حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

أقر والله أن قلمي إزاء هذه السيدة مشلول عيي، لا يكاد يُبين، وأعترف أن مناقبها رضي الله عنها، فوق تقدير مثلي، وفوق مدحي وإطرائي؛ بل فوق كل مدح وإطراء!
وكيف لا؛ وهي التي ارتقت مراقي دونها المجرات، فكلها مناقب وتَفرُّدات وعطاء تقصر الهمم دونه! وأنى تقاس كرامات الله تعالى لأحد من عباده، وكلها -منذ أسلمت- في كرامات؟!
قبل أن أتكلم عن سيدتي وسيدة النساء، وخير نسائها منذ محمد صلى الله عليه وسلم حتى يوم الدين، سيدتي الطاهرة البرة الراقية أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، تأمل معي بعض هذه المناقب غير المسبوقة:
- إن أكبر مناطات فخرها ومشارق وتفردها رضي الله تعالى عنها أنها قبل الإسلام، وبعد فحص
واستكشاف، توسَّمت في الفتى محمد (صلى الله عليه وآله وصحبه) نبلًا، ورجولةً ليست في بني قومها، وخصوصية شخصية تجعله مختلفًا عن أهل زمانها أجمعين، وتفرَّست أنه لا يليق به غيرها ولا يليق بها غيره! وفي خطوة شجاعة خطبته لنفسه، وتزوجته، ثم فرغت حياتها لخدمته ونصرته وتأييده، لتسفر فراستها عن انتسابها لقمة الهرم البشري، وسيد الأولين والآخرين، فما أعظم فراستها، وأدق اختيارها، وأكمل اختيارها.
- وإن أكبر مناطات فخرها ومشارق تفردها رضي الله تعالى عنها بأنها أول من آمن بسيدي المصطفى
محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته وما جاء به! فلها رضي الله عنها فضل السبق إلى الإسلام، ولها مثل أجر من تبعها من النساء بعد، من لدن (اقرأ باسم ربك) حتى يوم الدين، فمن يدرك غبارها، أو يلحق بخطوها؟ ألم يقل سيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ له مِثْلُ أَجْرِ مَن عَمِلَ بهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ) مسلم:1017! فهي السيدة الأولى، وسابقة النساء إلى الله رب العالمين، فهل يلحق شرفها أحد؟
وبهذا كانت رضي الله عنها أول من آمن، وأول من ثبت، وأول من توضأ، وأول من صلى، قال شهاب الدين القسطلاني: كان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية، قال لها عليه السلام: خشيت على نفسي، فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يَخزى أبدًا! (كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنِّيَّة بالمنح المحمدية).
وعن أبي رافع قال: «نُبيء رسول الله يوم الاثنين، وصلت خديجة آخر يوم الاثنين). السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين، محب الدين الطبري. ص:31.
- ومن مناقبها الكبيرة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام لما نزل في صورته الملائكية المروِّعة يسد الأفق بحجمه وله ستمئة جناح، يعتصر الرسول النبي ويقول لها اقرأ، فلم يهرع إلى جده سيد قومه، ولا إلى أعمامه السادات، ولا إلى رجالات قومه، بل لجأ إلى امرأة لم ير أحنى منها صدرا، وأرحم منها قلبا، وآمن منها حضنا، إلى زوجه التي اختارها الله له على قدر، فهل ثم شهادة لها أعظم وأبدع من هذه؟
- ومن مناقبها رضي الله عنها أنها التي خففت روعَ النبي صلى الله عليه وسلم من صدمة الوحي، وطمأنته بكلمة هي الغاية في الرحمة، والحكمة، والعقل وحسن الاستيعاب، كما في مسلم/160 وغيره: ...رَجَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ، حتَّى دَخَلَ علَى خَدِيجَةَ، فقالَ: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ، ثُمَّ قالَ لِخَدِيجَةَ: أي خَدِيجَةُ، (ما لي؛ لقَدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي) وأَخْبَرَها الخَبَرَ، فقالَتْ رضي الله عنها: كَلّا؛ أبْشِرْ: فَواللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، واللَّهِ: إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ!
