path

لو زارنا الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فنحن على مقربة من الثاني عشر من شهر ربيع الأول، والذي نعيش فيه مع ذكرى ميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونريد أن نتجاوز الجدل والجدال المكرور كل عام والذي يُفسد على المسلمين فرصة تجديد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوب المحبين له المؤمنين به، كما يُضيِّع فرصة اغتنام الذكرى لتعريف غير المسلمين بالنبي صلى الله عليه وسلم في شهر مولده..

وما يجب علينا فعله هو الخروج من المختلف فيه إلى المتفق عليه، وتذكير الناس بنبيهم وسنته ومحبته هو أمر يتعيَّن أن لا يكون محلَّ خلافٍ عند أحد، وقد خطر لي أن أتخيَّل لو زارنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في يوم مولده واطَّلع على أحوال المسلمين في الغرب، فبأيِّ شيء سيستبشر ويفرح؟ ومن أيِّ شيءٍ سيحزن ويغضب؟

وذلك بالنظر في هديه وسنَّته ومطالعة ما سرَّه وأفرحه، وما أغضبه وأحزنه، وتنزيل ذلك على واقعنا في الغرب، لنتَّخذ من ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم فرصةً لمراجعة علاقتنا بهديه وسنته وترجمة حبِّنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم تأسِّيًا واقتداءً وعملًا، وهذه جملة من المشاهد التي تُفرِح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يراها من المسلمين في الغرب:

1. فرحُه صلى الله عليه وسلم بهداية الناس للإسلام:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح بهداية الناس إلى الإسلام وكان حريصا على استنقاذهم في النار وكان يحزن أشد الحزن على من يأبى الدخول في الإسلام إشفاقاً عليه ورحمة به حتى أن الله تعالى خفف عنه بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِين}[الشعراء:3]، وقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام الغلام اليهودي الذي كان يخدمه؛ فعن أنس رضي الله عنه: «أنَّ غُلامًا يَهوديًّا كان يضَعُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَضوءَه ويُناوِلُهُ نَعْلَيهِ، فمَرِضَ، فأتاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ عليه، وأبوه قاعِدٌ عندَ رأسِهِ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا فُلانُ، قُلْ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فنَظَرَ إلى أبيهِ، فسَكَتَ أبوه. فأعادَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَظَرَ إلى أبيه، فقال أبوه: أطِعْ أبا القاسِمِ، فقال الغُلامُ: أشهَد أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّك رسولُ اللهِ. فخَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي أخرَجَهُ بي من النَّارِ» (البخاري).

كما فرح بإسلام الطفيل بن عمرو الدوسي، وبإسلام عكرمة بن أبي جهل حتى وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه، كما فرح بإسلام عدي بن حاتم حتى تبسَّط وجهه فرحًا، لهذا لو زارنا النبي صلى الله عليه وسلم سيفرح بأفواج الداخلين في الإسلام الذين أنقذهم الله من النار من الأوروبِّيِّين، وسيكون أشدَّ فرحًا إذا تعهَّدناهم بالتوجيه والرعاية والتعليم بعد إسلامهم وتابعناهم لحل مشكلاتهم بعد إسلامهم..

فهل فعلنا ما يُفرِّح نبيَّنا بنا من حرصٍ وسعيٍ لهداية الناس إلى الإسلام؟ وهل شغلنا أنفسنا بما شُغِل به وتهمَّم له نبيُّنا صلى الله عليه وسلم وهو دعوة الناس إلى الإسلام واستنقاذهم من النار؟

2. فرحُه صلى الله عليه وسلم بصفوف المصلين في المساجد:

كان آخر مشهد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وفاته هو صفوف المصلين، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: فتبسم يضحك؛ لصلاة المسلمين ووحدتهم. وكان آخر ما قال كما في حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "كُنَّا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيلةً -يَعني البَدرَ- فقال: إنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كما تَرَونَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤيَتِه، فإنِ استَطَعتُم أن لا تُغلَبوا على صَلاةٍ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُروبِها فافعَلوا" (مسلم).

وكذلك سيفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرى المساجد في الغرب ممتلئةً بالمصلِّين في الجُمع والجماعات على الرغم من الضغوط والتحدِّيَّات، وسيحزن إذا رأى بعض المساجد شبه فارغة من المصلِّين في الفجر والعشاء، فلنُفرِح نبيَّنا بنا ونحرص على مجاهدة أنفسنا بصلاة الجماعة ما استطعنا إليها سبيلًا.

