أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي

إن تحديد دلالات المصطلحات والتمييز بينها مفيد جدا على المستويين النظري والعملي، فللمصطلحات معنى في ذاتها، ومعنى عرفيًّا في خارجها، قد يتَّفق مع دلالتها الذاتيَّة أو يختلف، وهذا الاتفاق أو الاختلاف قد يكون مقبولًا أو مردودًا بحسب نتائجه ومآلاته العلمية والعملية.
ومن هذه المصطلحات مصطلحًا المذهبية والطائفية؛ فكثير ما يحصل التداخل والالتباس بينهما، والجهل في الفروقات المميزة لكليهما، لنجني من كلِّ ذلك تشوشًا معرفيًّا وارتباكًا عمليًّا خطيرًا، تسيل بسببه الدماء وتنتهك الحرمات، خصوصًا في أوقات الأزمات، وفي البلدان التي فيها مكونات مذهبية دينية، ويكون التعاقد على السلم الأهلي بينها ضعيف على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع.
والمذهب في اللغة: هو الطريق والسبيل والمسلك.
وفي الاصطلاح: هو الطريقة والمسلك الفكري والديني لجماعة دينية ما.
فها هنا ارتباط وتطابق كبير بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، فمذهب القوم هو طريقتهم وسبيلهم ومسلكهم الفكري والعقدي والفقهي الذي ارتضوه لأنفسهم، فنقول: مذهب أهل السنة ومذهب الشيعة ومذهب المعتزلة، أو مذهب الحنفية والمالكية أو مذهب الزيدية والإمامية وهكذا.
وأما المعنى العرفي للمذهبية فموافق تقريبًا للمعنى الاصطلاحي وهو ما سنتحدث عنه هنا.
والطائفية لغة تتمحور حول معان ثلاث:
الحركة الدائرية والجزء من كل شيء والجماعة من الناس.
والطائفية في الاصطلاح: هي الانتماء لطائفة أو جماعة أو ملة معينة دينية أو اجتماعية بحيث يشكل هذا الانتماء هوية لصاحبه.
ولكن لا تكون الطائفية عرقية، لأنه من الممكن أن يجتمع عدد من القوميات والعرقيات في طائفة واحدة، مع تعدد لغاتهم أو أوطانهم أو أنسابهم.
ويرتبط المعنى الاصطلاحي هنا بشدة مع المعنى اللغوي الثاني، وهو أن الطائفة جزء من المجتمع وقطعة منه ومع المعنى اللغوي الثالث، وهو أن الطائفة هي جماعة من الناس والمجتمع.
واما المعنى العرفي للطائفية فهي: عملية الإلغاء والإقصاء والاضطهاد السياسي والديني والمجتمعي للآخر.
وهذا المعنى العرفي هو ما سنركز عليه هنا.
وانطلاقًا من هذه التعريفات اللغوية والاصطلاحية والعرفية المقتضبة لكلا المصطلحين، نود الذهاب سريعا إلى التمييز بينهما، من خلال تسجيل جملة من الفروق المهمة، نعتقد أنه مع إدراكها ستتفكك الكثير من العقد، ويزول الكثير من اللبس والارتباك في تحديد دلالات المصطلحين، ويكون لها أثرها البالغ والدائم في السلم الأهلي.
ومن أبرز هذه الفروق وأثرها في السلم الأهلي:
1_ إن المذهبية من طبيعة وفطرة خلق الله سبحانه للبشر كما قال: {ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم}، فلم يشأ الله أن تكون العقول والأفهام والتوجهات واحدة لبني آدم، حتى من أبناء الدين الواحد، فالمعارض لهذه الطبيعة معارض لفطرة الله التي خلق الناس عليها.
2_ المذهبية مفهوم ممدوح ومقبول؛ لأنها اعتراف بالحق الإنساني الطبيعي في اعتناق ما يشاء من مذاهب وأفكار وتوجهات، بينما الطائفية مفهوم مذموم ومرفوض إذا اقترنت بعملية الإلغاء والإقصاء والاضطهاد للآخر، ومن الواجب تقبيحه على المستوى الديني والسياسي والإعلامي والتعليمي والمجتمعي.
3_ إن المذهبية ظاهرة تدل على التنوع المجتمعي، بغض النظر عن صواب هذا المذهب او ذاك، بينما الطائفية تدل على التأزم المجتمعي، والصراع الخفي والمعلن على الاستئثار بحق الحياة والوجود والحكم والتأثير لطرف على حساب الطرف الآخر.
4_ إن المذهبية مفهوم لا يهدد هوية الآخر في العادة؛ لأنه يقر بحق مذهبية الآخر أساسا، بينما الطائفية تهدد الآخر، وتستنفره على طول الخط استنفارًا قد يتفجر على شكل حمامات دم تهدِّد السلم الأهلي وتضربه في مقتل.
5_ إن المذهبية عادة تطرح نفسها كتوجه فكري له أدلته العلمية المنطقية التي قد يقبلها الآخر أو يرفضها؛ فأداتها هو الحجاج العلمي والحوار بالتي هي أحسن، بينما الطائفية تطرح نفسها كتوجه له الحق الوحيد في امتلاك الحقيقة، دون حتى عرض أدلته علمية او منطقية، فأداتها الاحتقان النفسي وعقلية الإلغاء واستعمال العنف في فرض التوجه على الآخر.
