ثقافة الرحمة في زمن القسوة

إننا نعيش في زمن كثرت فيه مشاهد الألم، وتتابعت فيه صور الحروب والقتل والتهجير، وأصبح الإنسان يرى في يوم واحد من المآسي ما كان الناس في أزمنة سابقة لا يرونه في أعمارهم.
نرى طفلًا فقد بيته، وأمًا فقدت أبناءها، وأسرة هجّرت من أرضها، وإنسانًا يبحث عن مأمن، ومريضًا ينتظر دواء، وجائعًا ينتظر لقمة، ولكن ثمة سؤال أخطر من سؤال: لماذا تكثر القسوة في العالم؟
السؤال هو: هل تستطيع هذه القسوة أن تدخل إلى قلوبنا نحن؟ هل يمكن أن نرى الألم كثيرًا حتى يصبح مألوفًا؟ هل يمكن أن نسمع أخبار الموت حتى لا تعود تهزنا؟ هل يمكن أن يتحول الإنسان في أعيننا إلى رقم، والطفل إلى صورة، والدم إلى خبر عابر؟ هنا تأتي رسالة الإسلام العظيمة :لا تسمحوا لقسوة العالم أن تصنع قسوة في قلوبكم، فالله سبحانه وتعالى عرّف نفسه لعباده بأعظم صفات الرحمة: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وجعل الرحمة أصلًا من أصول الرسالة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ سورة الأنبياء: 107]. تأملوا التعبير القرآني، لم يقل: رحمة للمسلمين فقط، وإنما قال: ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ فالنبي ﷺ جاء ليعلّم الإنسان كيف يكون إنسانًا قبل أن يكون أي شيء آخر، قال ﷺ: (مَن لا يَرحم لا يُرحم). روه البخاري ومسلم، وقال ﷺ:(الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أحمد والترمذي وقال عنه حسن صحيح.
الرحمة ليست كلمة تقال في الخطب، وليست شعورًا عابرًا عندما نرى مشهدًا مؤلمًا؛ الرحمة ثقافة، والثقافة تعني أن تتحول الرحمة إلى طريقة تفكير، وطريقة كلام، وطريقة تعامل، وطريقة تربية، وطريقة اختلاف.
الرحمة تبدأ من البيت قد يتحدث الإنسان عن مآسي العالم، ويتألم لما يحدث في أماكن بعيدة، لكنه يقسو على أقرب الناس إليه، يقسو الأب على ابنه، أو تقسو الأم على ابنتها، أو يقسو الزوج على زوجته، أو يقطع الأخ أخاه بسبب خلاف، والنبي ﷺ كان رحيمًا بأهله وأطفاله؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهِدَ في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيءٌ قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهَكَ شيءٌ من محارم الله تعالى، فينتقمَ لله تعالى) رواه مسلم.، وكان ﷺ يقبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فرآه رجل فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا.فقال له النبي ﷺ:(أوَأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)متفق عليه كأن النبي ﷺ يقول له: المشكلة ليست في طريقة تعاملك فقط، وإنما المشكلة أن الرحمة نزعت من قلبك.
الرحمة في التربية؛ أيها الآباء والأمهات، وأيها المربون والمعلمون: ليس كل خطأ يحتاج إلى غضب، وليس كل تقصير يحتاج إلى إهانة، وليس كل مخالفة تحتاج إلى كسر النفس،التربية ليست أن تجعل الطفل يخاف منك، وإنما أن تساعده على أن يصبح إنسانًا صالحًا يعرف الصواب ويستطيع أن يعود إليه إذا أخطأ، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾[ آل عمران: 159] والآية تخبرنا بحقيقة عظيمة قد يكون الحق معك، ولكن طريقة تقديمك للحق تنفّر الناس منه، قد تكون أبًا محقًا، أو معلمًا محقًا، أو مديرًا محقًا، أو داعية محقًا؛ لكن إذا غابت الرحمة من أسلوبك، فقد تخسر الإنسان وأنت تظن أنك تصلحه.
الرحمة لا تعني الضعف وقد يظن بعض الناس أن الرحمة تعني أن نتنازل عن الحق، أو أن نترك الخطأ بلا معالجة، أو أن نفتح الباب للفوضى، ليس الأمر كذلك؛ الرحمة لا تلغي العدل، والعدل لا يلغي الرحمة، كان النبي ﷺ رحيمًا، وكان عادلًا، وكان رفيقًا، وكان حازمًا، وكان يعفو، وكان يقيم حدود الله، فالرحمة ليست أن تقول: للناس دائمًا نعم بل الرحمة أحيانًا أن تقول: لا الرحمة أن تمنع الضرر، الرحمة أن توقف الظلم، الرحمة أن تحمي الضعيف، الرحمة أن تمنع المعتدي من الاستمرار في اعتدائه.
