path

حدث في رمضان: زواج أمنا سودة بنت زمعة رضي الله عنها

article title

قَلَّ من يعرف عن أم المؤمنين سودة رضي الله تعالى عنها أطول الأمهات يدا، التي اختارت رسول الله وأبت إلا أن تكون معه في الجنة، رضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين جميعا. 

السيدة الجليلة النبيلة، القرشية، العامرية، السابقة إلى الإسلام، المهاجرة إلى الله ورسوله، أول مَن تزوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد أمنا خديجة، حتى دخل بعائشة رضي الله عنهن جميعا، وكانت أولًا زوجها سيدي السكران بن عمرو، أخي سيدي سهيل ابن عمرو العامري، رضي الله عنهما، وعندما قَدِمَ بها من الحبشة تُوفِّيَ عنها؛ فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لها وإكرامًا.

تزوجها سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة عشر من النبوة، وهاجر بها، وماتت رضي الله عنها بالمدينة في شوَّال سنة أربع وخمسين، وقيل تُوفِّيَت في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل إنها أول من مِتن من أمهات المؤمنين الكرائم بعد انتقال صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى. والأصح أن زينب بنت جحش هي أول أمهات المؤمنين وفاةً سنة 20 هـ.

  • ومن طريف ما ورد في زواجها، ما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى: أنها رأت في المنام كأنّ النبيّ ﷺ أقبل يمشي حتى وطئ على عُنقها! فأخبرت زوجها السَّكْرَان بن عَمْرو بذلك فقال: وأبيك لئن صَدَقَت رؤياك لأموتنّ وليتزَوّجنّك رسول الله ﷺ!

     فقالت: حجرًا وسترًا. تنفي عن نفسها ذاك (كأنها تقول: الله يطوِّل عمرك يا زوجي)! 

     ثمّ رأت في المنام ليلةً أُخرى أنّ قَمَرًا انقضّ عليها من السماء وهي مُضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: وأبيك لئن صَدَقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرًا حتى أموت وتزوّجين من بعدي. 

     فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات.  

  • زواجها بسيدي المصطفى: في مستدرك الحاكم/ 2742 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: لمَّا تُوفِّيتْ البرة المقدَّمة خَديجةُ رضي الله تعالى عنها قالت خَولَةُ بنتُ حَكيمِ بنِ أُميَّةَ بنِ الأَوْقَصِ امرأةُ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ؛ وذلك بمكَّةَ: أيْ رسولَ اللهِ، ألا تَزَوَّجُ؟ قالَ: ومَنْ؟ قالتْ: إنْ شئتَ بِكْرًا، وإنْ شئتَ ثَيِّبًا!

     قالَ: ومَنِ البِكْرُ؟ قالت: ابنةُ أَحَبِّ خَلقِ اللهِ إليكَ: عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ.

     قالَ: ومَنِ الثَّيِّبُ؟ قالتْ: سَودَةُ بنتُ زَمْعةَ بنِ قَيْسٍ قد آمَنَتْ بكَ، واتَّبعَتْكَ على ما أنتَ عليه.

     قالَ: فاذْهَبي فاذكُريهِما، فجاءتْ فدَخَلَتْ بيتَ أبي بكرٍ، فقالتْ: يا أبا بكرٍ، ماذا أَدْخَلَ اللهُ عليكَ مِنَ الخيرِ والبَركَةِ؛ أَرْسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَخطُبُ عليه عائشةَ.

     قالَ: ادْعي لي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فدَعَتْه فجاءَ فأَنكَحَه وهي يومئذٍ ابنةُ سبعِ سنينَ.

     وفي الأحاديث المختارة للضياء المقدسي/11 / 20 عن سيدي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ امْرَأةً مِن قَوْمِه، يقالُ لها: سَوْدةُ. وكانَتْ مُصْبِيةً -وكانَ لها خَمْسةُ صِبْيةٍ أو سِتَّةٌ مِن بَعْلٍ لها ماتَ- فقالَ لها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما يَمنَعْك مِنِّي؟

قالَتْ: واللهِ يا نَبيَّ اللهِ ما يَمنَعُني مِنك ألَّا تكونَ أَحَبَّ البَرِيَّةِ إليَّ، ولكنْ أُكرِمُك أن تَضْغوَ هؤلاء الصِّبْيةُ عِنْدَ رَأسِك بُكْرةً وعَشِيَّةً.

