ليلة القدر: مفاهيم منسية.. ورؤى عصرية

وما أدراك ما ليلة القدر؟
جملة مشحونة بالحب الإلهيّ، يُعجِّب الله الودود المنان تبارك وتعالى بها حبيبه صلى الله عليه وسلم ببشائر وذخائر ومآثر ليلة القدر، وفضلها على الزمان كله، وكأنه سبحانه يستلفت أنظار عباده الصالحين أن يحتفلوا بها، ويحيوها سجدًا ركعًا، دعاةً خُشعًا، تالين راجين، وألا يجعلوها - كغيرها من الزمان - ليلة منامٍ وأحلام، بل يفعلوا فعل الحازم الجاد، الذي يؤثر الآجلة على العاجلة؛ ففي مسلم عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر - أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشد المئزر)!
هذا هو الاحتفال النبوي بالليلة، التي تعدل الزمان كله – لا ألف شهر، كما قال بعض المفسرين - وهذا هو قيامها، لا على طريقة الذين يحيونها بالأناشيد، والتصفيق، والتمايل، والاستغاثات، أو اللهو، والسدور خلف الرغبات، أو حتى بالنوم والغفلة..
وقد فكرت أن أدقق في فقه وأحكام هذه الليلة المباركة، فوجدت للسلف مفاهيم وإشراقات غفلنا عنها، كما وجدت في عصرنا أحكامًا ونوازل قدْرية، تحتاج من الفقهاء أن يتدبروها، أطرحها هنا لإثارة الأذهان حولها، ومناقشتها، والسعي للإجابة عنها، رجاء مزيد من التشقيق، والتوسعة، والإفادة من قارئي الكريم..
وأسأله تبارك وتعالى في هذه الليالي العشر المباركة ألا يحرمني وإياك والأمة بركاتها، ورحماتها، وفيوضها، وخيرَ تنزّل الملائكة والروح فيها، اللهم آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
السورة بالأرقام:
السورة مدنية كما رجح الإمام القرطبي، ونسبه لأكثر العلماء، وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقال الإمام ابن كثير إنها مكية..
• ترتيب السورة في المصحف السابعة والتسعون..
• عدد آياتها: خمس..
• عدد كلماتها: ثلاثون..
• عدد حروفها مائة واثنا عشر حرفًا..
سر ترتيبها:
كان الكلام قبل في نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة العلق، التي جاء مطلعها عن بدء نزول القرآن الكريم، وإطلاق شرارة الإسلام والتوحيد في عالم جاهل جاهلي وثني: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)..
ثم جاءت سورة القدر بعد ذلك لتحديد وقت هذه القراءة (إنا انزلناه في ليلة مباركة)..
(إنا أنزلناه في ليلة القدر) لئلا يُظن أن الحديث عن شيء آخر منزل غير القرآن، كما ذهب بعض المفسرين؛ إغرابًا وبعدًا عن المعنى الأصلى!
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في الأضواء: وقد يقال: ذكر سورة القدر قبلها مشعرة به في قوله تعالى: اقرأ باسم ربك، ثم جاءت: إنا أنزلناه، أي القرآن المقروء.
وقال في التحرير والتنوير: ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق - مع أنها أقل عددَ آياتٍ من سورة البينة وسورٍ بعدها - كأنه إيماء إلى أن الضمير في أنزلناه يعود إلى القرآن الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق.
المحاور الرئيسية للسورة:
تقوم السورة على محاور أربعة أو خمسة رئيسية أوجزها فيما يلي:
أولًا: محور الإنزال:
أكد علام الغيوب سبحانه - بإن واسمية الجملة، ونسبتها إلى ذاته العلية مرتين بالضمير - أنه أنزل المشار إليه في سورة العلق، وما وُضِّح بعد مطلع سورة الدخان، وفي السنة المشرفة أنه كلامه، الذي أحكمت آياته، ثم فصلت في هذه الليلة المباركة..
ثم أمرنا سبحانه بالاحتفال السنوي بنزوله؛ لا على طريقة المبتدعة المنحرفين عن هديه صلى الله عليه وسلم، بل على طريقة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه؛ فهو أسوتنا ومحجتنا البيضاء، قائمين راكعين، ساجدين مستغفرين، داعين مبتهلين دامعين، راجين أن يغفر لنا ويتوب علينا: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له....).
