سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد..
فإنَّ معرفة شبابنا والأجيال الجديدة من أولاد المسلمين في الغرب بالمشاهير من لاعبي الكرة والفنانين وغيرهم تتجاوز معرفتهم بأهل الاقتداء الحقيقي والـتأسي بهم، وهم جيل الصحابة والتابعين وتابعيهم ورموز العلماء والمصلحين في العصور المختلفة، فبعضهم يعرف تفاصيل الحياة اليومية لفنان أو لاعب كرة، وتبقى أمنية حياته أن يقابله يومًا ليلتقط معه صورة بينما لا يعرف سيرة وحياة صحابي أو تابعي أو عالم أو مصلح غيَّر الدنيا بعلمه.
والصحابة هم محل القدوة وقد زكاهم ربنا تبارك اسمه قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:100].
وفي الثامن من شهر صفر كانت وفاة صحابي جليل هو سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقصته قصة عجيبة في صبره وبحثه عن الدين الحق وبها العديد من الرسائل والدروس والعبر، وسأذكر طرفا منها على لسان سيدنا سلمان رضي الله عنه، يقول:
«كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أصبهان، وكان أبي دهقان قريتِه، وكنتُ أحبَّ خلقِ الله إليه، فلم يزَلْ به حبه إياي حتى حبَسَني في بيته كما تُحبَس الجارية، واجتهدتُ في المجوسية حتى كنت قَطَنَ النارِ الذي يُوقِدها لا يتركها تخبو ساعةً، وقد مررتُ يوما بكنيسةٍ مِن كنائس النصارى، فسمِعتُ أصواتهم فيها وهم يُصلُّون، فأُعجبت بصلاتهم وقلت: هذا والله خيرٌ مِن الدين الذي نحن عليه، فواللهِ ما تركتهم حتى غربت الشمس، وقد غضب على أبي فحبسني حتى لا أبتع دينهم ثم تركته وسافرت إلى الشام وسألت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئتُه، فقلت: إني قد رغبتُ في هذا الدين، وأحببتُ أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلَّم منك وأصلي معك، قال: فادخُلْ، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوءٍ، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتَنَزه لنفسه، ولم يُعطِها المساكين، ثم جاؤوا برجلٍ آخر فجعلوه بمكانه، يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأَب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببتُه حبًّا لم أحبَّه مَن قبلَه، فأقمتُ معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك وأحببتُك حبًّا لم أحبَّه مَن قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَن تُوصِي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بُني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدَّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل، وهو فلانٌ، فلحقت بصاحب الموصل فلما حضرَتْه الوفاة، قلت له: يا فلان، إلى مَن توصي بي بعدك فدلني على رجل بنصيبين فلحقت به فوجدته على خير فلما حصرته الوفاة دلني على رجل بعمورية فلحقت به، فلما نزَل به أمر الله قلت له: إلى مَن تُوصِي بي؟ قال: أي بني، والله ما أعلمُه أصبح على ما كنا عليه أحدٌ من الناس آمرك أن تأتيَه، ولكنه قد أظلَّك زمانُ نبِيٍّ، هو مبعوث بدين إبراهيم يخرُجُ بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حرَّتينِ، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفَيْه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحَق بتلك البلاد فافعَلْ، قال: ثم مات وغُيِّب، فمكثتُ بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفر من كلبٍ تجارًا، فقلتُ لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدِموا بي وادي القرى، ظلموني فغدروا بي وباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنتُ عنده، وتتابعت الأحداث والأيام حتى قابلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، واختبرت العلامات الثلاثة فوجدته لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية ثم نظرت إلى خاتم النبوة فعرَفتُه، فانكببتُ عليه أُقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحوَّل، فتحوَّلت، فقصصت عليه حديثي».
وقد أعانه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على الفكاك من العبودية إلى الحرية بالمكاتبة والخلاص من الاسترقاق، فلم يفته مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهد من المشاهد.
ومن أهم الدروس والعبر المستفادة من قصة سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه ما يلي:
1. ضرورة البحث عن الحق وتعلم الدين:
عجيبٌ جدًّا أمر سيدنا سلمان أن يبذل هذا الجهد الكبير حتى يصل إلى الدين الحق وأن ينتقل من راهب إلى راهب ومن بلد إلى بلد وأن يُباع عبداً وهو الحر الغني الشريف في قومه حتى يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبكي من الفرح بعد الاستيثاق من علامات النبوة التي أُخبر بها من الراهب الذي دله عليه، وبالمقارنة مع كثير من المسلمين في الغرب الذين وُلدوا مسلمين أو جاءهم نبأ الإسلام سهلًا ميسورًا.
وعلى الرغم من ذلك يزهدون في الالتزام بتعاليمه وفرائضه وأحكامه أو يتركونه إلى اللادين، إن الواجب على المسلم في عالم اليوم أن يتمسك بدينه وأن يحمد الله صباح مساء على نعمة الإسلام، وأن يبذل جهده ليتعلم أصول دينه وأن يحصن نفسه فكريا ليكون ثابت المعتقد راسخ الإيمان، وأن يحفظ قدراً من القرآن وطرفاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما استثقل هذا الأمر تذكر مكابدة ومجاهدة الصحابة الكرام كسلمان ليتعرفوا على الدين ويبلغوه إلينا.
