ما تأخر من بدأ.. في التربية والتكوين [2]

قد تبدأ دراستك متأخرًا في العمر، أو تستأنفها بعد انقطاعٍ لمرضٍ أو سفرٍ أو غربةٍ أو هجرةٍ قسريةٍ أو ظرفٍ اجتماعي أو نحو ذلك، وقد تستيقظ بعد غفلة طويلة أو تصل رحمًا بعد انقطاعٍ أو تُصالح حبيبًا خاصمته وكنت الجافي، أو تعترف بالحق بعد لجاج طويل، أو تدخل ميدان الدعوة والإصلاح بعد تردد طويل أو صوارف أخرتك عن الركب.. فلا تيأس ولا تضعف همَّتك.. بل كن صاحب عزم على فن الاستدراك، فقد تحقق في قليل من الزمان ما لم يحرزه غيرك في كثيره.
سأضرب لك بعض الأمثلة:
- تأخُّر إسلام خالد بن الوليد رضى الله عنه وقاد المسلمين نحو نصر مجيد في مؤتة ونال لقب سيف الله المسلول.
- تأخُّر إسلام عمرو بن العاص رضى الله عنه وأصبح بعد سنوات قليلة فاتح مصر وغيرها من الأمصار.
- تأخُّر إسلام سُهيل بن عمرو ولكنَّه وقف موقفًا عظيمًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم -حين ارتدَّ كثيرٌ من الناس- وردَّ قريشا إلى صوابها وشفى وساوس الشيطان وقال: لا تكونوا آخر من أسلم وأوَّل من كفر..
- كان الفضيل بن عياض قاطع طريق ثم تاب الله عليه وهداه فأصبح إمامًا من أئمَّة الزهد.
- الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء طلب العلم على كبرٍ وصار أحد أئمة أعلام الإسلام.
- الإمام القفَّال الشافعي طلب العلم بعد الثلاثين..
وقال عنه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: الإمام الزاهد الجليل البحر أحد أئمة الدنيا... كان قد ابتدأ التعلم على كبر السن بعدما أفنى شبيبته في صناعة الأقفال.
- طلب الإمام ابن حزم العلم وهو في السادسة والعشرين وصار إمامًا علمًا..
فلا تقل فات الأوان وضاع الزمان فما تأخَّر من بدأ.
إن شردت عن ربِّك الودود فاستدرك واستقبل ولا تستدبر.
- عرفت عددًا ممَّن أتمُّوا حفظ القرآن بعد عمر الخمسين.. المهم الصدق في الطلب والتوجُّه وربُّك كريمٌ جوَّاد.
وفي الحِكم العطائيَّة يقول ابن عطاء الله:
"مَنْ بُورِكَ لَهُ في عُمُرِهِ أدْرَكَ في يَسيرٍ مِنَ الزَّمَنِ مِنْ مِنَنِ اللهِ تَعالى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ دَوائِرِ العِبارَةِ وَلا تَلْحَقُهُ الإشارَةِ".
فالعبرة ببركة العمر وسعة الإنجاز وبقاء الأثر.
وما تأخَّر من بدأ!
الشيخ طه عامر