النهوض: من الأمان إلى الإيجابية والتأثير

قبل سنوات كثيرة خطبت خطبة جمعة وعدة دروس عن بصائر وهدايات ومعان من سورة الضحى ووعدت من طلب مني تفريغ تلك الخطبة إلى مقال أو بحث أو كتيب صغير لإعداد النفس والذهن عند قراءة هذه السورة ولفت النظر والانتباه لتدبر كل تلك التأملات والمعاني..
ومنها معانٍ عن شروط النهوض والانبعاث التي يمكن اقتباسها وفهمها من تلك السورة العظيمة..
فالسورة يمكن أن تُقرأ بوصفها سورة جبرٍ ومواساة، وهذا حق ظاهر، لكن الجبر فيها لا يتوقف عند تسكين الألم؛ إنه يُعيد بناء الإنسان حتى يسترد قدرته على الوقوف والعمل والتأثير.
فالسورة تخاطب قلبًا آلمه انقطاع الوحي، ووجد خصوم الرسالة في ذلك فرصةً ليقولوا: تُرك صاحبكم. وكانت المعركة في ظاهرها حول تأخر الوحي، لكنها في العمق كانت حول المعنى الذي سيعطيه القلب لهذا التأخر: أهو دليل وداع، أم طور من أطوار التربية؟ ومن هنا تبدأ شروط النهوض؛ لأن الإنسان لا ينهض بجسده قبل يفهم مغزى ما حصل له وقبل أن ينهض تفسيره لما جرى له.
وأول شروط الانبعاث هو الأمان؛ فالخائف الذي يتوقع أن يُترك في منتصف الطريق يستهلك طاقته في مراقبة السقوط، ويضيق أفقه حتى لا يرى إلا الخطر القريب. وكذلك المجتمع الذي يسكنه شعور مزمن بالهجر وانعدام السند يتحول إلى مجتمع دفاعي: يخشى المبادرة، ويستهلكه الارتياب، ويبحث عن النجاة الفردية بدل البناء المشترك.
أمَّا السورة فتؤسس في القلب أرضًا ثابتة يقف عليها: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قبل أن تقول له: تحرك، تقول له: لست متروكًا. وقبل أن تطالبه بالتأثير، تعيد إليه ثقته بالمصدر الذي يستمد منه المعنى والقوة.
هذا هو الأمان الروحي:
أن يستقر في القلب أن الرب الذي ربّى عبده في المراحل الماضية لا يتخلى عنه حين يلتبس عليه الحاضر. وقد اختير اسم الرب في مقام الطمأنة؛ لأنَّ الربوبية تعني الرعاية والتدبير والتدرج. وليس معنى ذلك أن المؤمن لن يتألم أو يتعثر، ولا أن الطريق سيخلو من الفقد والتأخر، وإنما معناه أن الألم لا يساوي الهجر، وأن العثرة لا تمنح اليأس حق إصدار الحكم الأخير.
قد تسقط، لكنك لا تسقط خارج عناية الله؛ وقد تضعف، لكن ضعفك ليس هويتك النهائية.. هذه العقيدة لا تلغي الخوف البشري، لكنها تمنعه من أن يصبح قائدًا.
ثم يفتح الوعد باب المستقبل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. فالأمان الذي تصنعه السورة ليس نظرًا إلى الماضي وحده، بل ثقة بأن الطريق لم يستنفد خيره. والآية وعد عظيم للنبي ﷺ لا يجوز تحويله إلى تعهد لكل إنسان بأن تأتيه كل أمنية بالصورة التي رسمها، لكن هدايتها العامة واضحة: لا تجعل ضيق اللحظة مقياسًا لسعة خزائن الله، ولا تجعل تعثر المرحلة إعلانًا عن نهاية المشروع.
النهوض يحتاج ذاكرةً تحفظ شواهد العناية، ووعدًا يفتح نافذة المستقبل؛ حتى لا يُسجن الإنسان بين ألم حاضر وتفسير يائس.