الرحمة حتى مع المخالف؛ ومن أعظم ما نحتاج إليه اليوم أن نتعلم الرحمة في الاختلاف، نختلف في الرأي، فنخسر الأخ، نختلف في قضية، فنشتم بعضنا، نختلف في اجتهاد، فنحوّل المخالف إلى عدو، وقد أصبح بعض الناس لا يستطيع أن يرى خيرًا فيمن يختلف معه، أما الإسلام فقد علّمنا أن الاختلاف لا يسقط الإنسانية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[ المائدة: 8] تأملوا حتى مع من نكره، لا يجوز أن نترك العدل.فإذا كان الإسلام يطلب منا العدل مع من نختلف معه، فكيف بمن نعيش معه في بيت واحد؟ وكيف بمن يصلي معنا في المسجد؟ وكيف بمن هو جارنا أو زميلنا أو أخونا؟
الرحمة في زمن الحروب أيها المؤمنون؛ حين نرى الحروب والمجازر والتهجير، لا ينبغي أن تتحول مشاعرنا إلى كراهية عمياء. نحن نرفض الظلم؛ لأن الإسلام يرفض الظلم. وننصر المظلوم؛ لأن الإسلام يأمر بنصرة المظلوم. ونحزن على الطفل المقتول، والأم الثكلى، والمهجّر، والجائع. لكنَّنا لا نسمح للظلم الذي نراه أن يحولنا إلى ظالمين.
نحن أتباع دين يقول: العدل أولًا، والرحمة خلقًا، والإنسانية مبدأ، ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ولهذا فإن المؤمن عندما يرى القسوة لا يزداد قسوة، بل يزداد رحمة، وعندما يرى الظلم لا يصبح ظالمًا، بل يصبح أكثر تمسكًا بالعدل. وعندما يرى الكراهية لا ينشر الكراهية، بل يحمل رسالة الرحمة.
الرحمة ليست شعورًا فقط؛ قد يقول الإنسان: أنا رحيم، ثم لا يفعل شيئًا، ولكن الرحمة في الإسلام لها أثر، الرحمة أن تطعم جائعًا، أن تساعد محتاجًا، أن تمسح دمعة طفل، أن تقف مع أسرة منكوبة، أن تتفقد جارًا، أن تعفو عندما تستطيع، أن تستر خطأ من لا يستحق الفضيحة، أن تعطي فرصة لمن أخطأ ليصلح، أن تقول كلمة طيبة لمن كاد اليأس أن يهلكه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبَطْأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
.ربما لا نستطيع أن نوقف حربًا في العالم، ولكن نستطيع أن نوقف قسوة في بيتنا، ربما لا نستطيع أن نطعم ملايين الجائعين، ولكن نستطيع أن نطعم جائعًا واحدًا، ربما لا نستطيع أن نغير العالم كله، ولكن نستطيع أن نغير الطريقة التي نتعامل بها مع من حولنا.
وهنا تبدأ الرحمة، ابدأ بمن حولك؛ ابدأ بأهلك، ابدأ بأولادك، ابدأ بجارك ابدأ بزميلك، ابدأ بالضعيف الذي لا يستطيع أن يرد لك الجميل، فإن الرحمة التي لا تجد طريقها إلى أقرب الناس إليك تحتاج إلى مراجعة.
إن العالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من المعلومات، ولا إلى مزيد من الشعارات، وإنما يحتاج إلى قلوب تعرف الرحمة، وعقول تعرف العدل، وأيدٍ تعمل الخير، فلا تجعلوا قسوة الزمن تسرق الرحمة من قلوبكم، كونوا رحماء؛ فإن الرحمة قوة، وليست ضعفًا، كونوا رحماء في بيوتكم، وفي مدارسكم، وفي أعمالكم، وفي اختلافاتكم، وفي حديثكم عن ومع الآخرين.
واعلموا أن القلب الذي يرحم عباد الله جدير بأن تناله رحمة الله، إن أعظم ما نخشى عليه في زمن القسوة ليس فقط أجساد الناس من الحروب، ولا أموالهم من الفقر، وإنما قلوبنا نحن من أن تفقد قدرتها على الرحمة.
فاحفظوا قلوبكم، إذا رأيتم مصيبة، فادعوا، إذا رأيتم مظلومًا، فانصروه بما تستطيعون، إذا رأيتم محتاجًا، فأعينوه، إذا أخطأ أحد في حقكم، فاذكروا أنكم تحتاجون إلى عفو الله كما يحتاج الناس إلى عفوكم، وإذا اختلفتم مع أحد، فلا تجعلوا الاختلاف سببًا لإسقاط إنسانيته، وتذكروا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾[ البقرة: 83] ليس للمسلمين فقط، وإنما:﴿لِلنَّاسِ﴾.
اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمة، ونفوسًا طيبة، وألسنة صادقة.
بقلم د. يونس صالح
د. يونس محمد صالح الزلاوي