     قالَ: أَمَا يَمنَعُك مِنِّي شيءٌ غَيْرُ ذلك؟ قالَتْ: لا، واللهِ، فقالَ لها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:

 يَرحَمُك اللهُ، إنَّ خَيْرَ نِساءٍ رَكِبْنَ أعْجازَ الإبِلِ صالِحُ نِساءِ قُرَيشٍ؛ أَحْناهُ على وَلَدٍ في صِغَرِه، وأَرْعاه على بَعْلٍ في ذاتِ يَدِه!

  • وعرفت رضي الله تعالى عنها بمرحها وخفة روحها، وكانت تُضحك النبي ﷺ أحيانًا، فقد أورد ابن سعد في الطبقات أنها قالت له ﷺ: صليت خلفك الليلة، فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك! أي إنه ﷺ أطال بها الصلاة حتى تعبت.
  • ومن لطائف ما حصل معها ما رواه أحمد في فضائل الصحابة/504، والنسائي في السنن الكبرى 8868، وأبو يعلى/ 4476 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: صَنعتُ حريرةً وعِندي سودَةُ بنتُ زَمعةَ جالِسةٌ، فقُلتُ لَها: كُلي، فقالت: لا أشتَهي ولا آكلُ!

    فقلتُ: لتأكُلِنَّ أو لأُلطِّخنَّ وجهَكِ، فلطَّختُ وجهَها، فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعَلى آلِهِ وسلَّمَ وَهوَ بيني وبينَها، فأخذَتْ هي منها فلطَّخَت وجهي، ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يضحَكُ!

  • وكانت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها ذات أخلاق حميدة، تحب الصدقة كثيرًا، قالت عنها عائشة رضي الله عنها: اجتمع أزواج النبي عنده ذات يوم، فقلن: يا رسول الله أيّنا أسرع بك لحاقًا؟ قال: أطولكن يدًا، فأخذنا قصبة وذرعناها؟ فكانت سودة أطول ذراعًا، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفنا بعد ذلك أن طول يدها كانت من الصدقة. 
  • وحدث أن بعث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى سودة بغرارة دراهم، فقالت: في الغرارة مثل التمر؟ يا جارية: افتحيها، ففرقتها. (الإصابة، بسند صحيح). 
  • وهي التي وهبتْ يومها لأمنا عائشة؛ رعايةً لقلب رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ امرأةً أحبَّ إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة. 

     ونصه في مسلم/1463 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ

 إلَيَّ أَنْ أَكُونَ في مِسْلَاخِهَا مِن سَوْدَةَ بنْتِ زَمْعَةَ، مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ، قالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَومَهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، قدْ جَعَلْتُ يَومِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَومَيْنِ، يَومَهَا وَيَومَ سَوْدَةَ.

    (لقد كانت أمُّ المؤمنينَ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعةَ رضي الله تعالى عنها زَوجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مِن العابِداتِ الزَّاهِداتِ، وكان زَوجاتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَعرِفنَ الفضْلَ لبعضِهنَّ، ويَعرِفْنَ ما تَتميَّزُ به كلُّ واحدةٍ منهنَّ عن الأُخرياتِ. وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ رَضِي اللهُ عنها أنَّها ما تَمنَّت وما أحبَّتْ أنْ تَكونَ مِثلَ امرأةٍ مِن زَوجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أو تكونَ مَكانَها، إلَّا سَوْدةَ بنتِ زَمْعةَ؛ فإنَّها تمَنَّت وأحبَّتْ أنْ تُصبِحَ مِثلَها في العِبادةِ والطَّاعةِ، وفي مِثلِ هَدْيِها وطَريقِها، والمِسْلاخُ: الجِلْدُ، ومعناه: أنْ أكونَ أنا هي في الأوصافِ الَّتي استَحْسَنْتُ منها، فلمَّا كَبِرَتْ سَوْدةُ في السِّنِّ جَعَلَتْ يَومَها مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لِعائشةَ رضي الله عنها، مِن رَجاحةِ عَقْلِها؛ فقدْ جَعلَتْ يَومَها لأَكثَرِ النِّساءِ؛ ما يبين عن حُبِّ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم له، وسَعيِهنَّ في مَرضاتِه، وإرشادُ الزَّوجةِ إلى تَرضيةِ زَوجِها بما يُحِبُّ) الدرر.