بعد هذا الأمان الروحي والمستقبلي تستدعي السورة ثلاثة مشاهد من السيرة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. ويمكن أن نرى في هذه الثلاثية دوائر متكاملة من الأمان:
أمانًا عاطفيًّا بالإيواء، وأمانًا معرفيًّا بالهداية، وأمانًا ماديًّا بالغنى..
وهي تجتمع مع الأمان الروحي الذي قررته ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾؛ ليست هذه المصطلحات تفسيرًا لغويًّا يحصر الآيات فيها، بل قراءة موضوعية تكشف كيف تعيد السورة بناء أهم الجهات التي يحتاجها الإنسان ليقف على قدميه.
الأمان العاطفي حاضر في قوله: ﴿يَتِيمًا فَآوَى﴾؛ فالإيواء أوسع من توفير سقف؛ إنه حفظ وانتماء واحتضان وشعور بأن للإنسان مكانًا لا يُطرد منه كلما ضعُف. واليتم جرح في السند قبل أن يكون نقصًا في النفقة، ولذلك كان من تمام الجبر أن يهيئ الله لنبيه ﷺ من يحوطه بالرعاية في مراحل نشأته.
والإنسان الذي لا يجد مأوى عاطفيًّا قد يبقى مشغولًا بحماية نفسه حتى وهو بين الناس؛ أما الذي ذاق احتضانًا صادقًا فإنه أقدر على أن يمنح، وعلى أن يدخل ميدان الحياة من غير أن يطلب من كل إنجاز تعويضًا عن حب مفقود.
والأمان المعرفي حاضر في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾؛ على المعنى اللائق بعصمة النبي ﷺ، لم يكن عالمًا بتفاصيل الوحي والشرع والطريق الذي ستقوم به الرسالة، فهداه الله إليه.
والحيرة تستنزف الإنسان كما يستنزفه الخوف؛ لأنه قد يملك الإرادة ولا يعرف الوجهة، أو يملك الحماسة ولا يمتلك الميزان. الهداية تمنحه مرجعيةً تفرّق بين الطريق والتيه، وبين النجاح الحقيقي واللمعان العابر. ومن هنا تكون المعرفة مأوى أيضًا: فالتعليم الذي يجيب عن الأسئلة الكبرى، ويحفظ كرامة السائل، ويبني القدرة على التمييز، شرط من شروط نهوض الفرد والأمة.
والأمان المادي حاضر في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾؛ فالإنسان إذا استبد به الخوف على ضروراته ضاق زمنه بالمطالبة العاجلة، وقد يعجز عن التخطيط أو المشاركة أو حمل أعباء غيره. والغنى هنا لا ينبغي اختزاله في تراكم المال؛ إنه كفاية وقناعة وفتح في الأسباب وصيانة للكرامة.
كما لا يجوز استعمال غنى النفس ذريعةً لتجميل الفقر القاهر أو إعفاء المجتمع من مسؤوليته؛ المجتمع الناهض هو الذي يفتح أبواب الكسب، ويحمي المحتاج من الإذلال، ويجعل الموارد جسورًا إلى القدرة لا أدوات للسيطرة.
وهذه الدوائر الأربع لا تعمل منفصلة؛ فقد يملك الإنسان المال ويعيش مفلسًا من المعنى، وقد يعرف الطريق ولا يجد حضنًا يحفظ قلبه، وقد يُحاط بالعاطفة من غير علم فيهدر طاقته في الوجهة الخطأ.
والبناء القرآني المتوازن لا يختزل الإنسان في بُعد واحد: روح تتصل بالله، وقلب يجد الإيواء، وعقل يهتدي، وحياة تُصان فيها الضرورات. فإذا اجتمعت هذه الجهات نشأت شخصية أقل ارتهانًا للخوف، وأقدر على المبادرة، وأبعد عن تحويل ضعفها القديم إلى ظلم للآخرين.