ولأن هذه الليلة شهدت أحداثًا جسامًا تحتاج إلى تذكر وانتباه دائمين:
ففيها عاد جبريل الأمين، روح القدس إلى الأرض بالوحي؛ بعد انقطاع دام أكثر من خمسة قرون، تاه فيها البشر، وزاغوا عن صراط الله المستقيم، وشرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله، بل عبدوا الحجر والبشر، والهوى والهوام، والحشرات والأجرام، وما لا يرد بالبال من معبودات سخيفة، لا يقبل تعظيمها عقل عاقل؛ فضلًا عن مهتدٍ مؤمن بالله!
قال في التحرير والتنوير: وفي هذا أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله، وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي ألا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها. ولعله يقصد بالمواكب العناية الشرعية لا البدعية؛ كما أسلفت..
وفيها تنزلت بركات خاصة لم تعرف مثلها البشرية: وإنها لمباركة حقًّا تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشرية، والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر؛ والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن ترجمة يسيرة، تستجيب لها الفطرة وتلبيها في هوادة؛ وتقيم على أساسها عالمًا إنسانيًّا مستقرًّا على قواعد الفطرة واستجاباتها، متناسقًا مع الكون الذي يعيش فيه، طاهرًا نظيفًا كريمًا بلا تعمُّل ولا تكلف؛ يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولًا بالسماء في كل حين.
ولقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أول مرة فترة عجيبة في كنف السماء، موصولين مباشرة بالله؛ يطلعهم أولًا بأول على ما في نفوسهم؛ ويشعرهم أولًا بأول بأن عينه عليهم، ويحسبون هم حساب هذه الرقابة، وحساب هذه الرعاية، في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم؛ ويلجؤون إليه أول ما يلجؤون، واثقين أنه قريب مجيب.
ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتابًا مفتوحًا موصولا بالقلب البشري، يصنع به حين يتفتح له ما لا يصنعه السحر؛ ويحول مشاعره بصورة تحسب أحيانًا في الأساطير!
وفيها بدأ نزول القرآن منجمًا، بعد نزوله جملة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتابًا محفوظًا، يتلى إلى يوم القيامة، كما روى سيدي ابن عباس رضي الله عنهما، وسيأتي.
وفيها اصطُفي محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا خاتمًا، يفتح الله تعالى به القلوب الغلف، والأعين العمي، والآذان الصم..
وفيها بدأ تنزل الملائكة -مع الروح الأمين- بالبشائر والخيرات للمؤمنين..
وفيها (يُفرق كلُّ أمر حكيم) قال الأستاذ سيد قطب عليه رحمات الله ورضوانه:
وقد فرق فيها بهذا القرآن في كل أمر، وفصل فيها كل شأن، وتميز الحق الخالد والباطل الزاهق، ووضعت الحدود، وأقيمت المعالم لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين؛ فلم يبق هناك أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح ولا مرسوم في دنيا الناس، كما هو واضح ومرسوم في الناموس الكلي القديم. وكان ذلك كله بإرادة الله وأمره، ومشيئته في إرسال الرسل للفصل والتبيين!
وفيها اعتبر الزمان ذا قيمة، وصارت المساحة الضئيلة منه معتبرة (والليل/ والفجر/ والضحى/ أو هم قائلون/ والعصر/ حين تمسون وحين تصبحون....) ولتغلب منه الليلة الدهور والقرون والآماد!
وفيها اصطفي العرب أمةَ الأقربين للنذارة، والعربيةُ لسانَ الوحي، ووعاءَ التنزيل!
وفيها اكتمل الدين، وصار الكتاب للبشرية كلها، بعد أن كانت الأديان محلية لأقوام مخصوصين، وصار العالم (قرية دعوية واحدة) والبشر في مستوى واحد، ليس فيهم أمة مختارة، وأمة مبعدة، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى!
فهل في الزمن ليلة يمكن أن تنازعها الشرف، أو تجاذبها الفضل؟
ولا يخفي أن الإنزال دليل على علو العلي الأعلى علو المكان والمكانة، وعلو القدرة، وعلو القهر والتمكن..