2. الثبات على الدين والحفاظ على الهوية:
عاش سيدنا سلمان بين ثقافات وأديان مختلفة لكنه حافظ على تدينه وهويته ولم يبدل أو يتغير ولم يتبع أحدا لأنه كان أكثر عددا من غيره، ولم ينخدع بالدنيا أو يحافظ على المكاسب وفضَّل الهجرة وترك وطنه وماله ووالده الذي يحبه حتى يُرضي الله، وصبر على حياة الرق والعبودية التي وقعت له غدراً وظلماً حتى أذن الله له بالفكاك منها، وهذا درس مهم للمسلمين في الغرب أن يثبتوا على دينهم وأن يحافظوا على هويتهم مهما كانت التحديات وزادت الإغراءات أو الابتلاءات، وأن يكونوا على استعداد للتضحية لهذا الدين كما ضحى من سبقهم، وأن يحافظوا على هويتهم وأن يحذروا من الذوبان وذهاب معالم الشخصية المسلمة بمرور العصور وتعاقب الأجيال، وأن لا يجبُنوا عن الصدع بكلمة الحق ومؤازرة المستضعفين وكشف المتخاذلين كما فعل سيدنا سلمان رضي الله عنه.
3. التوازن والوسطية في فهم الدين:
تميز سيدنا سلمان رضي الله عنه بتوازن واعتدال في فهمه للإسلام دون تشدد أو تسيب وهو من أهم ما نحتاج إليه في عالم اليوم خاصة في الغرب بعد علو صوت التيارين: المتشددين والمتسيبين، وقد أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا سلمان في فهمه وتوازنه ووسطيته؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابي جحيفة قال: "آخَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ سَلمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سَلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلَةً، فقال: ما شأنُكِ مُتَبَذِّلَةً؟! قالتْ: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرداءِ ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، قال: فلمَّا جاءَ أبو الدَّرداءِ، قرَّبَ إليه طعامًا، فقال: كُلْ، فإنِّي صائمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تأكُلْ، قال: فأكَلَ، فلمَّا كان اللَّيلُ، ذهَبَ أبو الدَّرداءِ ليقومَ، فقال له سَلمانُ: نَمْ؛ فنامَ، ثمَّ ذهَبَ يقومُ، فقال له: نَمْ؛ فنامَ، فلمَّا كان عِندَ الصُّبحِ، قال له سَلمانُ: قُمِ الآنَ، فقامَا فصلَّيَا، فقال: إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذكَرَا ذلكَ، فقال له: صَدَقَ سَلمانُ".
4. ضرورة التبادل والتعاون الحضاري:
اشتهر سيدنا سلمان بفكرة حفر الخندق في غزوة الأحزاب وهي فكرة عسكرية فارسية لم تكن معروفة لدى العرب وعندما أشار سلمان على النبي صلى الله عليه وسلم بها لم يتردد في الأخذ بها أمام حصار الأحزاب للمدينة، وهذا درس للمسلمين في الغرب في التبادل والتعاون الحضاري وأن يأخذوا من الحضارة الغربية النافع منها وما لا يتعارض مع أصول الإسلام وقيمه وأن يبذلوا جهدهم لنفع الحضارة الغربية بما في حضارة الإسلام من قيم ومبادئ لا تستغني عنها أي حضارة معاصرة.
5. عالمية الرسالة ومركزية المؤاخاة:
تنازع المهاجرون والأنصار يوم حفر الخندق فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال النبي صلى الله عليه وسلم حاسما النزاع:" سلمان منا أهل البيت" فالميزان هو الإيمان والتقوى والعمل والصالح وليس العروبة أو القرشية أو الانتساب إلى أي بلد أو قبيلة أو لغة وإنما الانتساب إلى الإسلام، وهذا الموقف يدل على مركزية المؤاخاة في الإسلام وعالمية الرسالة، فالإسلام أوجد سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي وآخى بينهم وهذه الأخوة والعالمية من أشد ما نفتقر إليه في الغرب ومما يجب أن يظهر ويتضح في مساجد المسلمين، فلا تكون سبيلا للتمييز وإشاعة القوميات والعصبيات التي هدمها وأبطلها الإسلام، وأن تظهر هذه العالمية والمؤاخاة كذلك في المصاهرة والنكاح بين عائلات وأسر المسلمين فتقوم على الكفاءة والدين لا على القوميات والعصيبات.
6. العمل للآخرة ومعرفة حقيقة الدنيا:
كان سيدنا سلمان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا مقبلا على الآخرة فلما ولاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المدائن كان يعيش حياة الفقراء لا الأمراء؛ فكان يصنع الخوص بيده، ويأكل من عمل يده، ويتصدق بمعظم عطائه، وكان ينفق راتبه في سبيل الله، ومن تواضعه ما رُوى أن رجلًا رأى سلمان وهو أمير المدائن، ولم يعرفه، فطلب منه أن يحمل متاعه، فحمل سلمان المتاع معه، وفي الطريق عرف الناس سلمان وقالوا للرجل: هذا أمير المدائن! فخجل الرجل وقال: أعطني متاعي، فقال سلمان: لا، حتى أبلغك منزلك، و لما حضرته الوفاة بكى، فسئل: ما يبكيك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أن يكون بلاغ أحدنا من الدنيا كزاد الراكب، وأرى أني قد جاوزت ذلك، فما أحوجنا في العالم المادي إلى زهد وتواضع وعمل سيدنا سلمان رضي الله عنه.
اللهم ارض عن الصحابة والتابعين وعنا معهم أجمعين، وفرج الهم عن أهلنا وإخواننا في غزة وكل مكان، واهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى، ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 2026م.
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- سلمان الفارسي
- الصحابة
- البحث عن الحقيقة
- الهوية
- الدين
د. خالد حنفي