path

ماذا قدم الإمام القرضاوي لمسلمي الغرب؟

article title

ماذا قدم الإمام القرضاوي لمسلمي الغرب؟

كلمة في ذكرى وفاة الإمام يوسف القرضاوي 

رحمه الله تعالى وأعلى درجاته في جنات النعيم

رحل إمام الدنيا وشيخ الإسلام ومجدد الدين وداعية الخير والحق الإمام القرضاوي –رحمه الله تعالى ونوَّر ضريحه- والأمة أحوج ما تكون إليه، وإن أثر فَقْدنا له ووجْدَنا عليه -في الغرب- أكثر من العالم الإسلامي.

في أواخر عمره المبارك تمكن منه المرض وقلَّ ظهوره الإعلامي غير أنَّ وجوده بيننا حيًّا كان ظهيراً وسنداً، وقوةً روحيةً كنا نشعر بها.

 استحق الإمامة للأمة كلها باقتدار، ومَلَك قلوب المسلمين بعطائه الواسع، وفقهه الراسخ، وحركته الدائبة، وروحه المتوثبة، وهمته العالية، وعلمه الموسوعي، وصرخاته المدوية لنصرة الحق ومساندة المظلومين، ووقوفه سَدًّا منيعاً وحصناً مكيناً أمام انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وصخرة صلبة تتحطم عليه موجات التغريب والتذويب لهوية الأمة وثوابتها.

    لمَّا فقدتِ الأمة الشيخ الإمام الشعراوي رحمه الله والشيخ الإمام محمد الغزالي وغيرهما من الجهابذة كنا نعزي أنفسنا بوجود إمامنا القرضاوي الذي كان أمةً في رجل ورجلاً في أمة -بتعبير أستاذنا د. عصام البشير حفظه الله ومدَّ في عمره- فلما مات الشيخ القرضاوي أصيبت الأمة بصدمة عنيفة، فمن يَسدُّ مَسدَّه، ومن يقوم مقامه، عالماً ربانياً، وفقيهاً راسخاً، ومربياً قديراً، وداعيةً مسدداً، ومصلحاً حكيماً، وخطيباً ثائراً، وشاعراً حُراً، وقائداً ماهراً؟

وقفتُ على قبر إمامنا رحمه الله وغفر له، فوجدتُ أن حروف اللغة كلها لا تفي بما أشعر به، وما أطلتُ الوقوف على قبر مثلما أطلت عنده..

وإنني لأتمثل قول المتنبي:

ما كنتُ أحسبُ قبل دفنك في الثرى

أنَّ الكواكبَ في التراب تغورُ

ما كنتُ آمل قبل نعشك أنْ أرى

رضوى على أيدي الرجال تسيرُ

والشمس في كبد السماء مريضة

والأرض واجفة تكاد تمورُ

حتى أتوا جَدَثًا كأنَّ ضريحه

في قلب كل مُوحد محفورُ

حينما استقر المقام بي في أوروبا في مجتمع وبيئة ذات خصوصية تختلف اختلافًا واضحاً بينها وبين المجتمعات المسلمة في مشكلاتها وقضاياها ونوازلها، وتحتاج فقهًا ومعالجةً تراعي خصوصية الواقع الجديد، كان الملجأ لنا هو فتاوي وفقه شيخنا القرضاوي -رحمه الله تعالى- وإنتاج المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي أَسَّسه وترأسه 20 عاماً، وهو بَعدُ في مقدمة الفقهاء الذين اعتنوا بفقه الأقليات أو فقه الحضور الإسلامي في الغرب، لذلك فقد شعرنا باليتم حين سماعنا نبأ وفاته، فإننا لم نفقد عالم الأمة وشيخها فقط، بل فقدنا أباً رحيمًا، وإمامًا متبوعًا، ووليًّا لله تعالى.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  

  

يا إمامنا، نم قرير العين في قبرك، فقد آن للفارس أن يترجل، وللمسافر أن يعود، وقد تركتَ ثمرة جهاد تسعين عامًا ملأتَ الدنيا وشغلتَ الناس، وأبقيْتَ أثرًا لن يزول بحول الله تعالى، وخلَّفتَ علماء وفقهاء ودعاة ومصلحين يواصلون المسير ويقطعون كل وادٍ وروحك تحفهم، وصوتك الصدَّاح يتردد صداه في آذانهم فيستلهمون منه القوة ليوقظوا النائمين ويحركوا الساكنين ويقضوا مضاجع الظالمين ويردوا كيد الماكرين. 

رحمة الله الواسعة تغشى شيخنا وإمامنا يوسف القرضاوي، نوَّر الله ضريحه وقدَّس روحه ورفع مقامه في عليين، وعوَّض الأمة والإنسانية عنه خيرًا، وبارك في أثره وتلاميذه ومحبيه.

والحمد لله أولًا وآخرًا

فرانكفورت / ألمانيا / 13 نوفمبر 2023

ماذا قدَّم الإمام القرضاوي –رحمه الله تعالى- لمسلمي الغرب؟

حاولتُ مراراً أن أخطَّ كلمات عن إمامنا العلامة القرضاوي رحمه الله تعالى غير أن تَهيبي يُلجم القلم، وقلت : لقد سالت مداد أقلام العلماء والدعاة حول العالم حتى امتلأ الوادي بعشرات الكتب والبحوث والدراسات ومئات المقالات عن إمام الأمة، فما عساى أنْ أضيف؟ حتى طلب مني شيخنا الدكتور عبد السلام بسيوني - حفظه الله تعالى - أن أكتب في وداع الإمام شيئاً وقد أحسن بي الظن، فقلت : أجعلها قربةً إلى الله تعالى وأداءَ بعض الحق لشيخ الأمة، ثم إنني واحد من ملايين المسلمين حول العالم ممن تتلمذوا على كتبه وفكره وفتاواه ومحاضراته.

 أذكر أنني كنت أقرأ لشيخنا محمد الغزالي - رحمه الله - فقال لي أحد أساتذتي لماذا تقتصر على الشيخ الغزالي هلاَّ قرأت أيضًا للشيخ القرضاوي؟ ومن يومئذ بدأت أقتني كتبه وأنتفع بها فوجدت فيها بغيتي ونشدت في أفيائها ضالتي، وقد شرفني الله تعالى برؤيته والجلوس إليه، والإفادة من علمه الواسع وأدبه الرفيع وخلقه العظيم وتواضعه الجم.

كان إمامنا المجدد محترقاً بهموم المسلمين حول العالم حاملاً قضاياهم في قلبه، واضعاً إياها نُصب عينيه داعياً إلى نصرتهم ودعمهم والذود عنهم وحشد التأييد لهم والحض على دعمهم دون كلل أو ملل، وحينما عاد من زيارته لأمريكا بعد مؤتمر كلورادو حينما دعوا إلى رصد ألف مليون دولار لتنصير المسلمين، عاد صارخاً في قومه داعياً إلى أن يبذل المسلمون من أموالهم لحفظ دين المسلمين تحت شعار: (ادفع دولاراً تنقذ مسلماً)، وواصل جهده وجهاده حتى أثمر عن تأسيس الهيئة الخيرية العالمية التي أضحت بعد حين من المؤسسات الكبرى التي لها أعمال خيرية في مناطق كثيرة من العالم.

