محطات فاصلة في 17 رمضان


كان من أقدار الله أن أزور هذا المكان قبل اثنتين وخمسة سنة، لأرى منطقة بكرًا لم تمس، على حالها منذ أيام سيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم سنة اثنتين بعد الهجرة:
صحراء ممتدة تحيط بها بعض التلال، أرض منبسطة رملها شديدة النعومة كأنه (البودرة) تغوص فيه رجلاي بشكل لافت، ثم أخذت أرى المشهد بعين خيالي الجامح:
العدوة الدنيا حيث يعسكر جيش المسلمين، والعدوة القصوى (وليست قصوى كثيرا، بل مجرد بضع مئات من الأمتار) حيث جيش قريش المستكبر الذي يريد الاستعراض، والتشفي، والشرب، والنحر، والطرب! والطريق ورائي، وعين بدر مجرد عين ضيقة مستطيلة الشكل محاطة بسور حجري (لا يرتفع أكثر من 40 سم ×6 م طولا× 3 عرضا) شربت منها وغسلت وجهي، ووقفت أتأمل مكان النبي صلى الله عليه وسلم وعريشه الذي نُصب له ليشرف على المعركة!
وتخيلت جيش الشرك وأبا سفيان وأبا جهل وشيبة وعتبة وجبابرة العرب وقد توقعوا أنهم في نزهة سيذبحون خلالها المسلمين تشفيا!
وقادتني ساقاي القويتان آنذاك لأتوغل في الرمل الناعم، وأتخيل أن ربي الرحمن الرحيم قد ساق سحابة مأمورة بأن تنزل المطر على الصحابة وحدهم، لتلبد هذا الرمل (البودرة) وتجعله يتماسك، وليبقى الرمل في الناحية الأخرى شَرَكا يعوق حركة المشركين وخيولهم؛ ليسهل اصطيادهم!

ثم تمادى بي الخيال لأرى سيدي الحباب المنذر يناقش النبي صلى الله عليه وسلم في أن موقع المسلمين ليس (استراتيجيا) وأن عليهم أن يغوِّروا الآبار، في حواري شورِيٍّ عجيب:
قال ابن هشام رحمه الله في "السيرة" (٢/ ٦٢٠) قال ابن إسحاق: فحُدِثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القُلُب (الآبار) ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغُوِّرت، وبنى على القَليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية (وهو العين التي تشرفتُ بالشرب منها)!
ثم تمادى بي الخيال لأرى روح القدس جبريل عليه السلام والملائكة ينزلون زرافات لنجدة المسلمين غير المسلحين ولا المستعدين، فيلمحه الشيطان الرجيم، الذي كان متمثلا في هيئة سيدي سراقة ابن مالك الجعشمي (قبل إسلامه) فيهرب وينكص على عقبيه إذ رأى ما لا يرى جنود المشركين! (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ؛ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال:48.
المشكلة أن المنطقة تبدلت بشكل هائل، وتغيرت معالمها، وزالت عنها الروحانية الشفيفة، والبكارة المدهشة التي كانت تتحلى بها مواقع الوحي ومعالم تاريخ الإسلام، تحت ضربات مطارق العصرنة، والبهرجة، والتربح.
وتقع منطقة بدر غرب المدينة المنورة، على بُعد نحو 150 كم، وتعد من أشهر المواقع التاريخية في العالم الإسلامي، وتضم عدة معالم تاريخية لا تزال شاهدةً على تلك الوقائع، من أبرزها: مسجد العريش الذي أقيم في الموضع الذي كان فيه عريش النبي ﷺ أثناء إدارة الغزوة، وميدان الغزوة الذي شهد المواجهة الحاسمة، ومقبرة شهداء بدر التي تضم قبور ثلاثة عشر من الصحابة، خمسة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. ولا تزال قبور الشهداء في بدر شاهدةً على تضحياتهم ومواقفهم الخالدة في سبيل الله.