في البخاري/3، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
أوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرَى رُؤْيا إلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو بغارِ حِراءٍ فَيَتَحَنَّثُ فيه -وهو التَّعَبُّدُ- اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلى أهْلِهِ، ويَتَزَوَّدُ لذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ!
فَجاءَهُ المَلَكُ فقالَ: اقْرَأْ، قالَ: ما أنا بقارِئٍ، قالَ: فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ: اقْرَأْ، قُلتُ: ما أنا بقارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنا بقارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ:
اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ* خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ* اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ* فَرَجَعَ بها رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ علَى خَدِيجَةَ بنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فقالَ: زَمِّلُونِي
زَمِّلُونِي! فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ!
فقالَ لِخَدِيجَةَ وأَخْبَرَها الخَبَرَ: لقَدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي فقالَتْ خَدِيجَةُ:
كَلّا واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ، فانْطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أتَتْ به ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وكانَ امْرءًا تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بالعِبْرانِيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكْتُبَ، وكانَ شيخًا كَبِيرًا قدْ عَمِيَ، فقالَتْ له خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أخِيكَ!
فقالَ له ورَقَةُ: يا ابْنَ أخِي ماذا تَرَى؟ فأخْبَرَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَبَرَ ما رَأَى!
فقالَ له ورَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللَّهُ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ!
فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ، قالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا! ألم ينخلع قلبك؟!
- ومن مناقبها رضي الله عنها أنها زوج سيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، سيد ولد آدم، وأم أولاده، ومن نسلها الزهراء، والسبطان رضي الله عنهم أجمعين، ومن أنسبائها سيدي علي أمير المؤمنين! فهل يلحق شرفها أحد؟
- ومن مناقبها رضي الله عنها أن سيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم رُزق حبها، وظلت في خاطره حاضرة مَكينة حتى لقي ربه تبارك وتعالى؛ ففي مسلم/ 2435 أن رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، قال: (أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ) فغارت من ذكرها أمنا عائشة رضي الله عنها، فعاتبت النبي صلى الله عليه وسلم قائلة: خَدِيجَةَ، فَقالَ عليه الصلاة والسلام: (إنِّي قدْ
رُزِقْتُ حُبَّهَا) فهل يلحق شرفها أحد؟!
- ومن مناقبها رضي الله عنها أن ربها تبارك وتعالى أرسل أمين الوحي جبريل ليقرئها السلام! ففي البخاري/ 3820 وغيره أنه أَتَى جِبْرِيلُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: (يا رَسولَ اللَّهِ: هذِه خَدِيجَةُ قدْ أتَتْ معهَا إنَاءٌ فيه إدَامٌ، أوْ طَعَامٌ أوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هي أتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا ومِنِّي)!
ونصه في الصحيح المسند للوادعي: جاء جِبْريلُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وعنده خَديجةُ، وقال: (إنَّ اللهَ يُقرِئُ خديجةَ السَّلامَ)، فقالَتْ: إنَّ اللهَ هو السَّلامُ، وعلى جِبْريلَ السَّلامُ، وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ! فهل يلحق شرفها أحد؟!
- ومن مناقبها رضي الله عنها وأرضاها أن الله بشرها بالجنة كما في حديث البخاري السابق/ 3820: (فَاقْرَأْ عَلَيهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا، ومِنِّي، وبَشِّرْهَا ببَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ، ولَا نَصَبَ) فهل يلحق شرفها أحد؟!
- ومن مناقبها رضي الله تعالى عنها أنها خير نساء الدنيا؛ ففي البخاري/ 3815، وغيره شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: (خَيرُ نِسائِها مَرْيَمُ، وخَيرُ نِسائِها خَدِيجَةُ)! وسبحان المعطي المنان! فهل يلحق شرفها أحد؟!
- ومن مناقبها رضي الله عنها أنها أبت -على خلاف قومها الوثنيين- عبادة الأصنام؛ ففي الصحيح المسند للوادعي/ 1478: (أي خديجةُ واللَّهِ لا أعبدُ اللَّاتَ والعزَّى، واللَّهِ لا أعبدُ أبدًا! فتقولُ خديجةُ: خلِّ اللَّاتَ، خلِّ العزَّى)!