ثم تأتي الفاء في قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ لتعلن أن الأمان ليس محطة استرخاء، بل منصة انطلاق.. لقد آواك الله؛ فكن مأوى. وهداك؛ فلا تجعل جهل السائل ذريعةً لإهانته. وأغناك؛ فلا تحبس النعمة في ذاتك ولا تنسبها إلى نفسك.
النهوض في منطق السورة ليس صعودًا فرديًّا يترك الضعفاء تحت السلم، بل انتقال من التلقي إلى العطاء، ومن استرداد الكرامة إلى حماية كرامة الآخرين.
وعلى مستوى الفرد تقول السورة للمنكسر: لا تجعل كبوتك تعريفًا نهائيًّا لك. راجع سجل الإيواء والهداية والغنى في حياتك، وحدد موضع النقص الحاضر: أهو في صلتك بالله، أم في احتياجك إلى سند عاطفي، أم في غموض الوجهة، أم في ضعف الوسائل؟
ثم خذ لكل نقص سببه: عبادة تعيد القلب إلى ربه، وصحبة أمينة تعين ولا تستغل، وعلم يبدد الحيرة، وعمل منظم يبني الكفاية. التوكل هنا ليس انتظارًا سلبيًّا للعطاء؛ إنه حركة الواثق بأن ربه لا يتركه وهو يسعى.
وعلى مستوى المجتمع تقدم السورة معيارًا يتجاوز خطابات النهضة المجردة؛ المجتمع لا ينهض إذا ترك أبناءه فريسةً للخوف الروحي، أو حرم أطفاله من الأمان العاطفي، أو جعل المعرفة امتيازًا لفئة، أو أذل الناس في طلب الضرورات.
لذلك يحتاج النهوض إلى مؤسسات تصنع الانتماء والمعنى، وإلى أسر ومدارس تحسن الإيواء، وإلى تعليم يهب الاتجاه والقدرة النقدية، وإلى اقتصاد يحفظ الكرامة ويفتح فرص المشاركة. وحين تُبنى هذه الشروط لا يعود الإنسان عبئًا ينتظر الإعانة، بل طاقةً قادرة على حمل نصيبها من المسؤولية.
غير أن السورة لا تعِد بأمان زائف يُعفي من الابتلاء؛ فالليل باقٍ إلى جوار الضحى، وتأخر الوحي وقع بالفعل، واليتم والعيلة حقائق لم تُمح من السيرة؛ الأمان الإيماني ليس أن تضمن ألا تهتز الأرض، بل أن تعرف أين تضع قدمك حين تهتز؛ وليس أن تُغلق أبواب الخطر كلها، بل ألا تسمح للخطر أن يقطع صلتك بالله أو يعطِّل رسالتك.
لهذا يجتمع في السورة السكون والحركة: سكون القلب إلى رعاية الله، وحركة الجوارح في نصرة اليتيم وإجابة السائل وإظهار أثر النعمة.
إنسان الضحى إذن ليس إنسانًا لم يعرف الليل، بل إنسانًا عبره من غير أن يمنحه حق تعريف ربه أو تعريف نفسه.
هو آمن بربه، آمنٌ في وجدانه، مهديّ في وجهته، مصون الكرامة في حاجته؛ ثم لا يحتكر هذا الأمان، بل يصير هو نفسه مصدر أمان لمن حوله.
هنا يكتمل معنى الانبعاث:
أن ينهض المرء من ضعفه، لا ليعلن انتصاره الشخصي، وإنما ليشارك بإيجابية في ميدان الحياة؛ وأن تنهض الأمة، لا بضجيج الشعارات، بل ببناء إنسان يأمن عنده اليتيم، ويُحترم لديه السائل، وتتحول النعمة في يده إلى رسالة.
خلاصة هذه الخاطرة التدبرية:
تبدأ نهضة الإنسان حين يأمن بربه، ويجد الإيواء والهداية والكفاية؛ وتكتمل حين يحوّل هذا الأمان إلى رحمة ومعرفة وعطاء في حياة الآخرين.
والله أعلم
✍🏻/ ياسين اليافعي.. من رحاب مكة المكرمة
الشيخ ياسين بن ثابت اليافعي