لقد كان الشيخ الإمام يشعر بأنه مسؤول عن الأمة كلها، فكلما سمع هيعة طار إليها مستهيناً بمتاعب الجسد وضيق الأوقات وتزاحم الأعمال، وصدق أبو الطيب :

وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَاراً 

‌تَعِبَتْ ‌فِي ‌مُرَادِهَا ‌الأَجْسَامُ( )

إنَّ كثيراً من الناس يُحسن لعن الظلام والبكاء على الماضي التليد والأسى على حرمان الناس من نور الإسلام وهديه وتعاليمه المنقذة، وإسعاد البشرية بشمائله، لكنَّ القليل منهم من يُترجم هذا الهم وتلك الحرقة إلى عمل واقعي عملي يُحَول الآمال إلى حقائق يراها الناس وينعمون بها تحت ظلالها الوارفة، وقد تجلى ذلك في مشروعات كثيرة، منها على سبيل المثال، (إسلام أون لاين) الذي انطلق في نهاية الألفية الثانية مُستَقبِلاً الألفية الثالثة، وظل لسنوات عديدة موئلاً للناس حول العالم يتزودون منه العلم والفقه والفكر والدعوة والفتوى.

لقد علَّمنا الإمام القرضاوي –عليه شآبيب الرحمة والرضوان- أن نُتبع القول بالعمل، وأن نُحول الأحلام إلى حقائق، ولا ننفق أعمارنا في ليت ولعل.

الإمام القرضاوي على خطى الأئمة الكبار

شهد القرن الماضي حركة تجديدية شاملة في ميادين الدعوة والتربية والتوجيه وكافة مجالات الحياة في الأمة، وكان الباعث عليها الخروج من حالة التحجر والجمود الفكري والفقهي والروحي التي عانتها الأمة طويلاً، ورأينا روح الأئمة الكبار تحيا من جديد في علمائنا الذي واصلوا الليل بالنهار تفكيراً وتعليماً وتوجيهاً وترشيداً وتسديداً.

ولئن ضرب الأئمة الفقهاء المثل في طلب العلم وتعليمه ونصح الأمة بكل سبيل وإفناء أنفسهم في هذا الطريق - ، وذكرَنا المجددين من علماء الأمة المعاصرين في قارات العالم، ابن عاشور، وعلال الفاسي، والعلامة المجدد الشيخ محمد الغزالي، والشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة، ود. مصطفي السباعي، والشيخ الأديب الفقيه على الطنطاوي، والعلاَّمة د. عبد الكريم زيدان، وعلاَّمة الهند أبو الأعلى المودودي، والإمام أبو الحسن الندوي، و د. علي عزت بيجوفتش، - فإنَّ الإمام القرضاوي رحمه الله تعالى يأتي في صدارة العلماء العاملين، والفقهاء الراسخين، والدعاة المصلحين، والمربين الربانيين .

ولمن يُطيل النظر سيجد أنَّ سرَّ تأثير الإمام القرضاوي في الأمة والذي يجمع بينه وبين أئمتنا الأولين، أنه كابد هموم الأمة، وما خرجتْ كلماته إلا من قلبٍ محترقٍ، وعقلٍ لا يهدأ، وحركةٍ ونشاطٍ لم ينقطع شرقاً وغرباً، تربيةً وتوجيهاً وتوعيةً وإرشاداً وتذكيراً، والوقوف على أمراض الأمة وعللها، وتحديد موطن الداء ووصف الدواء.

وقد حالفه التوفيق الإلهي وكتب الله له القبول في قلوب العباد، ورزقه البركة في عُمره، والسعادة في مصنفاته.

إنها الرغبة الصادقة المخلصة التي سكنتْ قلب إمامنا، ودفعته مبكراً لنشر العلم النافع والعمل الصالح، وحملتْه على استخفاف الصعب، والاستهانة بالعقبات والشواغل.

بينه وبين الأئمة الأربعة

كتب الله القبول والانتشار لمذاهب الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وعند التأمل والنظر نجد أن ذلك الرضى والبقاء يعود إلى مجموعة من العوامل منها :

1- التلاميذ الأذكياء الذين جمعوا علمهم ودونوا مسائله وحرروا قواعده وأصوله.

وقد رزق الله تعالى الإمام القرضاوي عُمراً طويلاً وعلماً غزيراً وتلاميذ نجباء حول العالم، وقد غدوا علماء كباراً ملء السمع والبصر، ويندر أن تجد – في عصرنا- عالمًا معاصراً أو داعياً أو طالباً أو باحثاً في العلوم الشرعية إلا وقد تتلمذ على يديه، أو على كتبه ومحاضراته .

2- الإخلاص الذي سكبه الله في قلوبهم، وإن الصدق مع الله تعالى سر الوصول والقبول في الأرض والسماء.

ونحسب أن شيخنا كان على مقدارٍ كبيرٍ من الصدقِ والإخلاصِ وصلاحِ الحال مع الله تعالى، ورقةِ قلبٍ ودمعةِ عينٍ، وخشيةٍ وإنابةٍ وتبتلٍ، ومَن خالطه وعايشه من العلماء والأصحاب والتلاميذ يروي مواقف كثيرة تكشف لنا عن ربانيته وخشيته من الله تعالى، ومن يقرأ كتبه في تيسير علم السلوك يلحظ أنه ذائق مجرب.

3- البيئة العلمية الغنية التي ترعرعوا فيها فكان لها أثر باهر في تكوينهم العلمي والفقهي، والشيوخ الكبار الذي نهلوا من علومهم وتربوا على أيديهم.

وإمامنا القرضاوي امتداد لمجموعة مدارس إصلاحية وفقهية، بدءاً من جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ورشيد رضا والإمام حسن البنا، والبهي الخولي والشيخ شلتوت والشيخ محمد عبد الله دراز والشيخ علي الخفيف والإمام محمد أبو زهرة.. وغيرهم، فضلاً عن تأثره وتَتَلْمذه على كتب حجة الإسلام الإمام حامد الغزالي وكتب الإمام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم ومن يقرأ فتاوي الإمام القرضاوي يجد التأثر الظاهر بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية صاحبة النظرة الكلية الواسعة، والمعالجة الأثرية الدقيقة، واستحضار مقاصد الشريعة، والعناية بالبُعد الدعوي والتربوي، والحرص على إظهار محاسن الشرع في الأحكام الفقهية.

4- مجانبتهم للظلمة من الحكام وحفظ دينهم من ممالأتهم، وقد أوذوا جميعاً في سبيل الله، فمنهم من مات في السجن وهو أبو حنيفة، ومنهم من كُسرت ذراعه وضُرب وهو الإمام مالك، ومنهم من مات مقتولاً كالشافعي، وتعرف الدنيا المحنة الكبيرة التي مسَّتِ الإمام أحمد وخرج منها مرفوع الرأس ثابتاً منتصراً، وأيَّده الله وأيَّد به الأمة ونصر به الملة.