- وكان صلى الله عليه ويسلم يحن لصوتها رضي الله عنها ويهش حين يسمع صوت أختها هالة حين تأتي؛ لأنها تذكره بها؛ ففي البخاري/3821: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بنْتُ خُوَيلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لذلكَ، فَقالَ: (اللَّهُمَّ هَالَةَ)!
وقد ورد ذكرها في كتب المناقب، والسير كلها، وألخص هنا ما جاء عنها في سير أعلام النبلاء؛ هي أم المؤمنين الكبرى وسيدة نساء العالمين في زمانها خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، رضي الله عنها، أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت رضي الله عنها في مكة سنة ثمانٍ وستينَ قبل الهجرة، وكانت تَكبُر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخمسة عشر عامًا. وقد نشأت وترعرعت في بيت جاهٍ وفخار، فكانت من أشراف قريشٍ وأكابرهم. كان ثراؤها وثراء آبائها وأجدادها معروفًا في بطون العرب.
وكانت رضي الله عنها امرأةً تاجرةً تستأجر الرجال، فترسلهم إلى بلاد الشام بمالها وتجارتها، وقد سمعت عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كرم أخلاقه وصدق حديثه وأمانته، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرًا إلى الشَّام؛ على أن تعطيه ضعف ما تعطي غيره من التُّجار، فقبل صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وخرج مع غلامٍ لها اسمه ميسرة إلى الشّام؛ حتى استظلَّا تحت شجرةٍ قريبةٍ من صومعة راهب من الرهبان، فأتى الرَّاهب ميسرة، فسأله عن هذا الرجل، وعلم أنه من قريش، فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قطُّ إلا نبيّ! ثم باع النبي صلى الله عليه وسلم سلعته، وربح ضعف ما كانوا يربحون، وحدَّث ميسرة خديجة رضي الله عنها بأمر الراهب، وأخبرها بما ربحوا في تجارتهم فسُرَّت بذلك، وأرسلت رضي الله عنها إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت له: إني قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، فلما قبل صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّم أعمامه أبا طالبٍ وحمزة والعبَّاس، فذهبوا إلى عمِّ خديجة عمرو بن أسد فخطبوها إليه، فقال: هذا الفحل لا يُقدَع أنفه! وتزوجها صلَّى الله عليه وسلَّم!
وبعد هذا الزواج الميمون أنجبت خديجة رضي الله عنها زينب كبرى بنات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم رقيَّة، ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة الزَّهراء، وولدت له من الأولاد القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله الذي كان يُلَقَّب بالطَّيِّب والطَّاهر، وقد ماتا صغيرين، ومن الجدير بالذِّكر أن جميع أولاد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من خديجة؛ إلا ولده إبراهيم، فهو من جاريته مارية رضي الله تعالى عنهما!
تميزت شخصية السيدة خديجة رضي الله عنها بعديد من الصفات، أهمُّها: العفة والطهارة (كما في: قصة الإسلام)، وهاتان الصِّفتان أول ما يبرز من ملامح شخصيتها رضي الله عنها؛ فقد كانت تُلَقَّب في الجاهليَّة بـالطَّاهرة في ظل مجتمعٍ مليءٍ بالفواحش والبغي، وهذا يدل على أنها بلغت مبلغًا من العفَّة والطَّهارة، حتى لُقِّبت بهذا اللَّقب تمامًا؛ كما كان لقب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّادق الأمين في تلك البيئة التي قلَّما تجد فيها رجلًا متحليًا بمثل هذه الصفات!
وقد عُرف عنها رضي الله عنها أنها حازمةٌ عاقلة، حكيمة فطنة، وتمثل ذلك في مواقف تجلَّت فيها عقلانيَّتها وذكاؤها؛ كسياستها في تسيير أمور تجارتها، واختيار زواجها من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وطريقة عرض نفسها عليه بصورة تحفظها، وتُعلي شأنها، بالإضافة إلى كيفيَّة استقبالها أمر الوحي، وتقبُّله كحدثٍ غير عادي بعيدٍ عن الأوهام، وبلاغة كلماتها في تثبيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والتخفيف من خشيته، ثم حكمتها في أخذه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ورقة بن نوفل!