6_ إن المذهبية تساهم في تعميق المشتركات وترسيخ التوافقات، وإمكان التعاقد على الأصول والكليات الدينية والوطنية والسياسية والمجتمعية، وما يمثلها من منظومات القيم الكبرى ومقاصد الشريعة وضروريات المجتمعات والدول والأمم والحضارات، بينما الطائفية تساهم في تعميق التناقضات وترسيخ الخلافات، واستحالة التعاقد على القيم والأصول الدينية والوطنية والسياسية والمجتمعية، وتضرب منظومة القيم الكبرى ومقاصد الشريعة وضروريات المجتمعات والدول والأمم والحضارات.
إن حفظ الأديان والأنفس والعقول والأعراض والأموال مما تتفق عليه المذاهب كلها في الأصول والكليات مع اختلافها ربما في الفروع والجزئيات.
ولنا في وثيقة التعاقد النبوية في المدينة بين المسلمين، وبين المسلمين وأهل الكتاب من يهود، عبرة ودرس بليغ في بناء المجتمعات على أصول كبرى مع الاحتفاظ بالخصوصيات لكل الأطراف المتعاقدة.
7_ إن المذهبية في الغالب تفرض خطوطًا حمراء في الغالب في التعامل مع الآخر؛ فهي أكثر عقلانية وأوسع نظرًا وأرحب فكرًا من الطائفية، فلها ثوابت ومحرمات تجعلها أكثر انضباطًا، بينما الطائفية تفرض اختراقًا للخطوط الحمراء في التعامل مع الآخر، فهي أكثر طيشًا وأقصر نظرًا وأضيق فكرًا وأكثر جرأة على استباحة الآخر، بعد تمييعها لكلِّ الثوابت والمحرمات الدينية والوطنية والسياسية والمجتمعية.
8_ إن المذهبية تتيح لأفراد المجتمع أن يأخذوا فرصهم بحسب الكفاءة، وبذلك ينمو الفرد والمجتمع والدولة والأمة معا في حركة تصاعدية نحو القمة الحضارية، بينما الطائفية تحتكر الفرص، وتعطيها لأهل الولاء والثقة والانتماء بدل أهل الكفاءة، لتنتكس الافراد والمجتمع والدولة والأمة معا في حركة تنازلية نحو القاع الحضاري.
9_ إن المذهبية لا تمثل مشكلة للمجتمع على مستوى الذات والهوية، والمجتمع يعيش في ظلالها في سكينة وهدوء تتيحان له النمو الطبيعي، بينما الطائفية تمثل مشكلة للمجتمع، فهو يعيش في ظلالها في نفسية الأزمة والتحفز والاحتقان الدائم، تمنح النمو الطبيعي ليكون البديل هو النمو المشوه والمؤذي للجميع.
10_ إن المذهبية لا تساهم في تصدع المجتمع أمام العدو الداخلي والخارجي، ولا تسمح له باستثمار الخلاف المذهبي لتبرير قتل أو احتلال أو حصار أو نفي او اعتقال أو أي أذى ينال الوطن والأمة، بينما الطائفية تجيز لنفسها كل هذه الكبائر، وتسمح باختراق العدو الداخلي والخارجي ليخسر الجميع في النهاية، وإن ظن الطائفيون انهم حصلوا على مكاسب هي في الحقيقة مكاسب مخزية ومؤقتة في الوقت نفسه.
تلك عشرة كاملة من الفروقات الرئيسة التي تتفرع عنها فروقات شتَّى لا تسمح الورقة بسردها، ومن معرفة هذا التمييز بين الفروقات وأثرها على السلم الأهلي، نستطيع أن نوصي بعشرة كاملة أخرى من التوصيَّات الضروريَّة في هذا المقام من أجل تعميق التمييز بين الفروقات ومن أجل بناء وحفظ السلم الأهلي:
1_ الإقرار بالمذهبية واستنكار الطائفية.
2_ تعميق الاعتراف بالآخر ورفض إقصاءه مهما كانت المبررات.
3_ ترسيخ فكرة التنوع المجتمعي على حساب التفرد المجتمعي.
4_ نزع فتيل الاحتقان والاستنفار من خلال شيوع فكر المذهبية لا الطائفية.
5_ قبول التبشير والحوار العلمي الهادئ ورفض عقلية الإلغاء والتهويش الفكري.
6_ تعميق المشتركات والتعاقد على الأصول الدينية والوطنية والسياسية والمجتمعية.
7_ تقديس الخطوط الحمراء وإشاعة ثقافة المحرمات في التعامل بين المذاهب كافة.
8_ التوزيع العادل للفرص ونبذ الاحتكار الطائفي لها.
9_ طمأنة الجميع على ذاتهم وهويتهم المذهبية وتجريم أي تهديد يتعرض له أحد بسببها.
10_ التماسك المجتمعي قوة في وجه العدو الداخلي والخارجي، وحصانة من التصدع والاختراق.
- الكلمات الدلالية
- المذهبية
- الطائفية
- السلم
- السلام
- السلم العالمي
- التمييز
- فروق لغوية
- الاصطلاح
- الشيعة
- السنة
- مذاهب
دكتور سعد الكبيسي