وقد ابتُلي الإمام القرضاوي بالسجن مرات ثم بالغربة عن وطنه، فما ضعف ولا وهن ولا جامل على حساب دينه، ولا غرو فقد جعل شعار الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه، قوله تعالى : {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39].

5- معرفتهم بالناس وبأحوالهم وحاجاتهم، وفقههم الدقيق للواقع، وحينما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن شروط المفتي قال:

"لَا يَنْبَغِي ‌لِلرَّجُلِ ‌أَنْ ‌يُنَصِّبَ ‌نَفْسَهُ ‌لِلْفُتْيَا ‌حَتَّى ‌يَكُونَ ‌فِيهِ ‌خَمْسُ ‌خِصَالٍ، أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ. الرَّابِعَةُ: الْكِفَايَةُ وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ. الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ النَّاسِ"( ).

كان الإمام القرضاوي فقيهاً بالعصر وتحدياته وصعوباته، بصيراً بأحوال الناس، وساعدته في ذلك طبيعته البسيطة والدعوة التي نشأ في كنفها وقُربه من الناس ومعرفته بالمجتمع، لذلك يندر أن يترك الشيخ مناسبة لعامة الناس دون أن يكون معهم مجاملاً وجابراً لخاطرهم، فضلاً عن كثرة استماعه لهم، وسؤال أهل الخبرة فيما يريد الوقوف عليه.

6- كثرة تجارب الفقيه والداعية وسفره ورحلاته ووقوفه على أحوال الناس والمجتمعات، وكان الإمام القرضاوي لا يحل حتى يرتحل، فقد كان دائم الحركة والسفر على نحو مُعجِب باهر.

يقول الإمام محمد أبو زهرة عن الإمام أبي حنيفة : "لحياة الشخص الخاصة وما يكتنفها من أحوال وشؤون، وما يتصل بها من دراسات حرة لا يعتمد فيها على شخص، وما تُعَركه به التجارب، آثار في علمه وتوجيهه، وإرهاف فكره أو إضعافه، وقد كانت حياة أبي حنيفة ودراساته وتجاربه، تتجه به نحو تكوين فقيه العراق الأول.

فهو أولاً نشأ في بيت من بيوت التجار، ثم لم ينقطع طوال حياته عن التجارة، وإن كان قد أناب عنه من يلازم عمله ويزاول التجارة، وبهذا كان عليماً بالصفق في الأسواق وأحوال البياعات، وبالعرف التجاري، وبالجملة كانت تجاربه في السوق هادية له مرشدة تجعله يتكلم في معاملات الناس وأحكامها كلام الخبير الفاهم، ولعله من أجل ذلك جعل للعرف مكانًا في تخريجه الفقهي.

ولعل تلك الخبرة هي التي جعلته يحسن التخريج بالاستحسان عندما يكون في القياس منافاة للمصلحة أو العدالة أو العرف. وقد قال محمد بن الحسن تلميذه : " كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال: أستحسن لم يلحقه أحد منهم. لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل فيذعنون جميعاً ويسلمون له.

وما ذاك إلا لإدراكه لدقيق المسائل، وصلتها بالناس ومعاملاتهم وأغراضهم. فإن استحسن فإنما يأخذ مادته من دراساته لأحوالهم مع دراسات أصول الشرع الشريف ومصادره.

وكان أبو حنيفة كثيرة الرحلة، فقد حج كما يقول الرواة نحو خمس وخمسين سنة. وهو عدد يدل على الكثرة، ولا يخلو من مبالغة. وكان في حجه يدارس ويذاكر، ويروي ويفتي، فهو في مكة يلتقي بعطاء بن رباح، وفي أول مرة التقى به يسأله عطاء : من أين أنت؟ فيقول : من أهل الكوفة. فيقول له عطاء من أهل القرية الذين فرقوا دينهم شيعاً؟ فيقول له : نعم. فيسأله عطاء: فمن أي الأصناف أنت؟ فيقول : ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحداً بذنب. فقال له عطاء : عرفت فالزم.

وهو في حجه يذهب إلى مالك ويذاكره الفقه، ويلتقي بالأوزاعي ويذاكره، وهكذا كانت رحلاته بالحج علمية، يعرف منها مواطن الوحي، وأماكن الرسالة، ومشاهد الرسول، وبذلك يحيط خبراً بمعاني الآثار ودقائق الأخبار، ويكون كمن شاهد وعاين.

يعرض في رحلاته فتاويه ويستمع إلى نقدها، فيمحصها، ويعرف مواطن ضعفها هذا إلى ما تفيده الرحلات نفسها من فتق للذهن، ومعرفة بالبلاد المختلفة، فيحسن التفريع في المسائل الفقهية، ويحكم تصورها، والإلمام بأحكامها"( ).

الإمام القرضاوي يلبي نداء القلم

كثير من كتبه كانت إمَّا محاضرة حسَّنها وتطورها وزاد عليها وأخرجها للناس، وإما استجابة لطلابه في المعهد الديني وكلية الشريعة بقطر؛ مثل: سلسلة العقيدة، وكتابه المدخل لدراسة الشريعة.. وغيرها، أو تلبية للأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي أو المجلس الأوروبي لإفتاء والبحوث أو غيرهما من المجامع الفقهية والندوات والمؤتمرات العلمية، أو ردًّا علميًّا على أهل الغلو والتسيب.

يُذكرنا الشيخ بالإمام الشافعي الذي استجاب لطلب عبد الرحمن بن مهدي وأرسل إليه كتابه الشهير {الرسالة} الذي هو أول كتاب أُلف في علم أصول الفقه.

يقول العلامة المحقق أحمد محمد شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب الرسالة: "وكتاب الرسالة ألفه الشافعي مرتين، ولذلك يعده العلماء في فهرس مؤلفاته كتابين : الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة. أما الرسالة القديمة فالراجح عندي أنه ألفها في مكة، إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن. ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. فوضع له "كتاب الرسالة" وقال علي بن المديني: "قلت لمحمد بن إدريس الشافعي أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك، وهو متشوق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي كتبت عنه بالعراق، وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي"( ).

وقد كان الإمام القرضاوي يواصل الليل بالنهار داعياً وكاتباً ومؤلفاً ولم يترك قلمه اختياراً، وقد علم القاصي والداني بعد وفاته أنه كان يكتب في كل وقت وفي كل مكان، وذلك هو الهم والحرص على الأمة ونشر العلم وبُعد الطموح وعلو الهمة.

 وقد ذكرني بالإمام البخاري حينما انتدب نفسه من أجل جمع صحيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد "أفصح البخاري نفسه عن سبب تأليفه للجامع فقال : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : فوقع ذلك في قلبي. فأخذت في جمع الجامع الصحيح"( ).