ومن مناقبها رضي الله عنها صبرها على الأذى ونصرتها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلم تتزعزع ثقة هذه المرأة العاقلة برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا بدعوته التي كانت سببًا لحقد بعض أهله عليه، وإيذائهما في تطليق بناتهما، بل كان عاقبة صبرها ودعائها رضي الله عنها أن أبدلهما الله بأزواجٍ أكثر خُلُقا وغنىً، ولا ننسى رضاءها، واحتسابها، وثباتها في محنة الحصار، ودعمها المستمر للإسلام والمسلمين!
توفّيت رضي الله عنها في السنة العاشرة من البعثة لعشر خلون من شهر رمضان، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة بعد المقاطعة، ودُفنت في مقبرة الحُجون، دفنها الرسول، إلّا أنّه لم يصلِ عليها؛ إذ لم تكن صلاة الجنازة قد شرعت، وكان ذلك بعد وفاة عمّ الرسول أبي طالب بمدةٍ قصيرةٍ، وسمّي ذلك العام بعام الحزن؛ لما كان فيه من تتابع الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ بموت عمّه، ثمّ زوجته!
وهي رضي الله عنها ممن كمل من النساء. كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها!
ومن كرامتها عليه صلى الله عليه وسلم أنه لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسرَّى إلى أن قضت نحبها، فوجد لفقدها، فإنها كانت نعم القرين.
قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن. قالت: فرأيته غضب غضبًا. أسقطت في جلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت، قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني! قالت: فغدا وراح عليّ بها شهرًا.
ومن كرامتها عليها الصلاة والسلام ما رواه سيدي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا أُتي بالشيء يقول: (اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى بيت فلانة، فإنها كانت تحب خديجة)! صحيح الأدب المفرد:172.
وفي الحاكم/40، والبيهقي/9122 عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاءت عجوزٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو عندي فقال لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (من أنتِ)؟ قالت: أنا جثَّامةُ المُزَنيَّةُ، فقال: (بل أنتِ حسَّانةُ المُزَنيَّةُ! كيف أنتُم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتُم بعدنا)؟ قالت بخيرٍ بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ اللهِ فلما خرجتُ قلتُ: يا رسولَ اللهِ تُقبِلْ على هذه العجوزِ هذا الإقبالَ فقال: (إنها كانت تأتينا زمنَ خديجةَ وإنَّ حسنَ العهدِ من الإيمانِ)!
وأخرج الحاكم/6840، وأبو داود/2692، وأحمد/26362 عن سيدتي أم المؤمنين عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: لمَّا بعَثَ أهلُ مكَّةَ في فِداءِ أُساراهم، بعَثَتْ زَينَبُ بِنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في فِداءِ أبي العاصِ بقِلادةٍ، وكانتْ خَديجةُ أدخَلَتْها بها على أبي العاصِ حينَ بَنى بها، فلمَّا رَآها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَقَّ لها رِقَّةً شَديدةً، قال: إنْ رَأيْتُم أنْ تُطلِقوا لها أسيرَها وتَرُدُّوا عليها الذي لها!
وفي كتابه: خديجة بنت خويلد سيدة في قلب المصطفى، استنبط الدكتور محمد عبده يماني بعضا من فقهها رضي الله تعالى عنها، فكتب:
كان يَظهرُ على خديجة رضي الله عنها رجاحة الرأي وحسن التدبير وصواب المشورة في حياتها قبل زواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي اختيارها له زوجًا لها، ثم في حياتها معه حتى وفاتها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأنس بمشورتها ويحرص على عرض الأمور عليها والاستئناس برأيها.
ومن تتبع بعض الحوادث التي عرضت عليها وأبدت فيها رأيًا أو أشارت به، وجد في ذلك فقهًا وفكرًا وحصافة تميزت به في فترة البعثة النبوية، ومن نماذج فقهها رضي الله تعالى عنها:
- أنها ما إن سمعت بالرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته اقتربت منه، وحرصت على أن تربطها معه علاقة عمل، وكان بعدها زواجها منه.
