أكثر الأماكن أمنًا وسلامًا في العالم، ومن كان في أجله بقيَّة لن يُصاب بشيءٍ مهما أحاطت بها الأخطار والمهالك، وكم رأينا في الحروب والحوادث الحديثة كيف نجا ناسٌ من موتٍ محقَّق، وكيف قضى ناسٌ في أمنٍ تام!!

2. عدم الانقطاع عن العمل بسبب الخوف والقلق:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ، أَلَا إنَّ سِلْعَةَ اللهِ غاليةٌ، أَلَا إنَّ سِلعةَ اللهِ الجنةُ". (الترمذي بسند حسن).

وهذا توجيهٌ نبويٌّ بالغ الحكمة؛ ففي أوقات الخوف والقلق والحروب لا يصحُّ القعود والركون للخوف والتوقف عن العمل، وإنَّما الواجب إحكام الخطة والأخذ بأسباب النجاة بالسير ليلًا لتجنُّب مخاوف الطريق وقُطَّاع الطرق، والأولى بالخوفِ الخوفُ من عذاب الله، والعمل للفوز بجنته.

فنحن نخوِّف أنفسنا من أحداث الدنيا على الرغم من أنَّ أقدرانا فيها مكتوبة، ولا نخاف بذات القدر ممَّا يجب علينا الخوف منه والاستعداد له؛ فالخوف من يقين وقوع عذاب النار، ويقين فوات نعيم الجنة، أولى من الخوف من نتائج وآثار الحروب في الدنيا..

وإذا كان الخوف منها يدفعنا للبحث عن أسباب النجاة فالأولى البحث عن أسباب النجاة من النار والفوز بالجنة قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان} [الرحمن:46] وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات:40]، {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:41].

هذا هو الخوف المثمر والمنجي من عذاب الله، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: "وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنِ وَلَا خَوْفَيْنِ، إِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي، وَإِنْ هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي" (ابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة بسندٍ صحيح).

3. تجديد الإيمان والإكثار من العمل الصالح:

إنَّ الذي يجعل نفسيَّة المسلم في هذا الزمان هشَّة ضعيفة تتأثَّر سلبًا بأحداث الواقع فتضعف وتضطرب وتستلم لليأس، هو ضعف الإيمان بالله؛ ولهذا من أهمِّ متطلبات المرحلة، تجديد الإيمان والإكثار من العمل الصالح خاصَّةً ذكر الله عز وجل، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} [الرعد: 28]..

والقرآن الكريم يؤكِّد في العديد من المواضع والآيات أنَّ الإيمان بالله والاستقامة على طاعته تُورِثان الطمأنينة القلبية وراحة البال قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [الأحقاف:13]، وقال: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:38]، وقال:{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}[الأنعام:48]، وقال: {يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}[الأعراف:35]، وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون}[الأنعام:82]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون}[فصلت:30]..

ويؤكد القرآن الكريم على أنَّ كفران النعم وعمل السيئات يسلب الأمن ويورث الخوف والجوع قال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون} [النحل:112].

4. استحضار معية الله، ورد الأمر إلى أهل الذكر:

عندما أمر الله موسى وهارون بمواجهة فرعون وقومه وأجابا بخشيتهما من ظلمه وبطشه طمأنهما بعدم الخوف من فرعون وبطشه لأنَّ الله معهم يسمع ويرى، قال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، {قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى}، {قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 43-46]، وقد استوعب موسى عليه السلام الدرس فنفى الخوف والقلق باستحضار معية الله عزوجل في مواقف تالية، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون} [الشعراء:61]،  {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين}[الشعراء:62]..

وذات الشيء وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام عندما استحضر معية الله وهو يُحاجج قومه وينفي عن نفسه الخوف وأنهم أحقُّ به منه لأنهم أشركوا بالله، فقال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [الأنعام:81]..

ومن مبددات الخوف والقلق في أوقات الحروب والأزمات، ردُّ الأمر إلى أهل الاختصاص والذكر، وعدم تتبُّع المنصَّات التي تُشيع الخوف بين الناس، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا}[النساء:83].

ندعو الله أن يُبدِّل خوفنا أمنًا، وذلًّنا عزًّا، وحزننا فرحًا، وأن يحفظنا وبلادنا وأوطاننا من كلِّ شرٍّ ومكر، وأن يُجنِّبنا الفتن ما ظهر وما بطن، وأن يوصلنا إلى دار السلام بسلام، وأن يُفرِّج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين والسودان واليمن وكلِّ مكان، إنَّه سميعٌ مجيب، والحمد لله رب العالمين. 

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 25 سبتمبر 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

article title

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد

article title

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

المُطَففون الجُدد | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

رسائل للطلبة والدارسين في مستهل عام دراسي جديد

د. خالد حنفي

لو زارنا الحبيب ﷺ؟ [2]