وفي الآية الأولى من السورة نص على أن القرآن لم ينزل في غير ليلة القدر؛ في تنزيليه: التنزيل الكلي من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وبداية التنزيل المنجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غار حار حراء، في هذه الليلة على التحديد، وليس في العشرين الأولى من الشهر الكريم، ولا في الليالي الشفع الأخرى من العشر الأواخر.
قال في التحرير والتنوير: ومعنى (بإذن ربهم) أن هذا التنزيل كرامة أكرم الله بها المسلمين؛ بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته - وفيهم أشرفهم - وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى؛ ليلة نزوله بالوحي في غار حراء.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟
قال: أنا كنت أسأل الناس عنها – أي أكثرهم سؤالًا - قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟
قال صلى الله عليه وسلم: "بل هي في رمضان".
قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت؛ أم هي إلى يوم القيامة؟
قال صلى الله عليه وسلم: "بل هي إلى يوم القيامة".
قلت: في أي رمضان هي؟
قال صلى الله عليه وسلم: "التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر".
ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟
قال صلى الله عليه وسلم: "ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها".
ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟
فغضب علي صلى الله عليه وسلم غضبًا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال:
"التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها".
والحديث فيه ضعف، وإن جاءت أحاديث صحيحة كثيرة تؤكد معنى أجزائه، غير قوله (في العشر الأول) والله أعلم.
ثانيًا: محور القدر:
القدْرُ في اللغة هو القضاء والحكم، وهو قياس الشيء وتقديره، ومنه قول أمنا عائشة رضوان الله عليها: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحَرِيصَةِ علَى اللَّهْوِ، أي: قدروا وقايسوا، وانظروه، وفكروا فيه. قال في اللسان:
والقدر القضاء، والحكم وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء، ويحكم به من الأمور، قال الله عز وجل: إنا أنزلناه في ليلة القدر؛ أي: الحكم، كما قال تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم ؛ وأنشد الأخفش لهدبة بن خشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقدْرِ *** *** وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
وقدْر كل شيء ومقداره: مبلغه؛ ومنه قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)؛ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه...
والقدر: المنزلة والمكانة..
والقدر: كالقدَر، وجمعهما جميعًا أقدار..
والقدْر التضييق، ومنه قوله تعالى: (ومن قُدر عليه رزقه)؛ أي: ضُيق عليه، وكذلك قوله تعالى: (وأما إذا ما ابتلاه فقَدر عليه رزقَه....) فضيق عليه، ومنه قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه) أي نضيق، وقد ضيق الله على يونس عليه السلام أشد تضييق ضيقه على معذب في الدنيا؛ لأنه سجنه في بطن حوت فصار مكظومًا!
قال في التحرير والتنوير: وإظهار لفظ (ليلة القدر) في مقام الإضمار للاهتمام، وقد تكرر هذه اللفظ ثلاث مرات.
والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالبًا، كقوله تعالى: (وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب).
قال القرطبي: قوله تعالى: (في ليلة القدر) قال مجاهد: في ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير؛ سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة؛ من أمر الموت والأجل والرزق وغيره.
ولهذه المعاني العربية كلها دلالات مهمة في تفسير معنى القدر، وفيها لطائف منسية:
أولًا: قيمة المنزَل من المنزِل، وقيمة التقدير من المقدر، والله تعالى هنا هو المنزل، وهو الذي أعطى القدر لهذه الليلة العظيمة؛ فلا تنازعها ليلة أخرها قدرها؛ ما يكون وما ينبغي!
ثانيًا: قدر العبادة بقدر ثوابها، وقد روى البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه، ومَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه).
ثالثًا: قدر الاعتبار هنا غير قابل للمنافسة: خير من ألف شهر – على ظاهر اللفظ – أو من الزمان كله الذي ليس فيه ليلة القدر؛ على المعتى اللغوي الآخر!
لطيفة لغوية:
قال القرطبي: قال الفراء: كل ما في القرآن من قوله تعالى: (وما أدراك) فقد أدراه. وما كان من قوله: (وما يدريك) فلم يدره!