- أجمع أهل السير والمؤرخون أن أول من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم هي خديجة رضي الله عنها، ولم يكن إيمانها إيمان عاطفة، بل كان إيمان بصيرة ويقين وتصديق، ومنه موقفها من الوحي: إذ لما رجع صلى الله عليه وسلم من غار حراء ترجف بوادره، دخل عليها رضي الله عنها فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لها: أي خديجة ما لي لقد خشيت على نفسي، فأخبرها الخبر، قالت رضي الله عنها: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق!
- من مظاهر فقهها رضي الله عنها أنها ذهبت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وهي تعرف ما لديه من العلم وما له من دين، وطلبت منه أن يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم ويقص عليه ما رأى وما سمع، وكان جواب ورقة: قدوس قدوس؛ إنه الناموس الذي نزل على موسى، وإنك يا محمد نبي هذه الأمة، وكانت هذه الكلمات تأكيدًا وتوثيقًا لشعورها وحدسها بأن محمد رسول الله!
- ذهبت رضي الله عنها ذات مرة للرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء تحمل معها الماء والزاد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: يا محمد، هذه خديجة تحمل حَيْسا في حلاب، وقد أرسلني الله إليها بالسلام، فجاءت رضي الله عنها فقال لها الرسول: معك حيس، قالت: نعم يا رسول الله، قال: إن جبريل أخبرني ذاك وأخبرني أن الله أرسله إليك بالسلام!
فقالت رضي الله عنها: يا رسول الله، الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام، ويظهر هنا فقهها رضي الله عنها في تأدبها مع الله تبارك وتعالى، فلم تقل على الله السلام، وإنما قالت الله السلام وعلى جبريل السلام!
قال الإمام ابن حجر العسقلاني: قال العلماء في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل وعليه السلام كما وقع لبعض الصحابة، حيث كانوا يقولون في التشهد السلام على الله، فنهاهم النبي وقال: إنّ الله هو السلام فقولوا: التحيات لله، فعرفت خديجة رضي الله عنها لصحة فهمها أنّ الله لا يُرد عليه السلام كما يُرد على المخلوقين؛ لأنّ السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضًا دعاء بالسلامة وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله!
فكأنها قالت: كيف أقول عليه السلام، والسلام اسمه ومنه يطلب ومنه يحصل، فيستفاد منه أنه
لا يليق بالله، إلا الثناء عليه، فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه.
ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره، فقالت: وعلى جبريل السلام ثم قالت: وعليك السلام، ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام وعلى من بلغه، والذي يظهر أنّ جبريل كان حاضرًا عند جوابها فردّت عليه وعلى النبي مرتين، مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع لأنه لا يستحق الدعاء بذلك.