وفي السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة نجح الغلو والتطرف في قتل ابن عم رسول الله أمير المؤمنين، رابع الراشدين، باب مدينة العلم، زوج الزهراء، أبي الحسنين سيِّدَي شباب أهل الجنة وغيرهم من الذرية المباركة، رضي الله عنهم أجمعين.
ويعاني الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدين رضي الله عنهم من الغلاة المتطرفين، والطائفيين، وذوي الفهم القاصرة، والعقول العوراء، والتهور والاندفاع الذي تدفع الأمة ضريبته، منذئذ وحتى اليوم وإلى يوم الدين!
أدواء الجهل، والعنف، والعصبية للأسماء، والطوائف، ومحاولة (حشر) التدين وقصره على فهم رجل أو طائفة (ولو مرَقَة وحشاشين) حتى يتحول من رحمة وعطاء إلى عنف وقسوة وبلاء!
وتحكمُ الأمة في مسيرتها أنماط فكرية عجيبة:
- أصحاب فهم متوتر إقصائي متطرف، إذا خالفتَهم وصموك بالعداوة، واتهموك بالخروج عن الدين، وكفروك واستباحوا دمك! مع إعلائهم للمتعصبين والقتلة ومحجِّري الدين الواسع الرحب.
- وضيقو الأفق، لا ترى أعينهم أبعد من نصف متر، ويفهمون الشيء بعد عشر مراتٍ شرحا، ولا يقرؤون ولا يستوعبون، ثم يحكِّمون فهمومهم في آراء الصحابة والأئمة وعظماء علماء الأمة!
- ومجازفون ذوو أطماع، يتزيَّوْن بعمامة التدين، ويريدون قيادة الأمة وراء طموحهم، وعنفوانهم، أو
يُعملون فيها القتل والسفك والدمار والخراب!
- وضالون متسيبون منحرفون يريدون تطويع الدين لأهوائهم وشهواتهم وشبهاتهم، ويجتهدون في نقض ثوابته وقطعياته، وتثبيت أهوائهم وشهواتهم وشبهاتهم بشكل شديد الوضوح والسخافة، مستغلين جهل العامة، وخلو أذهانهم مما يحيكه هؤلاء الذي يعملون لصالح الشيطان الرجيم!
وهذا ما حصل بالضبط من الخارجيِّ المتطرف منحرف الفهم، عبد الرحمن بن ملجم الذي طعن سيدي أسد الله الغالب الخليفة علي بن أبي طالب بخنجر مسموم أثناء صلاة الفجر؛ دون أن يتردد ولا يحسب أنه سيُدخل الأمة في مأزق عظيم.
وكانت المؤامرة أن يُقتل في تلك الليلة ثلاثة قادة: إذ التقى ابن ملجم في مكة برجلين آخرين قاتلهم الله، وهما البرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي وتناقشوا طويلا بعد مراسم الحج، واستخلصوا أن سبب مشاكل المسلمين هم القادة: عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، وأقسموا على قتلهم ورتبوا موعد الاغتيال وشكله ومكانه، واختار كل منهم ضحيته.
فأما البرك بن عبد الله، فإنه قعد لسيدي معاوية رضي الله تعالى عنه في تلك الليلة التي ضرب فيها علي، فلما خرج معاوية ليصلي الغداة، شَد عليه بالسيف، فوقع السيف المسموم في أليته، فأمسكوا به، ولم يصب معاوية رضي الله تعالى، وعولج من السم وبرئ.
وأما عمرو بن بكر، فإنه جلس لسيدي عمرو بن العاص رضي الله تعالى تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر صاحب شرطته خارجة بن أبي حبيبة فخرج ليصلي بالناس، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص، فضربه فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو رضي الله تعالى فسلموا عليه بالإمرة.
- فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو.
- قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة.
- قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. فقدمه عمرو فقتله.
وأقنع ابن ملجم رجلين من الخوارج هما شبيب بن نجدة الأشجعي ووردان بن مجالد لمساعدته في قتل علي، وتمركز الثلاثة مقابل الباب الذي منه سيدخل عليّ المسجد!
وفي يوم الجمعة 17 رمضان دخل أمير المؤمنين عليّ مسجد الكوفة لأداء صلاة الفجر، فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع، وضربه ابن ملجم بسيف مسموم على (قرن رأسه) فسال دمه على لحيته وهو يصيح: لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي ولا لأصحابكم، وهرب شبيب ووردان وقُبض على ابن ملجم.
والعجيب أن هذا القاتل المتطرف من أفضل الأمة عند الخوارج، حتى قال فيه عمران ابن حطان شاعر الخوارج:
يا ضربة من تقيٍّ ما أراد بها **** إلا ليبلغَ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكُره حينا فأحسبه **** أوفى البريةِ عند الله ميزانا
ومما يُروى في سبب قتله عليا أنه أحب قُطام ابنة الشّجنة وأراد الزواج بها فقالت إنها لن تتزوجه إلا إذا شفي غليلها؛ بإعطائها ثلاثة آلاف درهم وخادمًا وقينة، وقتَل لها عليَّ ابن أبي طالب؛ ثأرا لوالدها وشقيقها اللذين قتلا على يد قوات سيدنا علي في النهروان.
وفي ذلك قال عبد الرحمن بن ملجم:
ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقَينةٌ **** وضربٌ عليٍّ بالحسام المصممِ
فلا مهرَ أغلى من عليّ وإن غلا **** ولا فتكَ إلا دون فتك ابن ملجم
ومن عجب أيضًا أن العلوية النصيرية تعظمه أيضا: قال الفقيه أبو محمد بن حزم: يقولون إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض؛ إذ خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره! (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية) للسفاريني!

منمنمة فارسية تمثل ابن ملجم وهو يضرب الإمام علي بالسيف وهو في المحراب.
وكم قتل المتعصبة عميان البصيرة من الأنقياء والبرآء الأطهار من الأنبياء، والحواريين، والأصحاب كعثمان، والزبير، وطلحة، وعمار، وخارجة، والحسين، وسعيد بن جبير، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين!

د. عبد السلام البسيوني