وقد وردت: (وما يدريك) ثلاث مرات في المصحف الشريف، في قوله تعالى: (وما يدريك؛ لعل الساعة تكون قريبًا) الأحزاب:63، وفي قوله تعالى: (لعل الساعة قريب) الشورى:17، وقوله تعالى: (وما يدريك؛ لعله يزكّى) [عبس: 3].
أقوال المفسرين في سبب التسمية:
للمفسرين أقوال في تسمية هذه الليلة العظيمة بليلة القدر، توافق اللغة والوحي، وتفاجئنا أحيانًا، ومنها:
قال الإمام القرطبي: إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر؛ أي شرف ومنزلة. قاله الزهري وغيره.
2. وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك؛ لأن من لم يكن له قدر ولا خطر، يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها، وقبل الله منه، فأكرمه، ورفع قدره.
3. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق.
4. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلا.
5. وقيل: سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتابًا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر.
6. وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر.
7. وقيل: لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة.
8. وقال سهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين.
وأقول -وأستغفر ربي سبحانه- إنها سميت بذلك؛ لأن العليم الخبير تبارك وتعالى سماها ليلة القدر، فهو اسمها الإلهي، وعلتها الكبرى..
ثالثًا: محور خيريتها، واختلاف قيمتها، وزيادة العمر بها:
ليست على الظاهر بألف شهر!
لا تقدر قيمة ليلة القدر بالوقت من المغرب للفجر كسائر الليالي؛ بل هي مختلفة في عظمها وحجمها وبركتها:
فمن المعاني العجيبة في قيمتها ما قاله الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:
... عنى بألف شهر: جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء؛ كما قال تعالى: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) يعني جميع الدهر. أي يود لو عاش للأبد فلم يمت!
وقال في التحرير والتنوير: وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: (واحدٌ كألف) وعليه جاء قوله تعالى: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر، للرعي على الفاصلة، التي هي بحرف الراء.
والمعنى الثاني أنها تعنى: الأفضلية على ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذا قول أبي العالية رحمه الله، وجمهرة العلماء.
قال سيدي الإمام مالك في الموطأ: إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته - ألا يبلغوا من العمل مثلما بلغ غيرهم في طول العمر - فأعطاه الله ليلة القدر، خيرًا من ألف شهر "اهـ.
وخيريتها هنا بحسب ما يقع فيها من الخير والثواب والبركة:
قال القرطبي: (ليلة القدر خير من ألف شهر) بين فضلها وعظمها.
وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل.
وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. والله أعلم.
ومعنى هذا أننا يمكن أننا يمكننا أن نضاعف أعمارنا بعمل مئات السنين، فمن يدرك
ليلة القدر عشر مرات فكأنما عاش ثلاثًا وثلاثين وثمانمائة عام، ومن أدركها عشرين مرة فكأنما عاش ستًّا وستين وستمائة وألف من الأعوام، وهكذا..
وتخيل أخي أن أموت أو تموت في متوسط أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتب الله تعالى في كتاب حسناتك أعمال ألف سنة أو أكثر..
أليس معنى هذا أننا نكافأ كما لو عشنا أطول من أعمار أطول الناس أعمارًا من الغابرين؟
رابعًا: محور السلام في ليلة القدر:
السلام هو كف الأذى عن الناس وحسن معايشتهم.. قال في لسان العرب:
السلام والسلامة: البراءة وقال ابن الأعرابي: السلامة العافية وقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون، قالوا: سلامًا) معناه تسلمًا وبراءة، لا خير بيننا وبينكم ولا شر!
قال ابن عرفة: أي قالوا قولًا يتسلمون فيه، ليس فيه تعدٍّ ولا مأثم، وكانت العرب في الجاهلية يحيون بأن يقول أحدهم لصاحبه: أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، ويقولون: سلام عليكم، فكأنه علامة المسالمة، وأنه لا حرب هنالك، ثم جاء الله بالإسلام فقصروا على السلام، وأمروا بإفشائه.
وقوله عز وجل: (سلام هي حتى مطلع الفجر) أي لا داء فيها، ولا يستطيع الشيطان أن يصنع فيها شيئًا..