  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها سؤالها النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستَطيعُ أن يَحُجَّ، قال: (أرَأيتَكَ لَو كان على أبيكَ دَينٌ فقَضَيتَه عنه قُبِلَ مِنكَ)؟ قال: نَعَم، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فاللهُ أرحَمُ، حُجَّ عن أبيكَ) المسند لشعيب/27417.
  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها ما رواه البخاري/5237 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أن سودة خرَجَتْ لَيْلًا فَرَآها سيدي عُمَرُ رضي الله تعالى عنه فَعَرَفَها، فقالَ: إنَّكِ واللَّهِ يا سَوْدَةُ ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا، قالت: فَرَجَعَتْ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرَتْ ذلكَ له، وهو في حُجْرَتي يَتَعَشَّى، وإنَّ في يَدِهِ لَعَرْقًا، فأنْزَلَ اللَّهُ عليه، فَرُفِعَ عنْه وهو يقولُ: قدْ أذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحَوائِجِكُنَّ.

    ونزلت الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب:59.

  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها ما رواه البخاري/1681 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَوْدَةُ أنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ -وكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً- فأذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وأَقَمْنَا حتَّى أصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كما اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ، أحَبُّ إلَيَّ مِن مَفْرُوحٍ بهِ.
  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها ما ورد في صحيح سنن أبي داود:1/73، عن سيدي محمد الباقر ابن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنَّ سَودةَ استُحيضَتْ، فأمرَها النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا مَضت أيَّامُها اغتَسَلَت وصلَّت، ثم قال صلى الله عليه وسلم: المستَحاضةُ تجلِسُ أيَّامَ قُرْئِها)؛ أي إن المرأة التي اسْتَمرَّ بها الدَّمُ بَعْدَ أيَّامِ الحيضِ ومُدَّتِه، لا تصلي أيام حَيضِها الطَّبيعيِّ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وتُصلِّي مَعَ اسْتِمرارِ دَمِ الاسْتِحاضةِ، ولكِنَّها تَشُدُّ على فَرْجِها بثوبٍ؛ حتَّى لا يَنْزِلَ مِنْها الدَّمُ.
  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها سؤالها النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (يُبْعَثُ الناسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، يُلْجِمُهُمُ العَرَقُ، ويبلغُ شَحْمَةَ الأُذُنِ، قالتْ سودةُ: يا رسولَ اللهِ! واسَوْءَتَاهُ! ينظرُ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ؟! قال: شُغِلَ الناسُ عن ذلكَ. وتَلا يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ): السلسلة الصحيحة/3469.
  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها أنها روت خمسة أحاديث، منها في الصحيحين حديث واحد في صحيح البخاري، وروى عنها ساداتنا عبد الله بن عباس ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أسعد بن زرارة الأنصاري وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وخرَّج لها أبو داود والنسائي والدارمي في سننه، وأخرج لها أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثة أحاديث. 
  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها ما ورد في البخاري/ 1420 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي

 الله تعالى عنها أنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قُلْنَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بكَ لُحُوقًا؟ قالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا!

     فأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أنَّما كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا به، وكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.

    ولما توفيت رضي الله تعالى عنها سجد سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، فقيل له في ذلك؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم آية فاسجدوا، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

  • ومن بركاتها رضي الله تعالى عنها تلك المؤامرة النسائية التي نزلت بسببها سورة التحريم؛ فيما رواه البخاري/5268 عن سيدتي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

     كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحِبُّ العَسَلَ والحَلْوَاءَ، وكانَ إذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ علَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِن إحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ، فَاحْتَبَسَ أكْثَرَ ما كانَ يَحْتَبِسُ، فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عن ذلكَ، فقِيلَ لِي: أهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِن قَوْمِهَا عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منه شَرْبَةً!

    فَقُلتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ له، فَقُلتُ لِسَوْدَةَ بنْتِ زَمْعَةَ: إنَّه سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي: أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فإنَّه سَيقولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي له: ما هذِه الرِّيحُ الَّتي أجِدُ مِنْكَ، فإنَّه سَيقولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي له: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، وسَأَقُولُ ذَلِكِ، وقُولِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَاكِ!

    قالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللَّهِ ما هو إلَّا أنْ قَامَ علَى البَابِ، فأرَدْتُ أنْ أُبَادِيَهُ بما أمَرْتِنِي به فَرَقًا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا منها قالَتْ له سَوْدَةُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قالَ: لا، قالَتْ: فَما هذِه الرِّيحُ الَّتي أجِدُ مِنْكَ؟ قالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ!

    فَلَمَّا دَارَ إلَيَّ قُلتُ له نَحْوَ ذلكَ، فَلَمَّا دَارَ إلى صَفِيَّةَ قالَتْ له مِثْلَ ذلكَ، فَلَمَّا دَارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، ألَا أسْقِيكَ منه؟ قالَ: لا حَاجَةَ لي فيه!

    قالَتْ سَوْدَةُ: واللَّهِ لقَدْ حَرَمْنَاهُ، قُلتُ لَهَا: اسْكُتِي.

    وأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ؟ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ! فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ: مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ* إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا، وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ! وَجِبْرِيلُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ* عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ: مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)!

  • هي سودة بنت زمعة بن قيس العامرية القرشية، رضي الله تعالى عنها ثاني زوجات رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومن أمهات المؤمنين، ومن السابقين الأولين في الإسلام، والسَّودَة هي السفح المرتفع الغالب عليه السواد، والزَّمْعة هي النُّتْفَةُ من النَّباتِ أو المنخفضَ من الأرض، أو الشعرات المُدلاة في مؤخر رِجْل الشاة والظبي والأرنب.
  • هاجرت رضي الله تعالى عنها إلى المدينة المنورة مع سيديَّ الأمينين زيد بن حارثة وأبي رافع الأنصاري بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدها تزوج النبي صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، وكانت سودة رضي الله تعالى عنها قد أسنّت فوهبت ليلتها لعائشة، شهدت غزوة خيبر وحجة الوداع، 

  • أسلم زوجها وابن عمها السكران بن عمرو من بني عامر بن لؤيّ في بداية ظهور الإسلام، وأسلمت سودة معه، وبايعت النبي محمد، لما اشتد الأذى على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة؛ أذن النبي لأصحابه بالخروج والهجرة إلى الحبشة فقال: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي -أرض صدق- حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه)!
  • فهاجر السكران وسودة رضي الله تعالى عنها في الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان عدد المهاجرين ثلاثة وثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة. ومات السكران بأرض الحبشة، وقيل إنه رجع مكّة فمات بها قبل الهجرة إلى المدينة!
  • وحين حانت الهجرة إلى المدينة المنورة أمر النبي محمد زيد بن حارثة وأبا رافع الأنصاري أن يأخذا أهل بيته ليهاجروا إلى المدينة، فأخذا سودة ومعها فاطمة الزهراء وأم كلثوم بنت محمد وأم أيمن وأسامة بن زيد، رضي الله عنهم أجمعين، وكانت سودة رضي الله تعالى عنها كبيرة السن فخافت أن يفارقها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (يا رسول الله يومي الذي يصيبني لعائشة وأنت منه في حلّ) فقبله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك نزلت: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا)النساء: 128!
  • وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها، فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها عليّ؟ قال: لا، قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها. قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله ﷺ، فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى:8/ 43، وهو مرسل رجال إسناده ثقات.
  • شهدت سودة رضي الله تعالى عنها غزوة خيبر مع النبي وأطعمها النبي من الغنائم ثمانين وَسْقًا تمرًا وعشرين وَسْقًا شعيًرا، ويقال قمح. 
  • وشهدت رضي الله عنها معه حجة الوداع، ولم تحج بعدها ولزمت بيتها حتى وفاتها، فكانت تقول: لا أحج بعدها أبدًا، وتقول: حججت واعتمرت فأنا أقر في بيتي، كما أمرني الله عز وجل. وقد ورد في مسند أحمد/26751 وغيره عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ

 عليهِ وسلَّمَ قالَ لنسائهِ عامَ حجَّةِ الوداعِ: هذهِ ثمَّ ظُهورَ الحُصرِ. 