ومن عجيب همته رضى الله عنه في رحلته العلمية الطويلة ما أورده الحافظ ابن كثير قال : " وَقَدْ كَانَ ‌الْبُخَارِيُّ ‌يَسْتَيْقِظُ ‌فِي ‌اللَّيْلَةِ ‌الْوَاحِدَةِ ‌مِنْ ‌نَوْمِهِ ‌فَيُوقِدُ ‌السِّرَاجَ ‌وَيَكْتُبُ ‌الْفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سِرَاجَهُ، ثُمَّ يَقُومُ مَرَّةً أُخْرَى وَأُخْرَى حَتَّى كَانَ يَتَعَدَّدُ مِنْهُ ذَلِكَ قَرِيباً مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً"( ).

الإمام القرضاوي وهموم مسلمي الغرب

حمل الشيخ قضايا المسلمين في الغرب في قلبه وعقله وأعطاها من وقته وجهده، وكأنَّ الله تعالى هيأه للقيام بدور محوري في تثقيف مسلمي الغرب وتفقيههم في شؤون دينهم وترشيد حضورهم والمحافظة على هويتهم وهوية الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين، وذلك حينما عرفه المسلمون من كتابه الأول،{الحلال والحرام في الإسلام}، وهو الكتاب الأول الذي دخل به ميدان التصنيف والذي أحدث دويًّا كبيراً في حينه.

يقول في مقدمة كتابه {في فقه الأقليات المسلمة} حينما طلبت منه الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي أن يكتب بحثاً حول المشكلات الفقهية للأقليات المسلمة في الغرب، فقال: "ولا غرو أن رحبت بالكتابة في هذا الموضوع لإيماني بأهميته، ولأني في الواقع مشغول به منذ فترة طويلة، أي منذ بدأت الزيارة لأوروبا وأمريكا وبلاد الشرق الأقصى منذ أكثر من ربع قرن وبدأت تنهال على الأسئلة في المؤتمرات والندوات واللقاءات التي كنت أشارك فيها أو عقب المحاضرات التي كنت ألقيها.

وهذا فتح عيني على المشكلات التي يعانيها المسلمون الذين يعيشون خارج المجتمعات الإسلامية، في صورة أقليات هنا وهناك"( ).

ولقد كان الإمام القرضاوي بحقٍّ مؤسِّسَ فقه الأقليات المسلمة ومُنَظِّره بأهدافه وخصائصه ومصادره وركائزه، وانشغل به تأصيلاً وتنزيلاً من خلال كتبه وفتاويه ومحاضراته وبرامجه، ثم العمل الكبير الذي أسسه وأرسى قواعده وشيَّد بنيانه وهو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الذي قام وما زال يقوم بدور محوري في حياة مسلمي أوروبا توجيهاً لمسيرتهم وترشيداً لجهودهم وتسديداً لحركتهم وأفكارهم ونشاطهم.

وكان لإمامنا -رحمه الله- الأثر العظيم في جعل المجلس ملء السمع والبصر.

ومن أهم الغايات التي أُسس المجلس لأجله ما يلي:

- حفظ هوية المسلمين على الساحة الأوروبية.

- تفعيل المؤسسات الإسلامية بأوروبا نحو المواطنة الفاعلية.

- حض مسلمي أوروبا أن يكونوا متفاعلين مع أوطانهم الأوروبية مهمومين بقضاياها حاملين آمالها ليكونوا أداة بناء وأساس حضارة.

- فهم الإسلام وممارسته في إطار خصوصية الواقع الأوروبي ضمن قاعدة الانفتاح دون ذوبان والمحافظة على شخصية المسلم دون انغلاق.

- الانتقال بالمسلمين من فكرة (عابر السبيل) إلى المواطنة الكاملة.

تلكم أهم المعالم التي دأب المجلس وشيخنا القرضاوي طوال عمره على تحقيقيها.

وكم كان يشعر مسلمو أوروبا والغرب بالحاجة الدائمة لرأي الإمام وفتواه، فقد كان سنداً وظهيراً ومعينًا، ولقد شعر مسلمو أوروبا باليتم عند خبر وفاته رحمه الله رحمة واسعة وأعلى درجاته في جنات النعيم.

تحديات تواجه شباب مسلمي أوروبا ودور الإمام القرضاوي

في إطار تَشكُّل الوجود الإسلامي بالغرب عامة تواجهنا تحديات وإشكالات كثيرة تضع المسلمين هنا أمام منعطف تاريخي خطير، ولولا أنَّ الله تعالى قيَّض لهذه الأمة المسلمة في الغرب رجالاً صادقين، وعلماء عاملين ودعاة مصلحين ومربين، بالخير ساعين وللهدى ناشرين لضاعت الأجيال الجديدة ولم يكن لها من الإسلام إلا اسمه، أو خيط واهٍ يصلها به.

وفي مقدمة هؤلاء العلماء الأفذاذ إمامنا القرضاوي الذي وفقه الله تعالى وهدى الناس به، فدلَّهم على الخير، وبصَّرهم بالحق، وأضاء عقولهم بنور العلم ودقيق الفكر واستقامة المنهج ووسطية الفهم وسلامة المعتقد وقوة الحجة.

وإذا أردنا أن نتتبع تأثير فكر وفقه الشيخ في حياة مسلمي أوروبا والغرب عامة وحفظ دينهم وهويتهم الإسلامية فيمكن أن نقف وقفات كثيرة، أشير إلى بعضٍ منها:

أولاً: حفظ الأجيال الجديدة من الذوبان وانسلاخ الهوية :

هاجر كثير من المسلمين من دول شتى إلى الغرب؛ أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا، وقد ضاعت هوية كثير من الجيل الأول والثاني، على الرغم من أنهم شيَّدُوا مساجد عديدة، فإنها بقيت فارغة لم يعمرها أحد بالصلاة والعلم والعبادة كما أشار الإمام القرضاوي في كتاب فقه الأقليات، وذلك لأسباب عديدة منها :

- أن أغلب من هاجروا كانوا أميين من طبقة العمال، فلا نصيب لهم من العلم ولا فهم الإسلام فكيف يحافظون على أنفسهم وأولادهم؟

- زواج الكثيرين منهم من نساء أهل البلاد؛ مما أفضى إلى نشأة الأولاد على دين أمهاتهم، وقد عاينت هذا بنفسي في ألمانيا، ورأيتُ أنَّ أغلب الزيجات بين المسلم والمرأة الألمانية غير المسلمة قد آل إلى الفشل وأدى إلى ضياع الأولاد وضياع دينهم، وفي أحسن الأحوال فإن نصيبهم من الإسلام بعض رسومه، أو أداء بعض الشعائر كل حين.

المغلوبية الحضارية بعبارة أستاذنا الدكتور عبد المجيد النجار( )

فإن الرجل المسلم الوافد مهزوم نفسيًّا وحضاريًّا في عصرنا، ويعيش في الغرب بنفسية عابر السبيل والضيف، فضلاً عن ضعفه الثقافي و قلة تمكنه من اللغة وفهم المجتمع والحصول على فرصة عمل ترفعه في عيون من حوله، هذا كله أضعف مكانته ولا ريب، والمرء إذا فقد الحجة لجأ إلى العصا كما أشار إلى هذا المعنى إمامنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

لذلك جاءت فتوى الشيخ القرضاوي رحمه الله تعالى في منع زواج المسلم من الكتابية( ) آخذاً بعين الاعتبار هذه المآلات الخطيرة.