والسلام والتحية معناهما واحد، ومعناهما السلامة من جميع الآفات، ولم يرد في القرآن غالبًا إلا منكّرًا، كقوله تعالى: (سلام عليكم بما صبرتم) والسلام في الأصل: السلامة، ومنه قيل للجنة: دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات. وروى يحيى ابن جابر أن أبا بكر رضي الله عنهم قال: السلام أمان الله في الأرض.
قال الزجاج: سميت دار السلام؛ لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع ولا تفنى، وهي دار السلامة من الموت والهرم والأسقام!
ويطلق السلام على التحية والمدحة، وفسر السلام بالخير؛ والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير؛ لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلام: العافية، والغفران، وإجزال الثواب، واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة.
والسلام بمعنى التحية والقول الحسن، مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة؛ فيما حكاه قوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم - بما صبرتم - فنعم عقبى الدار). قال مجاهد: هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى. وروي مرفوعًا.
وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر؛ يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن.
وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها.
والحاصل هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر، فهذه بشارة.
وهل في ذلك إشارة أن المسلم الذي يحييها لن يصيبه ضر، ولا أذى، ولا مرض، ولا عناء، ولا وباء، ولا بلاء، إلا الموت؟
وأن الله تعالى يعطيه الأمان في هذه الليلة من كل ما يضره؛ لأنها ليلة سلام!؟
أم فيها أمر من الله تعالى – في صيغة الخبر – بأن يكون المسلمون فيها مسالمين، فيكفوا أيديهم وألسنتهم عن الخلائق، لا يلحقهم منهم أذى؟
أم فيها إشارة إلى أن الإسلام من أول نزوله جاء بالسلام على العالمين، خصوصًا، وأن جذره اللغوي (س ل م) مشترك مع السلامة، والمسالمة، وهو اسم من أسماء الرحمن الرحيم سبحانه، عكس الأديان الأخرى المنسوبة لأنبيائها ومصلحيها؟
خامسًا: علاماتها
لا يزال أكثر من يتكلمون عن علامات ليلة القدر يتحدثون عن العلامات المادية الطبيعية التي كانت زمن النبي صلى الله عليه وسلم: الضوء، والحرارة والماء والطين، وما شابه، مركزين على ما ورد من نصوص، تصف الحالة أيامئذٍ، كما في البخاري عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان، قال: فخرجنا صبيحة عشرين، قال: فخطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين فقال: (إني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر، فإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، ومن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرجع). فرجع الناس إلى المسجد، وما نرى في السماء قزعة، قال: فجاءت سحابة فمطرت، وأقيمت الصلاة، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطين والماء، حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته!
وكما ورد في حديث سيدي أبي رضي الله عنه في مسلم مرفوعًا: (أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها)..
وكما ورد في الصحيحة عن سيدي عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (ليلة القدر ليلة بلجة، لا حارة ولا باردة، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامة يومها تطلع الشمس لا شعاع لها).
والسؤال الآن: ما شأن الطقس المختلف عن طقس المدينة المنورة آنذاك، في البلاد المطيرة دائمًا، والبلاد الحارة دائمًا، والبلاد طويلة الليل جدًّا، وطويلة النهار جدًّا، من التي لا تظهر فيها العلامات التي ذكرها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وهل غياب العلامات المادية المذكورة دليل عدوم وقوع الليلة في هذه البلاد؟
هذا أمر غير معقول، والذي أظنه -والله تعالى أعلى وأعلم- أن علامات الليلة شخصية قلبية وسلوكية، أكثر منها علامات مادية، بحلولها:
• تحل على الإنسان طمأنينة القلب، وانشراح الصدر..
• ويذوق لذة الطاعة، فيجد في تلك الليلة أكثر مما يجده في بقية الليالي..
• كما يجد في عبادته من حب العبادة ما لم يجده من قبل..
• وقد يُري الله الإنسان الليلة في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم..
• كما يحسن بعد رمضان سلوك العبد، ويصير إلى الله تبارك وتعالى أقرب، وبالطاعة أطوع، ويحبب إليه القرآن والقيام والذكر والصلاة، والعبادات التي كان يقوم بها في رمضان وليلة القدر..