     فكانَ كلُّهنَّ يحججنَ إلَّا زينبَ بنتَ جحشٍ وسودةَ بنتَ زمعةَ، وكانتا تقولانِ واللَّهِ لا تحرِّكنا دابَّةٌ بعدَ أن سمِعنا ذلكَ منَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ.

  • عُرفت رضي الله تعالى عنها بكرمها، فعن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب بعث إليها بغرارة دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم. قالت: في الغرارة مثل التمر؛ يا جارية: بلغيني القِنع، ففرقتها كلها على الفقراء. أخرجه ابن سعد في الطبقات:10/ 56، والذهبي في السير:2/ 269. 
  • توفيت بالمدينة المنورة في شوال سنة أربعة وخمسون في خلافة أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه، ورجَّحه الواقدي، وقيل بل كانت أول أمهات المؤمنين وفاةً وتوفيت في أواخر خلافة عمر بن الخطاب، وإنما خلط بينهما بعض المُترجمين.

وفي أمنا سودة رضي الله تعالى عنها قالت الشاعرة الكويتية ندى الرفاعي:

من بعدِ أن رُزِئَ الهُدى بوفا *** ةِ أمِّ البنينِ خديجةِ البركاتِ

بيتُ النبوةِ صار بيتًا خاويًا *** يدعو إليه نُعومةَ النسماتِ

صارتْ بأمرِ اللهِ سَوْدةُ -يا لها *** من ذاتِ بِرٍّ- ثانيَ الزوجاتِ

كانت سليلةُ عامرٍ في بيتها *** مِعطاءةً وكثيرةَ الصدقاتِ

هي أسلمتْ، هي بايعتْ، هي هاجرتْ *** فلنِعْمَ سيرُ أوائلِ الخُطُواتِ

خرج الثمانيةُ الأوائلُ من بني *** أنسابها صدقًا بكلِّ ثباتِ

حتى إذا آن الأوانُ لعودةٍ *** للأرضِ أرضِ النورِ والدعواتِ

مات الخليلُ الزوجُ عنها راضيًا *** فترمَّلتْ وتألمتْ لمماتِ

فلذاك شُرِّفت الكريمةُ كي تكو *** نَ عقيلةً للبيتِ ذي الشُّرُفاتِ

كانت لطيفةَ معشرٍ ودُعابةٍ *** قد أدخلت فيضًا من البسماتِ

وهبتْ لعائشةَ الصديقةِ عندما *** كبُرتْ بحبٍّ ليلةَ النَفَحاتِ

طلبتْ مُكوثًا في الزواجِ لأنها *** رغِبتْ ببعثٍ يشملُ الزوجاتِ

وتتابعتْ صورُ اللواتي كُلُّهُنَّ *** حَوَينَ خيرَ فضائلِ الخَصَلاتِ

كَمُلَ النبيُّ، تعددتْ زيجاتُهُ *** رجُلٌ فريدٌ في عظيمِ صفاتِ

عُصِمَ النبيُّ فكان عقدُ زواجِهِ *** شأنَ اختيارِ اللهِ في الأوقاتِ

فلذاكَ كانتْ كلُّ زوجٍ ترتضي *** جُزءًا من المبعوثِ بالآياتِ

آذَتهُ غَيرتُهُنَّ وهْي لفِطرَةٍ *** وطبيعةٍ في أنفُسِ العَطِراتِ

لكنْ رسولُ اللهِ كان بحِلمِهِ *** يطوي الجَناحَ على أذى الهفواتِ

صلى عليك اللهُ يا نورَ الهدى *** يا أخيَرَ الأزواجِ والرحماتِ

والآلِ والصحبِ الكرامِ فإنهم *** مثلُ النجومِ الزُّهرِ في الظلماتِ

د. عبد السلام البسيوني د. عبد السلام البسيوني

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

محطات فاصلة في 17 رمضان

feather د. عبد السلام البسيوني

حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

feather د. عبد السلام البسيوني

اقرأ أيضا للإمام

article title

محطات فاصلة في 17 رمضان

article title

حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

article title

حدث في رمضان: وفاة المبرأة من فوق سبع سماوات

banner title

مقالات مرتبطة

د. عبد السلام البسيوني

محطات فاصلة في 17 رمضان

د. عبد السلام البسيوني

حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

د. يونس محمد صالح الزلاوي

العشريَّات الأربع الرمضانية