ومن أجمل ما كتب فيها رضي الله عنها، قصيدة الشاعر المبدع أ/ أنس إبراهيم الدغيم: أمٌّ بقلبِ نبي
على مَسافةِ قَلبٍ مِن عِناقِ نبي *** كانت تَمُرُّ على الدُّنيا بقلبِ أبِ
كانت تُخَبِّئُ حتّى عن نواظِرِها *** مِن سِرِّ ضحكتِهِ نَهْرًا مِن العِنَبِ
كانت تقولُ: يمُرُّ الغَيمُ مُنقبِضًا *** يَفْتَرُّ حين يراهُ الغَيمُ عن كَثَبِ
هُناكَ عندَ سُفوحِ الظِّلِّ تُبصِرُها *** حَمّالةَ الحُبِّ لا حَمّالةَ الحَطَبِ
فيها مِن الماءِ ما في الماءِ مِن مطَرٍ *** فيها من الشّمسِ ما في الشّمسِ مِن ذهَبِ
فيها مِن الحُبِّ ما لم تَحْوِهُ كُتُبٌ *** والحُبُّ أكثرُهُ ما ليسَ في الكُتُبِ
نَقِيَّةُ الرُّوحِ والأخلاقِ، طاهرةٌ *** طُهرَ النَّدى ونَقاءَ الماءِ في القِرَبِ
كان الصّباحُ على وعدَينِ مِن يَدِها *** مَسْحٍ على القلبِ أو مَسْحٍ على التَّعَبِ
فالمُتعَبونَ إذا ناءَتْ كواهِلُهم *** أوَوا إلى ظِلِّ أنثى أو ظِلالِ نَبي
ما زمَّلَتهُ بِثَوبٍ مِن مَلاءَتِها *** إلّا وغَطَّتْهُ قَبْلَ الثَّوبِ بالهُدُبِ
(حاشا يَسوؤُكَ يا بنَ العَمِّ رَبُّكَ) قا *** لَتْها وهَزَّتْ على الملهوفِ بالرُّطَبِ
كان الفؤادُ كبيرًا والنبيُّ على *** حالٍ من البَرْدِ أو حالٍ مِن الرَّهَبِ
تلَمَّسَتْه بِعَينَيها ودثَّرَهُ *** منها حَنانُ أَبٍ أو أُمْنِياتُ صَبي
والأمُّ في لحظةٍ أو لحظتَينِ معًا *** تُعطي على سَببٍ، تُعطي بِلا سَببِ
وللأُمومةِ مِن دِفءِ النُّبوّةَ ما *** يُجثى لِدِفءِ مَعانيهِ على الرُّكَبِ
كانتْ له البَيْتَ حتّى كان مسجدَها *** فالجِسمُ في أرَبٍ والرُّوحُ في أرَبِ
وكانتِ الشِّعْبَ حين الكُلُّ حاصرَهُ *** والمُستَراحَ إذا اسوَدَّتْ دُجى الخُطُبِ
وما قلَتْهُ على ضَرّاءَ أو سَعَةٍ *** أو ودَّعَتْهُ على سَرّاءَ أو نَصَبِ
وكانتِ الحضنَ والسُّكنى بِمُفردِها *** إذ كُلُّ مَن حَولَهُ كانوا أبا لهَبِ
وناصَرَتْه بِما تَقْوى لِأنّ لَها *** قَلْبًا بِغيرِ رَسُولِ اللهِ لم يَذُبِ
وطَمْأَنَتْهُ وقالَتْ: لا تخيبُ، ومَنْ *** يطرُقْ على اللهِ بابَ اللهِ لم يَخِبِ
خديجةٌ، لِجلالِ اللَّفظِ أجنحةٌ *** تطيرُ أعلى كأسرابٍ مِن السُّحُبِ
تَخْضَرُّ منه فيافي مكّةٍ ويُرى *** وجْهُ الجزيرةِ خَصْبًا أخضرَ العُشُبِ
وقد تُرَدُّ صحاري الأرضِ مُمْرِعَةً *** إذا تَنفَّسَ في الصحراءِ قَلْبُ نَبي
بي لَثْغَةُ الطِّفلِ، بي عَجْزُ الكَليلِ وبي *** عيُّ الفصيحِ عن القَولِ الفصيحِ وبي
ولا تقومُ بِحَقِّ الوَصْفِ ألْسِنَةٌ *** ولا منابِرُ صاغَتْ أروعَ الخُطَبِ
وكيفَ توصَفُ؟ والرّحمنُ بشَّرَها *** فالنَّهْرُ مِن عَسَلٍ والبَيْتُ مِنْ قَصَبِ
جِبريلُ أقرأَها مِنهُ السَّلامَ فَما *** أسماهُ مِن رُتبةٍ تسمو على الرُّتَبِ
تفديكِ كلُّ نِساءِ العالمينَ وما *** فَدَيْنَ أرفعَ في عِزٍّ ولا نسَبِ
والعُذْرُ منكِ إذا جاوَزْتُ قَدْرِيَ في *** جَنَابِ قَدْركِ أو قَلَّلْتُ مِن أَدَبي
- الكلمات الدلالية
- سير
- تراجم
- أعلام
- أمهات المؤمنين
- صحابة
- صحابيات
- خديجة بنت خويلد
- بيت النبي
د. عبد السلام البسيوني