path

اختيارات خاصة لا أحكام عامة

article title

كثيرًا ما تشدنا قصص السابقين من الصحابة والتابعين والسلف الصالح والخلف المبارك وحتى بعض المعاصرين، والتي تتحدث عن أحوالهم وعباداتهم واختياراتهم في العمل الصالح بأنواعه، وغير ذلك ممَّا يُبهر ويعجب السامع والقارئ، ويُقدِّره ويُؤثِّر فيه ويستشعر النقص والتقصير الصادر منه.

لكن ما ينبغي أن ننتبه له أنَّ كلَّ هذه النقولات هي اختياراتٌ خاصَّة مشروعة، لكنَّها ليست منهاجًا لعموم الأمة، ولا معيارًا وحيدًا يُقاس بها صلاح أفرادها وعلوِّ منزلتهم وجودة إيمانهم وعبادتهم، ونعني هنا بالاختيارات الخاصَّة: ما يختاره فردٌ من المسلمين ويلتزم به من عبادةٍ مندوبة قوليَّة أو فعليَّة، أو أيِّ عملٍ صالحٍ تطوعيٍّ بعينه؛ كصلاةٍ أو صيامٍ أو إنفاق، من حيث الكمِّ أو النوع، دون وجود نصٍّ يُلزِم بقيَّة المسلمين بما اختاره هذا الفرد من هذه العبادات التطوُّعيَّة.

فمثلًا: سأل عمر حذيفة رضي الله عنهما -وقد كان حذيفة يعرف أسماء المنافقين- هل أنا منهم؟ وذلك لشدَّة خوف عمر وورعه، ولم يُنقَل أنَّ بقيَّة الصحابة سألوا حذيفة كما سأل عمر؛ إنَّما هو اختيارٌ خاصٌّ لعمر، لا منهاجًا أو فضيلةً للأمَّة جميعًا في تشريع فضيلة السؤال.

ومن ذلك إلزام عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما نفسه أن يختم في ثلاث، مع العلم أنَّ رسول الله ﷺ أرشده لأيسر من ذلك بكثير.

وقال النبيُّ ﷺ: "لا يفقه القرآن من قرأه في أقلَّ من ثلاث"، لكن ما نُقِل عن بعض السَّلف والخلف وحتى المعاصرين أنَّهم يختمون في رمضان كلَّ يومٍ ختمة؛ فهو اختيارٌ خاصٌّ لا حكمٌ عام، فهم ربَّما يفقهونه في أقلَّ من ثلاث.

وكذلك إنفاق أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما لمالهما كلِّه، في حين قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "الثُّلُث والثُّلُث كثير؛ إنَّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس".

فإنفاق أبي بكر وابن عوف رضي الله عنهما اختياراتٌ إيمانيَّةٌ خاصَّة، ولم تُفرَض على الأمَّة جميعًا أن يُنفقوا كلَّ ما عندهم.

ومن ذلك ما رُوِي أنَّ عمر رضي الله عنه سقط عن فرسه ومرض حين سمع القارئ يقرأ: "إنَّ عذاب ربِّك لواقع، ماله من دافع"، ولم يحصل ذلك لبقيَّة الصحابة، ولا أُمروا شرعًا بذلك، ولعلَّ سيدنا عمر كان في حالةٍ إيمانيَّةٍ في لحظةٍ خاصَّةٍ اقتضى منه هذا التفاعل، مع أنَّ عدم الحصول لبقيَّة الصحابة لا يدلُّ على ضعف الإيمان، وكذلك لم يأمرنا الله ورسوله أن نقع ونمرض إذا سمعنا الآية، بل كان حالًا لعمر رضي الله عنه خاصَّة.

ومن ذلك ما نُقل عن زُفَرِ بْنِ الهُذَيْلِ وهو من أكابر علماء الأمَّة أنَّه حفظ القرآن في آخر سنتين من حياته، فرآه في المنام أحد أصحابه فأخبره زفر فقال له: "لولا السنتين لهلكت"، ومن المعروف أنَّ حفظ القرآن من النوافل لا الفرائض، ومن لم يحفظ القرآن لا يهلك، والرؤى لا تُبنَى عليها الأحكام كما هو معلوم.

وهنا قد نجد العكس أنَّ بعض الصحابة ربَّما ندموا على اختيارٍ خاصٍّ بهم؛ فعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَا عِشْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ» قَالَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي».

قال النووي: معناه أنَّه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووظفه على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشقَّ عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنَّى أن لو قبل الرُّخصة فأخذ بالأخف.

وقد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة في هذا فقال: "أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ".

وبعد كلِّ هذا قد يبرز هنا سؤالٌ: هل يمكن لأحدنا تقليد واحدٍ من هؤلاء السَّلف الذين ذكرناهم في التزام عبادةٍ أو عملٍ صالح، وهل نؤجر على ذلك؟

والجواب:

نعم لكلِّ واحدٍ أن يختار لنفسه ما يُحبُّ ويشعر أنَّه بحاجةٍ إليه للقرب من ربِّه، كما فعل عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ويؤجر على ذلك، لكن لا يُلزِم عموم الأمَّة بذلك، ولا يجعل اختياره لنفسه معيارًا لعبادة غيره؛ فالمعيار هو الشرع، واختيار المرء لنفسه غير اختيار الشرع لعموم الأمَّة، وقد يختار غيرك بابًا من الخير غير الذي اخترته، أو كان يُركِّز على النوع أكثر من الكم.

الخلاصة:

إنَّ الأحوال الإيمانيَّة والقلبيَّة الخاصَّة والاختيارات العباديَّة نوعًا وكمًّا، ليست منهاجًا لعموم الأمَّة، ولا أمر الله بها الجميع؛ بل هي اختيار المسلم لنفسه، وأحوالٌ يرزقها العبد على الخصوص دون أن تكون معيارًا للجميع، وإهمال الفهم في هذا يجعل المسلم يضع لنفسه ولغيره معايير لم يشرعها الله بهذه الكيفيَّة، وتؤثِّر نفسيًّا حتى على جودة إيمانه وعبادته؛ لأنَّه عند ذاك سيبقى يشعر بتأنيب الضمير وجلد الذات أنَّه لم يرقَ لمقام هؤلاء، ولم تتحقَّق تلك المعايير العالية فيما يؤدِّيه، بينما هي معاييرٌ خاصَّةٌ لا عامَّة!

ولهذا كلِّه، كان على من يسَّر الله له وعظ الناس أن ينتبه لهذا، وأن يعرف أنَّ هذه القصص والروايات تُحكَى لأجل التحفيز والتنشيط للعبادة والعمل الصالح، وليس لأجل الإلزام والإيجاب، وعدها معيارًا وحيدًا لصلاح الفرد وعلوِّ منزلته عند الله.

✍️ د. سعد الكبيسي

دكتور سعد الكبيسي دكتور سعد الكبيسي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي

feather دكتور سعد الكبيسي

من يمنعك مني؟

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي

article title

احذر يا ابني الغالي

article title

احذري يا ابنتي الغالية

banner title

مقالات مرتبطة

دكتور سعد الكبيسي

أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي

د. يونس محمد صالح الزلاوي

من يمنعك مني؟

الشيخ طه عامر

التربية الراشدة في الغرب.. هل ممكنة؟