وقد استيقظ المسلمون في العقود الأخيرة من نومهم، بعد أن أدركهم الشعور الإسلامي ولحق بهم رجال من الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ومرت عليهم مراحل متعددة كما ذكر إمامنا رحمه الله تعالى؛ وهي:

- "مرحلة الشعور بالهوية.

- مرحلة الاستيقاظ.  

- مرحلة التحرك.

- مرحلة التجمع.

- مرحلة البناء.

- مرحلة التوطين.

- مرحلة التفاعل.

ونحن الآن في مرحلة هذا التفاعل الإيجابي مع المجتمع، فلا مجال في هذه المرحلة للعزلة والانكفاء على الذات والحذر من مواجهة الآخرين؛ فقد غدتِ الأقليات المسلمة واقفة على أرض صلبة واثقة من نفسها، معتزة بذاتها، قادرة على التعبير عن هويتها، والدفاع عن كينونتها وإبراز خصائصها، وتقديم ما عندها من رسالة حضارية للبشرية"( ).

وقد ظل الشيخ حارساً للمسلمين في الغرب من غائلة الفكر الشارد والفهم الخاطئ والسلوك الشائن.

وفي كتبه وفتاويه يُلح على ضرورة الانفتاح على العالم دون أن يتخلى المسلم عن عقيدته ومبادئه وأخلاقه، وعليه في الوقت نفسه أن يحافظ على دينه دون أن ينغلق عن الآخرين فيجهلهم ويجهلونه ويسيئون به الظنون، ويحرم نفسه مما عندهم من حكمة ويحرمهم ما عنده من الخير.

وأطال النفس في كتبه حول التمييز بين القطعيات والظنيات والأصول والفروع والكليات والجزئيات والثوابت والمتغيرات والعزيمة والرخصة، والجمع بين النقل والعقل، والروح والمادة، والدنيا والآخرة، والعلم والعمل، والفرد والمجتمع، والانتماء للمجتمعات الغربية والانتماء للأمة الإسلامية.

ودعا وأكد أن يكون المسلم في كل مكان وبيئة صلباً في الأصول مرناً في الفروع، راسخاً في التمسك بالقطعيات ضد من يحاولون عبثاً التلاعب بها وتحويلها إلى ظنيات وصولاً إلى هدم الدين عقيدة وشريعة وآداباً وسلوكاً.

ونرى أن مسلمي الغرب خاصة والأقليات المسلمة التي تعيش وسط أكثرية وسلطان غير إسلامي في أشد الحاجة إلى التمسك بقوة بهذا المنهج الثنائي. فالتمسك بالأصول والكليات والثوابت يحفظ لها شخصيتها واستقلالها ويؤكد أنها جزء من الأمة التي تلتقي على عقيدة لا تتغير وأحكام قطعية لا تتبدل وفلسفة واحدة في تصور الحياة والآخرة.

وأما المتغيرات والفروع والجزئيات فهي صمام أمان للأقليات من العزلة والتهميش والقدرة على التأقلم مع الواقع والعيش بالإسلام دون مشقة قاهرة أو حرج ظاهر، والانفتاح على العالم وتأكيد صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان وقدرته على تقديم الحلول الناجعة والإجابة عن الأسئلة المتجددة في الدين والدنيا ومواجهة النوازل ومسايرة الحوادث.

ثانياً : وقاية الشباب من خطر التشدد والغلو :

لقد عانينا طويلاً من التيار الذي يحسب الدين كله محرمات وقيوداً على العقل والحياة، فخاصم الدنيا باسم الدين، وناقض الفطرة باسم الشرع، وفوت المصالح باسم الاحتياط وسد الذرائع، وقسم العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهم، فإما أن تكون معنا على ديننا أو عدوًّا لدوداً ولا دواء لك إلا السيف، وقدم صورة للإسلام تشمت العدو ولا تسر الصديق.

ومن النكد حقًا أن ينتقل هذا الفهم السطحي والغلو المنكر إلى بعض شباب المسلمين في الغرب، الأمر الذي أضحى أحد عوامل زيادة معدلات الكراهية للإسلام والمسلمين، فماذا ننتظر من قوم يظنون الإسلام حجْراً على العقل، وحِكراً على الرجال، وحبساً للمرأة، ومنعاً من الحياة، وتحريماً للطيبات من الرزق، وفوضى في السلوك وشعثاً في المظهر، وجلافةً في الطبع، وفساداً للذوق، وحرباً على الحضارة والفنون على الجملة؟!

من الطبيعي أن يسكن الخوفُ قلوبَ كثير من الخلق تجاه الإسلام حينما يسود هذا الفكر ويتجلى في سلوك ومعاملات واختيارات .

حدثني منذ يومين أحد الأئمة أنَّ طالبًا مسلمًا في مدرسة ألمانية رفض حضور درس الموسيقى في الفصل، وحينما سألته المعلمة عن السبب أجابها بأن الموسيقى حرام في الإسلام !!

قالت له: ستحصل على درجة {صفر} في المادة. قال لها : لا يهمني.

أتوقع أن ينتهي الأمر بهذا الشاب المتحمس الضحية إلى التسيب أو الإلحاد بعد حين.

فإنه المنبتُّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى( ).

قال عليه الصلاة والسلام: {إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ}( ).

حينما قارب شهر ربيع الأول للعام الهجري 1444ه دعونا مسلمي الغرب إلى الاحتفال والاحتفاء بذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماجتْ – كالعادة - بعض المواقع بتبديع الاحتفال والمحتفلين، على الرغم من أثر الاحتفال بالمناسبات الدينية في حفظ هوية الأجيال الجديدة في الغرب.

وإذا أقبل نهاية العام دعونا المسلمين إلى تهنئة غير المسلمين واعتمدنا فتوى الإمام القرضاوي؛ التي تبناها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وتلقاها معظم المسلمين بقبول حسن ونزلت منهم منزل الظمآن للماء، ذلك لأنها رفعت الحرج عن النفوس في ظل تشابك العلاقات بين المسلمين وغيرهم على مستويات عديدة، كما أن بعض الفتاوى الوافدة التي لا تراعي تغير الزمان والمكان والحال والعرف ضيقت واسعاً، وحجرت على الخلق ما لم يأذن به الله تعالى.

وما زلت أذكر يوم جاءني زوجان يختصمان هذا عربي والزوجة ألمانية غير مسلمة والرجل يحرم عليها أن تزور والديها في أعياد نهاية العام، رغم أن أهلها يجاملونه في عيد الفطر والأضحى.

ومن المسائل التي تُطرح كل حين خاصة مع وجود المهاجرين الجدد قضية الإقامة في بلاد غير المسلمين ومصافحة الرجل للمرأة والعكس، وقد وجدنا أن التشدد في تلك المسائل وتتبنى رأيًا واحدا والقطع فيها يضر بالمسلمين، بينما وجدنا شيخنا يعالج تلك القضايا برؤية كلية شاملة يستدعي النصوص والنظر في دلالاتها وعرض أقوال الفقهاء مع أدلتها والموازنة بينها ثم الانتقاء والترجيح وفقًا لقواعد الترجيح الأصولية مستهديًا بمقاصد الشرع ورفع الحرج عن المكلفين مُظهرًا أسرار الشرع في خطاب المكلفين.

لقد كان للشيخ القرضاوي - طيب الله ثراه - السهم المُعلًّى والأثر الجلي والجهد الظاهر في محاصرة تيار التشدد والعنف عبر كتبه ورسائل ترشيد الصحوة، وترسيخ تيار الوسطية والاعتدال حتى أصبح عَلَماً له، وتصدى للغلو بكل صوره فهما وممارسة وفي كتابه في فقه مقاصد الشريعة تناول المدارس الثلاث بركائزها وخصائصها وثمراتها {المعطلة والظاهرية والمقاصدية}.

وكتابه الموسوعي النفيس (فقه الجهاد) الذي نال اهتماماً واسعاً في الأوساط العلمية والفكرية حول العالم نظراً لموضوعه ومؤلفه.

لقد تأسى شيخنا بالإمام المجدد محمد الغزالي، حينما حذَّر في العديد من كتبه من تيار الغلو وخطره على مستقبل الإسلام خارج أرضه وقد أسِفَ كثيراً، فتساءل: "أين أصحاب هذه الرسالة يقدمونها بيضاء نقية؟ أين حملة هذا الدين من العلماء الراسخين يشرحون فطرة الله التي فطر الناس عليها؟

أين المكلفون بالبلاغ؟ الشاهدون على الأمم؟

لا نراهم حين يُطلبون !

إنَّ ألوفاً من (الخواجات) يبحثون عن دين يملأ شعاب أفئدتهم، ويروي عطشهم الروحي ونهمهم العقلي فلا يجدون !

وإذا وجدوا أحداً يحدثهم عن الإسلام ويدخلهم في نطاقه السمح عادوا من لدنه يرتدون جلباباً أبيض، وعمامةً فوقها عقال أو ليس فوقها عقال!! ما هذا؟

أهذه دعوة الإسلام أم إلى تقاليد البادية العربية؟"( ).

تلك الحرقة على مسلمي الغرب لها ما يؤكدها وإن تغير الحال الآن كثيراً نحو الوعي والفهم الصحيح، غير أن التحديات ما زالت قائمة مع وسائل الاتصال وانتشار الغث والسمين.

وقد أثار الشيخ محمد الغزالي عدداً من القضايا الفقهية المتصلة بالمرأة والخروج بها من ضيق التقاليد الموسومة بالإسلام ومن براثن التعاليم التي تصادم النصوص وقواعد الشرع واجماع الأمة.

وجاء إمامنا المجدد القرضاوي ليؤصل زفرات شيخنا الغزالي ويفصل ما أجمله وكتب كتاباً جامعاً كبيراً حول أحكام الأسرة في الإسلام.

ثالثاً: الشباب المسلم الأوروبي وترسيخ الهوية الإسلامية :

تحديات كثيرة تلك التي تواجه الأجيال الجديدة من أبناء مسلمي أوروبا والغرب تستهدف تذويب هويتهم وسلخهم عن دينهم، ولا شك أن مؤلفات الإمام القرضاوي - برَّدَ الله مضجعه - كانت زاداً للدعاة وقادة الرأي والفكر الذين يُشرفون على المؤسسات الإسلامية في الغرب فجعلوا منها منبراً للعلم المنير والفكر السديد والإجابة الكاشفة عن خصائص الإسلام العامة وخصائص الشريعة والعبادة في الإسلام، وأثر الإيمان في بناء الحياة ونهضة العمران وبناء الأوطان.

هناك الكثير من القوي التي تعمل على وضع حُجب بين الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين في الغرب وبين حقائق الإسلام، يريدون لتلك الأجيال أن تتخذ لنفسها ركناً مُنزوياً من واحة الإسلام الفسيحة، عبادة لا عقيدة، حركات ظاهرة لا أعمال مستقرة في أعماق القلوب، تغييراً في الأشكال لا تغييراً للنفوس والعقول، تقليداً لا اجتهاداً، ابتداعاً لا اتباعاً، ترتيل آيات الآخرة فقط، لا آيات العمل والإنتاج والحض على اقتحام ميادين الحياة والإصلاح في الأرض والجمع بين الصلاح والإصلاح والنجاح والفلاح .

حسداً من عند أنفسهم، في قلوبهم مرض وفي آذانهم وقر، وما ينادَوْن إلا من مكان بعيد( )

ويتولى كِبْر هذا التوجه الكارهون للإسلام والحاقدون عليه، ومن لا يود أن يُنزَل علينا خير من السماء، وما هؤلاء إلا امتداد لأجيال قديمة عمدت إلى تشويه الإسلام والغض من تعاليمه، والتهجم على كتابه بجهل فاضح، وبحقد فادح، والانتقاص من نبيه بالكذب والتزوير والتلفيق وإشاعة الشبهات الباطلة النابتة في عقولٍ كليلةٍ وقلوبٍ أعمتها الكراهية، وهؤلاء تتنوع أساليبهم وتعدد أدواتهم، يسندهم مال وفير وجمع غفير، وكلما ذهب منهم جيل تسلَّم الراية غيره، ولمَّا كانت الحرب المباشرة حول ثوابت الإسلام لا تأتي بالنتائج المرجوة، فإن الخطط الأخرى يجب أن تخرج وتعمل عملها، وربما كانت أنجع في تحقيق الغاية، بخبث شديد ومكر تزول منه الجبال، ومنهم هؤلاء المستشرق المجري المعروف "جولد تسيهر" وغيره .

 وقد رد عليه الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى - في كتابه دفاع عن العقيدة والشريعة، وهذا المستشرق لا يتجه للطعن المباشر في الإسلام، بل لعله يُقدم مدحاً للقرآن الكريم ورسول صلى الله عليه وسلم .

وهذه طريقته وطريقة غيره :

يعترف بأن القرآن العظيم كتاب كريم لكنه تأثر بالثقافات الأخرى، كما أنه انفتح على العقائد المختلفة ثم خرج بتوليفة مناسبة!

ألا ساء ما يحكمون، وهو نفس النهج الذي يسير عليه القائلون بتاريخية الأحكام من تلاميذ عتاة المستشرقين أمثال نصر حامد أبو زيد وقبله فرج فودة وغيرهما : حتى يثبتوا فكرة أنَّ القرآن كتاب مؤقت زعموا أنَّ القرآن تأثر بالواقع حتى صُبِغَ به، وبالتالي فهو ثمرة التفاعل والاشتباك مع الواقع وظروفه وأحداثه، ومن ثم فهو كتاب معاصر يتأثر بالواقع والزمان، بالمعني الذي يجعله رهينة تغير الأحوال، وحاصل القول عندهم: أن لا تحدثني عن نصوص ثابتة مستقرة ولا أحكام قطعية.

وإن أرادوا الطعن في النبوة بطريقة ماكرة قالوا: إنَّ محمداً عبقري، وقد كان طاهر النفس، ووهبه الله من المَلَكَات النفسية والروحية ما يدرك بها الخير والشر، وأن القرآن وحي نفسي.

وقد رد على هذه الفِرْية د. محمد عبد الله دراز في كتابه "النبأ العظيم"( ).

وأُورِدُ طرفاً مما أورده الشيخ العلامة محمد الغزالي في رَده عليه، يقول: "والمستشرق الذكي لمًّا لمس حرارة الإخلاص، وقوة الصدق، ونبل الغاية في سيرة محمد، أراد أن يوفر بين وفرة هذه الخلال، وبين ما نسبه إليه من اختلاق الرسالة، واستقاء أفكارها من الناس فقال:

"لقد تأثر بهذه الأفكار تأثراً وصل إلى أعماق نفسه، وأدركها بإيحاء قوة التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه

كما صار يعتبر هذه التعاليم وحياً إلهيًّا، فأصبح -بإخلاص- على يقين بأنه أداء لهذا الوحي.

ونحن نتساءل: هل هذا المستشرق ينكر الوحي جملة؟

إن كان الأمر كذلك فلا نبوات البتة..

وسقطت ديانته قبل أن تسقط الديانة التي يهاجمها.

وارتفعت بكل إنسان زعم يوماً أن مَلَكاً جاءه وأن وحياً نزل عليه، فكلهم كَذَبَة..

وإن كان يؤمن بالوحى، ويصدق أنبياء اليهودية والنصرانية وحدهم، قلنا له: ما سر هذه التفرقة؟ أهو تعصب لما ورثت عن آبائك وقومك؟ لك ذلك، ولكن لا تُسَمِّ هذا المسلك علماً نزيهاً ولا بحثاً محايداً"( ).

وزعم كذلك أن الإسلام غيَّر خطته لمَّا نجا من براثن مناهضيه، وبالمدينة أعلن عن نفسه أنه للناس كافة، يقول:

"الوحى الذي نشره محمد في أرض مكة لم يكن ليشير إلى دين جديد، فقد كان تعاليم واستعدادات دينية نمَّاها في جماعة صغيرة، وقوَّى في أفراد هذه الجماعة فهما للعالم مؤسسا على الحكم الإلهي".

ويرد الشيخ الغزالي:

" هذا الكلام جهالة وتخليط، فإنَّ أهل مكة الذين يعرفون النصرانية جيدًا قالوا لما سمعوا دعوة الإسلام:

{مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} [ص: 7].

أي أنَّ ما قرع أسماعهم هو شيء جديد غير معهود في الديانات الوثنية والكتابية المحرفة، وذلك حقٌّ؛ إن الوحي المكي جمع كل الآداب والوصايا، والمبادئ الرفيعة المُوَزعة في صحائف العهدين القديم والجديد، وزاد عليها آداباً ووصايا ومبادئ أخرى احتاج إليها العالم في تقويم فطرته وصيانة حياته، وذلك كله إلى جانب ما صحح من عقائد، واستنَّ من شرائع لم تكن معروفة للعبادات الأصلية"( ).

والكتاب مليء بكثير من التهم التي ساقها هذا المستشرق وإنما هي منبعثة من خيالات وأوهام.

 

ما أكثر الرايات والشعارات التي تحمل لواء الباطل مختبئة خلف ستار الحق، وما أكثر ما يُتوسل للباطل بكلمات الحق، وقديمًا نال من هؤلاء الإمام علىٌّ كرم الله وجهه حينما رفع الخوارج شعار {لا حكم إلا لله}.

فقال قولته المشهورة: كلمةُ حقٍّ يُراد بها باطل( )

فإن لم يكن الإمام حامل لواء الحق والعدل فمن يكون؟!

ولكنه العجب والكيد الذي يعمي ويُصم

فما هو الإسلام المعتدل الذي تدعون إليه، وترمون له؟

ونعم.. فما الدعوة إلى ما يسمى بأنسنة الإسلام إلا بعض صور لهذا التيار الماكر، ومن أجل ذلك أنشئت مؤسسة رند التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية لما يُسمى شبكات الإسلام المعتدل . إنها فكرة إشعال حرب داخل الإسلام نفسه، هذا التوجه يريد نزع الجزء الصلب من ديننا الذي هو ضمانة خلود وصمام أمان وأساس الوحدة بين المسلمين في كل مكان.

ماذا يريد هؤلاء؟

يريد هذا الفريق تحويل القطعيات إلى ظنيات، في العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والقيم والسلوك..

ونحن نقول:

الصلاة والصيام والحج والزكاة ثابتة متواترة لا تتغير في أي بقعة، سنبقى نصلى على هيئة واحدة خمس صلوات، لن نصلى الجمعة في يوم السبت، ولن نصوم شهر رمضان إلا في شهره، ولن يتغير موعد الحج لا زماناً ولا مكاناً، والحرام القطعي سيبقى ولن يتغير ما دام الليل والنهار، فالخمر والزنا والميسر حرام لن يتغير فوق كل أرض وتحت كل سماء، وأسس الأسرة في الإسلام لن تتغير، وأنه خلق الذكر والأنثى .

والعدل والصدق والأمانة قيم ثابتة، والظلم والغش والخداع مُحَرمات لا تتبدل .

وإننا نعلن أن الغاية لا تبرر الوسيلة، والظلم حرام على الجميع، والعدل حق للجميع .

إن قيمنا مطلقة ولن تكون نسبية، نصرة المظلوم قيمة لا تتعلق بذات المظلوم، وإطعام الجائع قيمة لا ترتبط بالمحروم، ومواساة الفاقد قيمة ستظل مجردة ولو كان المكروب عدوًّا.

وهذه أجمع آية في القرآن الكريم لِلْحَثِّ عَلَى الْمَصَالِحِ كُلِّهَا وَالزَّجْرِ عَنْ الْمَفَاسِدِ بِأَسْرِهَا كما أشار إلى ذلك الإمام العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام( ):

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

هؤلاء يريدون تمييع العقيدة وتضييع العبادات وإفساد القيم الثابتة وإذابة شخصية المسلم حتى يصبح قلبه قبلة أوثان، فلا يُفرق بين حلال وحرام، إنها الرغبة الإبليسية في إزاحة كل شهوة محرمة أمام طالبيها واللاهثين خلفها.

منذ سنوات أثارت امرأة ضجة كبيرة عندما أعلنت أنها ستخطب الجمعة وتصلي إماماً بالرجال، وسار قطيع خلفها في دول عديدة، وهللت بعض وسائل الإعلام وقالوا: هذا هو التجديد، وكان مشهداً مضحكاً كأننا في قاعة حفل راقص وليس مكاناً تعرج فيه الروح لخالقها تستلهم منه الرشد وترجو منه قطرة من فيض جوده تحيي موات القلب وتجدد حياة الروح، وتوحد بوصلة القلب نحو السعادة الحقيقية الأبدية الخالدة، في جنات النعيم.

لقد تصدى الإمام القرضاوي لدعوات الغلاة الذين يريدون أن ينقصوا الدين من أطرافه، وقف جبلاً راسياً فأصدر فتوى عدم جواز إمامة المرأة في صلاة الجمعة على إثر الضجة التي أحدثتها أمينة دواود(وادود Amina Wadud) بعزمها إمامة الرجال والنساء في صلاة الجمعة عام 2005م( ).

وفي سبيل تثبيت مرجعية المسلم في تعرفه على الأحكام الشرعية ألف العديد من الكتب، منها: المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، وكتابه: كيف نتعامل مع القرآن العظيم، وكتابه في فهم السنة والتعامل معها: كيف نتعامل مع السنة،

هل آتت تلك الدعوات أكلها وسط الأجيال الجديدة؟

ليس سهلاً أن نجد جواباً دقيقاً لهذا السؤال، لكننا نلمس عن كثب الحوارات الدائرة بين الشباب، وتعرض القناعات الراسخة إلى تأرجح، بل تجاوز الحد إلى التطبيع النفسي مع ظواهر اجتماعية خطرة تضرب قيم الأديان والمجتمعات البشرية في الصميم.

ولا ريب أن البيئة التي يعيش فيها المرء تترك أثراً ظاهراً على طريقة تفكيره، عندما يكون كل شيء محلاًّ للنقد والشك، ويصبح ما وراء الطبيعة خيالاً أو أشبه به.

 نتحدث أحياناً مع بعض الشباب حول بعض تفاصيل العبادات وأحكام الشريعة وحول أصول العقيدة فنجد أن ضباباً كثيفاً يغشى قلوبهم.

ولا ريب أن المدرسة الوسطية التي أرسى قوامها شيخنا الإمام عليها مسؤولية كبيرة في استيعاب شبابنا وتحصينهم من الشبهات ووقايتهم من الشهوات، ولا زالت المؤسسات الإسلامية في الغرب، التعليمية والتربوية والدعوية تبذل جهوداً كبيرة في ترسيخ هوية شبابنا عبر كثير من البرامج المتنوعة الواعية . 

وربنا الرحمن المستعان .

فتاوى الإمام القرضاوي وأثرها في استقرار الوجود الإسلامي بأوروبا

أدَّى الشيخ رحمه الله دوراً كبيراً في ترشيد الحضور الإسلامي بالغرب واستقراره من خلال الفتاوى التي جعلت هذا الوجود رقماً في عالم الاقتصاد وفي عالم السياسة وغيرهما من المجالات، ولعل أهم الفتاوى وأكثرها إثارة للجدل إلى يومنا - فتوى شراء البيوت بقرض ربوي للمسلمين في أوروبا( ).

وقد أسهمت الفتوى في استقرار كثير من الأسر المسلمة بالغرب على المستوى المادي والاجتماعي والنفسي، فهناك فروق كبيرة بين أن تكون مالكاً لبيتك أو تبقى مستأجراً أبد العمر، ونحن نعاين الفروق، بل إنَّ عدداً من العلماء ممن كانوا يعارضون الفتوى رجعوا عن رأيهم إلى موافقتها أمام تجليات الواقع وتحدياته وحاجات المسلمين.

والأمر يحتاج إلى تتبع ودراسة لمجموع فتاوى الشيخ وتأثيرها على الحضور الإسلامي في الغرب لا تتسع له هذه السطور القليلة .

  وفي ختام هذه الورقة الموجزة أبتهل إلى الله تعالى أنَّ ينزل رحماته على شيخنا الإمام القرضاوي، ويجعل ما قدمه للأمة وللإنسانية رافعاً لدرجاته في جنات النعيم، وأن يسدد مسيرة الأمة على طريق الحق والعدل والخير، وحسن الفهم وسداد القول وسلامة والقصد وصدق العمل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 ـــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع

  1. ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي: المصنف، تحقيق: سعد بن ناصر بن عبد العزيز أبو حبيب الشثري، تقديم: ناصر بن عبد العزيز أبو حبيب الشثري، دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض – السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٣٦هـ = ٢٠١٥م.
  2. ابن رفاعة، زيد بن عبد الله بن مسعود، أبو الخير الهاشمي (ت بعد ٤٠٠هـ): الأمثال، دار سعد الدين، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ.
  3. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين (ت ٧٥١هـ): إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ=١٩٩١م.
  4. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤هـ): البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ=١٩٨٨م.
  5. الشافعي، محمد بن إدريس (ت ٢٠٤ هـ): الرسالة، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر، دار الآثار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008.
  6. صحيح البخاري، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت –لبنان، الطبعة الثانية، 2014م.
  7. عبد الرحمن البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ= 1986م.
  8. عبد المجيد النجار: فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا، المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، دبلن، أيرلندا.
  9. العز بن عبد السلام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، سلطان العلماء: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة، طبعة جديدة مضبوطة منقحة، ١٤١٤هـ = ١٩٩١م.
  10. القرضاوي: فتاوى معاصرة، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، 1430هـ =2009م. 
  11. القرضاوي: في فقه الأقليات المسلمة: حياة المسلمين وسط المجتمعات الأخرى، دار الشروق للنشر والتوزيع، 2001م.
  12. محمد أبو زهرة: أبو حنيفة حياته وعصره – آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي – القاهرة، 1997م.
  13. محمد الغزالي: دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، نهضة مصر، الطبعة السابعة، 2005م.
  14. محمد الغزالي: مستقبل الإسلام خارج أرضه: كيف نفكر فيه؟ دار الشروق للنشر والتوزيع، 1997م.
  15. د. محمد بن عبد الله دراز: النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم، اعتنى به: أحمد مصطفى فضلية، قدم له: أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني، دار القلم للنشر والتوزيع، طبعة مزيدة ومحققة، ١٤٢٦هـ- ٢٠٠٥م.
  16. محمد بن طاهر البرزنجي: صحيح وضعيف «تاريخ الطبري، للإمام أبي جعفر بن جرير الطبري»، حققه وخرج رواياته وعلق عليه: م
  17. حمد بن طاهر البرزنجي، إشراف ومراجعة: محمد صبحي حسن حلاق، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ = ٢٠٠٧م.

الشيخ طه عامر الشيخ طه عامر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

التطبيع مع الإفساد

feather د. ونيس المبروك

هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ؟

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ؟

article title

أين نجد إيمان العجائز؟ وما حاجتنا إليه؟

article title

الحج والعمرة وأثرهما في تعزيز هوية الشباب في عالمنا المعاصر

banner title

مقالات مرتبطة

د. ونيس المبروك

التطبيع مع الإفساد

الشيخ طه عامر

هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ؟

د. يونس محمد صالح الزلاوي

ثقافة الرحمة في زمن القسوة