ليلة القدر في ظلال القرآن:
لا يفوتني هنا أن أسجل كلام (السيد) رحمه الله وتجليات السورة في نفسه، قال عليه رحمات الله:
والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري: (وما أدراك ما ليلة القدر؟) وذلك بدون حاجة إلى التعلق بالأساطير التي شاعت حول هذه الليلة في أوهام العامة.
فهي ليلة عظيمة؛ باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن. وإضافة هذا النور على الوجود كله، وإسباغ السلام الذي فاض من روح الله على الضمير البشري، والحياة الإنسانية، وبما تضمنه هذا القرآن من عقيدة وتصور وشريعة، وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير. وتنزيل الملائكة وجبريل عليه السلام خاصة، بإذن ربهم، ومعهم هذا القرآن؛ باعتبار جنسه الذي نزل في هذه الليلة، وانتشارهم فيما بين السماء والأرض في هذا المهرجان الكوني، الذي تصوره كلمات السورة تصويرًا عجيبًا!
وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصورات القلوب والعقول، فإننا نرى أمرًا عظيمًا حقًّا. وندرك طرفًا من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة: (وما أدراك ما ليلة القدر)؟
لقد فرق فيها من كل أمر حكيم. وقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين. وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد: أقدار أمم ودول وشعوب. بل أكثر وأعظم.. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب!
ولقد تغفل البشرية - لجهالتها ونكد طالعها - عن قدر ليلة القدر، وعن حقيقة ذلك الحدث، وعظمة هذا الأمر. وهي منذ أن جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي؛ سلام الضمير، وسلام البيت، وسلام المجتمع الذي وهبها إياه الإسلام. ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة. فهي شقية، شقية علىالرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش!
لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى. وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب. فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين.
ونحن المؤمنين مأمورون ألا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى؛ وقد جعل لنا نبينا صلى الله عليه وسلم سبيلًا هينًا لينًا لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبدًا، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها؛ وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان..
في الصحيحين: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان"..
وفي الصحيحين كذلك: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"
والإسلام ليس شكليات ظاهرية. ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام في هذه الليلة أن يكون «إيمانًا واحتسابًا».. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة «إيمانًا» وليكون تجردًا لله وخلوصًا «واحتسابًا». ومن ثم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام. ترتبط بذلك المعنى الذي نزل به القرآن.
والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها، وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر، ولا تقف عند حدود التفكير.
وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك. وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة!
جزء في الأحاديث الصحيحة عن ليلة القدر:
هذه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحريت صحتها، أقدم من خلالها صورة شاملة لليلة القدر كما وردت في السنة المعظمة، من زوايا مختلفة، سائلا الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجبر تقصيري ونقصي:
انتظار النبي صلي الله عليه وسلم إياها واحتفاؤه بها:
في البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجاور في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ويقول: (تَحَرَّوْا ليلة القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ). والمجاورة الاعتكاف في المسجد.
وفي مسلم عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان؛ يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له.... الحديث.
علة إخفائها عن المسلمين:
في صحيح الجامع عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر.
وفي صحيح الجامع عن سيدي أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه يرفعه: يأيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر: وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، ومعهما الشيطان فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة).
وفي مسلم عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان. يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له. فلما انقضين أمر بالبناء فقوض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: "يأيها الناس! إنها كانت أبينت ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر
الأواخر من رمضان؛ التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"..
قلت (أبو نضرة الراوي): يا أبا سعيد! إنكم أعلم بالعدد منا.
قال: أجل. نحن أحق بذلك منكم. قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟
قال: إذا مضت واحدة وعشرين فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة.. فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة. فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة.
علاماتها الحسية:
في الصحيحين (واللفظ لمسلم) عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن سيدي أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، قال: تذاكرنا ليلة القدر، فأتيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه -وكان لي صديقًا- فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة.
فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر؟
فقال: نعم. اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الوسطى من رمضان. فخرجنا صبيحة عشرين، فخطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني أريت ليلة القدر. وإني نسيتها (أو أنسيتها) فالتمسوها في العشر الأواخر من كل وتر. وإني أريت أني أسجد في ماء وطين. فمن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرجع).