3. فرحُه صلى الله عليه وسلم بتوبة العصاة ونجاتهم من النار:

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفرح بتوبة التائبين وعودة العصاة والمذنبين إلى ربِّهم لأنَّه نبيُّ الرحمة؛ فقد فرح بتوبة سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه بعد تخلُّفه عن غزوة تبوك؛ يقول سيدنا كعب:" فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" (متفق عليه).

كما فرح صلى الله عليه وسلم ببراءة أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ، وَيَقُولُ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ؛ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ" (متفق عليه)..

لهذا سيفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوافل التائبين العائدين إلى الله من عصاة المسلمين وشبابهم في الغرب، فإن أردنا أن نفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فلنبذل جهدنا مع العصاة ليتوبوا ولنفرح بتوبتهم كما فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعمل المؤسسات الدعوية والإمامية البرامج التي تستهدف العصاة من شباب المسلمين وردهم إلى طريق الإيمان والاستقامة.

4. فرحُه صلى الله عليه وسلم لمسارعة المسلمين لإغاثة إخوانهم المستضعفين:

لعلَّ هذا الموقف الوحيد -فيما أعلم- الذي ظهر فيه السرور والفرح على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا النحو كأنَّه مذهبة؛ فعن جرير بن عبدالله قال: كُنَّا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَدرِ النَّهارِ، قال: فجاءَه قَومٌ حُفاةٌ عُراةٌ، مُجتابي النِّمارِ أوِ العَباءِ، مُتَقَلِّدي السُّيوفِ، عامَّتُهم مِن مُضَرَ، بَل كُلُّهم مِن مُضَرَ، فتَمَعَّرَ وجْهُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لما رَأى بهِم مِنَ الفاقةِ، فدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فأمَرَ بلالًا فأذَّنَ وأقامَ، فصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فقال: {يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدةٍ} إلى آخِرِ الآيةِ {إنَّ اللهَ كان عليكُم رَقيبًا} [النساء: 1]، والآيةَ التي في الحَشرِ: {اتَّقُوا اللهَ ولتَنظُرْ نَفسٌ ما قدَّمَت لغَدٍ واتَّقوا اللهَ} [الحشر: 18]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دينارِه، مِن دِرهَمِه، مِن ثَوبِه، مِن صاعِ بُرِّه، مِن صاعِ تَمرِه، حتَّى قال: ولو بشِقِّ تَمرةٍ، قال: فجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ بصُرَّةٍ كادَت كَفُّه تَعجِزُ عَنها، بَل قد عَجَزَت، قال: ثُمَّ تَتابَعَ النَّاسُ، حتَّى رَأيتُ كَومَينِ مِن طَعامٍ وثيابٍ، حتَّى رَأيتُ وجهَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَهَلَّلُ كَأنَّه مُذهَبةٌ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أُجورِهم شَيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً، كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ" (رواه مسلم).

وكذا سيفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين في الغرب أشدَّ الفرح بتسابقهم ومسارعتهم لإغاثة إخوانهم في غزة وفلسطين وكلِّ البلدان التي وقع فيها ظلمٌ أنتج عددًا كبيرًا من المستضعفين؛ فالمسلمون في الغرب بذلوا الكثير من أموالهم لإغاثة إخوانهم، وأطلقوا المؤسَّسات الإغاثيَّة، وتصرَّفوا بمسؤوليَّة وقانونيَّة وشفافية في هذا الباب، فاستمِرُّوا في الإغاثة والنصرة ليفرح بكم نبيُّكم فأسبابها ما زالت موجودةً إلى أن يرفع الله الغُمَّة عن الأمَّة، ويُبدِّل حالها إلى أحسن حال. 

اللهم كما آمنَّا بحبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم نره نسألك أن لا تفرِّق بيننا وبينه حتى تُدخلنا مدخله وتوردنا حوضه وتسقينا من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، اللهمَّ فرِّج الهمَّ والكرب عن أهلنا في غزة وفلسطين والسودان وكلِّ مكان، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 21 أغسطس 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

جهاد العصر | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

جهاد العصر | خطبة الجمعة

article title

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

article title

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

جهاد العصر | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة