هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ؟

هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ ؟
بين أبي بكر الصديق رضى الله عنه وربيعة بن كعب الأسلمي رضى الله عنه .
قال ربيعة بن كعب الأسلمي رضى الله عنه:
كنتُ أَخْدُمُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأعطاني أرضًا وأعطى أبا بكرٍ أرضًا وجاءتِ الدنيا فاختلفنا في عَذَقِ نخلةٍ فقال أبو بكرٍ رضي اللهُ عنهُ هي في حَدِّ أرضي وقلتُ أنا هي في حَدِّي، وكان بيني وبينَ أبي بكرٍ كلامٌ فقال لي أبو بكرٍ كلمةً كرهتُهَا ونَدِمَ، فقال لي يا ربيعةَ رُدَّ عليَّ مثلَها حتى يكونَ قَصاصًا قلت لا أفعلُ، فقال أبو بكرٍ لتقولنَّ أو لأستعدِينَّ عليكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قلتُ ما أنا بفاعلٍ، قال ورفضَ الأرضَ.
فانطلقَ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنهُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فانطلقتُ أتلوهُ، فجاءَ أُناسٌ من أَسْلَمَ فقالوا رَحِمَ اللهُ أبا بكرٍ في أيِّ شيٍء يستعدي عليكَ رسولَ اللهِ وهو الذي قال لكَ ما قال. فقلتُ أتدرونَ من هذا؟!
هذا أبو بكرٍ الصديقُ وهو ثانيَ اثنينِ وهو ذي شَيْبَةِ المسلمينَ فإيَّاكم يلتفتُ فيراكم تَنصروني عليهِ فيَغضبُ فيَأتي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيَغضبُ لِغَضَبِهِ فيَغضبُ اللهُ لغضبِهما فيَهْلِكَ ربيعةُ.
قالوا فما تأمرُنا قال ارجعوا فانطلقَ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنهُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وتَبِعْتُهُ وحْدِي وجعلتُ أتلوهُ حتى أَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فحدَّثَهُ الحديثَ كما كان فرفعَ إليَّ رأسَهُ فقال يا ربيعةَ مالكَ وللصديقِ قلتُ يا رسولَ اللهِ كان كذا وكان كذا فقال لي كلمةً كرهتُهَا فقال لي قُلْ كما قلتُ لكَ حتى يكونَ قصاصًا فأَبَيْتُ فقال رسولُ اللهِ أجلْ فلا تَرُدَّ عليهِ ولكن قل غَفَرَ اللهُ لكَ يا أبا بكرٍ فقلتُ غَفَرَ اللهُ لكَ يا أبا بكرٍ قال فولَّى أبو بكرٍ رحمهُ اللهُ وهو يَبْكِي. (أخرجه الطبراني وأحمد).
لعلنا بعد أن تأملنا أن نتوقف قليلًا.
- قد يختلف الأخ مع أخيه، ولو كان من خيار الناس، وأبو بكر رضى الله عنه أفضل الصحابة الكرام، لأنهم بشر. لكنهم علمونا أدب الاختلاف وسرعة الصفاء والحرص على سلامة الصدر .
[ وجاءت الدنيا ]
...تبَّا لدنيا تفرق بين الأحبة ...تبا لدنيا تفقدك نفسك وروحك...تبا لدنيا تعكر صفاء الأخوة .
[وكان بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها ]
- لم يذكر لنا سيدنا ربيعة ما الكلام وما تلك الكلمة التي كرهها. ....إنه الترفع والعلو الأخلاقي . وقيل : ذكر الجفا بعد الصفا جفا. فإذا صفت لك مودة أخيك بعد جفوة بينما فلا تذكره بما كان منه .
[وندم أبو بكر] ... يا لرقة قلبك يا صديق الأمة ...يا قلبك الطيب الحنون ...كم كلمة بدرت منا أحزنا فيها من نحب ؟.. ..وندم أبو بكر..هكذا قلب المؤمن يندم إن أساء بكلمة لأحد، خاصة المقربين.
[ يا ربيعة رد عليَّ مثلها حتى يكون قصاصا ]
. رسالة موجعة إلينا: أن نتحلل في الدنيا قبل الآخرة . أبو بكر الصديق أعلى الأمة إيمانا يريد التخفف من المظالم ولو كانت "كلمة". فما بالنا نحن المساكين ؟!
- ربيعة يحفظ مقام الصديق رضى الله عنهما . لقد أبى أن يرد الكلمة بمثلها، لأن المسلم يوقن أن الشيطان ينزع بين المؤمنين ليفسد عليهم أخوتهم ويضعف لُحمتهم، فلا يقع في شراكه ولا يُعطيه حاجته .
- اصبر على أخيك وقت ضعفه وتحقق بقوله تعالى في وصف الصحابة الكرام ( رحماء بينهم ) .
- أبو بكر رضى الله عنه يشتكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ...يشكو لأن أخاه لا يريد أن يقتص لنفسه !!!
- ربيعة يحفظ مقام أبي بكر ويرد قومه إلى الصواب لأنه يعلم قدره عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بوسعه أن يحتمل غضب الله لمن يتعرض لأولياء الله، وفي الحديث القدسي :" مَن آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب .
[ ياربيعة ما لك وللصديق ] .
- كان رسول الله صلى الله عليه يغار على صاحبه ويحفظ جاهه.
[ فلا ترد عليه ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر....]
- ينبغي لمن أُسيء إليه من أخيه وكانت بينهما مودة وفضل، أن يسامحه ويستغفر له متى قوبل بالاعتذار .- [فولى أبو بكر وهو يبكي.... وقد أبكانا من خشيته] .
اللهم إنا أحببنا سيدنا ربيعة رضى الله عنه لأدبه النبيل مع شيخ المسلمين أبي الصديق رضى الله ، أحببنا ربيعة لرفعة خلقه وقد تعلمنا منه الترفع عن السفاسف وحفظ مقام الكبار.
اللهم إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قد أخجلنا أمام انفسنا برقة قلبه وطهارة نفسه وخوفه من الله فلا تحرمنا التأسي به وصحبته.
- الكلمات الدلالية
- تاريخ
- الصحابة
- شكوى
- قصص الصحابة
- السيرة النبوية
- أبو بكر الصديق
- الصداقة
- التسامح
الشيخ طه عامر