قال: فرجعنا وما نرى في السماء قزعة. قال: وجاءت سحابة فمطرنا؛ حتى سال سقف المسجد - وكان من جريد النخل - وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته.
وفي رواية: بهذا الإسناد، نحوه. وفي حديثهما: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، وعلى جبهته وأرنبته أثر الطين.
وفي مسلم عن سيدي عبد الله بن أنيس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريتُ ليلةَ القدرِ ثم أُنسيتُها. وأراني صُبحَها أسجدُ في ماءٍ وطينٍ)!
قال: فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، فصلى بنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؛ فانصرفَ وإن أثرَ الماءِ والطينِ على جبهتِه وأنفِه!
وفي مسلم عن سيدي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر. فقال أبيّ:
والله الذي لا إله إلا هو! إنها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) ووالله إني لأعلم أي ليلة هي: هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها؛ هي ليلة صبيحة سبع وعشرين. وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء، لا شعاع لها.
وفي صحيح الجامع عن سيدي وائلة بن الأسقع، وعبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما مرفوعُا: (ليلة القدر ليلة بلجة، لا حارة ولا باردة، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامة يومها تطلع الشمس لا شعاع لها).
وفي صحيح سنن ابن خزيمة، عن سيدي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: (إني كنت أريت ليلة القدر، ثم نسيتها وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي ليلة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة).
وفي الجامع الصغير، بسند صحيح، عن سيدي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يرفعه: (ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء).
متى يتحراها المسلم؟
في البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجاور في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ويقول: (تَحَرَّوْا ليلة القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ).
وفي الصحيحين عن سيدي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُرُوا ليلةَ القدرِ، في المنامِ، في السبعِ الأواخرِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أَرَى رؤياكم قد تواطَأَتْ في السبعِ الأواخرِ، فمَن كان مُتَحَرِّيها فلْيَتَحَرَّها في السبعِ الأواخرِ).
وفي صحيح مسلم عن سيدي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: (التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر) فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي).
وفي مسلم عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (..... التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)!
قلت: يا أبا سعيد! إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل. نحن أحق بذلك منكم. قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟
قال: إذا مضت واحدة وعشرين فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة..
فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة.
فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة.
وفي الترمذي عن سيدي أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر؛ فإني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: (التمسوها في تسع بقين، أو في سبع بقين، أو في خمس بقين، أو في ثلاث أواخر ليلة).
ترجيح كونها ليلة السابعة والعشرين:
في مسلم عن سيدي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه سئل: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر.
فقال: رحمه الله! أراد ألا يتكل الناس؛ أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف لا يستثنى. أنها ليلة سبع وعشرين.
فقلت: بأي شيء تقول ذلك؟ يا أبا المنذر!
قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها.
وفي الصحيح المسند للوادعي أن سيدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا أتي
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير يشق علي القيام،
فأمرني بليلة، لعل الله يوفقني فيها، ليلة القدر؟ قال: (عليك بالسابعة).
نزل القرآن نزولين في ليلة القدر:
في عمدة التفسير بسند صححه شاكر عن سيدي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأله عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك: قول الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)، وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)، وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع؟
فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه أنزل في رمضان، في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام.
تنزل الملائكة والروح فيها:
في الجامع الصغير بسند صحيح عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (ليلة القدر ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى)!
الدعاء المأثور فيها:
في الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
قلت: يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟
قال صلى الله عليه وسلم: (قولي: اللهم إنك عفو كريم، تحب العفو، فاعف عني).
الاعتكاف في العشر الأواخر تحريًا لها:
في البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجاور في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ويقول: (تَحَرَّوْا ليلة القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ).
الإيمان والاحتساب بابا المغفرة:
في البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (من قام ليلةَ القدرِ
إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه، ومَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه).
في صحيح سنن النسائي عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (من صام رمضان - وفي لفظ: من قام شهر رمضان - إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه).
الكرامة حتى بعد ليلة القدر:
في كشف اللثام للسفاريني الحنبلي عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا بسند ضعفه بعضهم: (أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطه أمه قبلهم:
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك..
وتستغفر له الملائكة حتى يفطر..
ويزين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى، ويصيروا إليك..
وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.. ويغفر لهم في آخر ليلة).
قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟
قال صلى الله عليه وسلم: (لا؛ ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله).
الرباط في سبيل الله خير من ليلة القدر:
في صحيح الترغيب عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (موقف ساعة في سبيل الله؛ خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود).
وفي صحيح الترغيب عن سيدي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: (ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف، لعله ألا يرجع إلى أهله)!
قيمة العشاء جماعة:
في الجامع الصغير بسند حسن عن سيدي أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر).
فضائلها
لليلة القدر جملة فضائل ليست لغيرها من الليالي؛ خصها الله تعالى بها، وهو يصطفي من يشاء، وما يشاء، كما يشاء:
• فهي ليلة مباركة كثيرة الخير وتنزُّل الرحمات، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة).
• وهي التي يَفرق الله تعالى كل أمر خيِّر نافع حكيم: (فيها يُفرقُ كل أمر حكيم)
• وهي التي فيها أنزل القرآن الكريم (إنا أنزلناه في ليلة القدر.)
• وهي التي تعدل ألف شهر في أقل تقدير، ثوابًا وعبادة وبركة (ليلة القدر خير من ألف شهر).
• وهي التي تشهد نزول الملائكة لشهود الخير ومباركة المؤمنين: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم).
• وهي ليلة السلام المطلق للأرواح، والعتق من النيران، من أولها لآخرها: (سلام هي؛ حتى مطلع الفجر)!
• وهي التي يغفر الله تعالى فيها الذنوب الماضية كلها: (من قام ليلة القدر؛ إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه).
• وهي التي شهدت انبثاق الوحي وإشعاع النور الإسلامي على البشرية بعد انقطاع طويل.
• وفيها اصطُفي محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا خاتمًا، يفتح الله تعالى به القلوب الغلف، والأعين العمي، والآذان الصم..
• وفيها بدأ تنزل الملائكة – مع الروح الأمين - بالبشائر والخيرات للمؤمنين..
• وفيها اعتبر الزمان ذا قيمة، وصار المساحة الضئيلة منه معتبرة (والليل/ والفجر/ والضحى/ أو هم قائلون/ والعصر/ حين تمسون وحين تصبحون....) ولتغلب منه الليلة الدهور والقرون!
• وفيها اصطفي العرب أمة الأقربين للنذارة، والعربية لسان الوحي، ووعاء التنزيل!
• وفيها اكتمل الدين، وصار الكتاب للبشرية كلها، بعد أن كانت الأديان محلية لأقوام مخصوصين، وصار العالم (قرية دعوية واحدة) والبشر في مستوى واحد، ليس فيهم أمة مختارة، وأمة مبعدة، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى!
ومناقبها جمة تجد مزيدًا منها في جزء أحاديث ليلة القدر الذي جمعته، في نهاية هذه الرسالة، سائلًا الله تعالى القبول.
ماذا علينا فيها؟
ماذا على المسلم في ليلة القدر – بعيدًا عن البدع، وعن التقاليد المتوارثة غير المعقولة – سؤال لا بد من الإجابة عنه، أجاب عنه سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم:
• تحريها واستشرافها، فقد قال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان).
• قيام ليلها في العبادة والطاعة، خصوصًا الصلاة الطويلة، فقد قال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (... ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
• صدق الإيمان، وابتغاء وجه الله تعالى فيه، بعيدًا عن البدعة، وعن الرياء والسمعة؛ للحديث الذي مر.
• الدعاء بالأدعية المأثورة، فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فيما رواه قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال صلى الله عليه وسلم: (قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني).
• بذل السلام للعالم وكف الأذى: فقد قال الله تعالى: (سلامٌ هي حتى مطلع الفجر) فهي سلام من الله تعالى للمسلمين، وسلام من المسلمين بعضهم وبعض.
- الكلمات الدلالية
- ليلة القدر
- رمضان
- العشر الأواخر
د. عبد السلام البسيوني