الشيخ عاطفيًّا

هل الشيخ الغزالي عاطفي؟
سبحان الله! وهل في هذا شك؟!
لقد كان حزمة أعصاب تمشي على الأرض، لم تفارقه هذه الصفة من مبتدئه لمنتهاه: يضحك ببراءة طفل، ويبكي بحرقة مفؤود، ويشتعل انفعالًا كشاب في عنفوانه، ويرمي بشواظٍ من ألفاظ خارقة حارقة إذا حمي وانتخى، لا يبالي بأحد، ولا يفكر في العقبى، فجناب الدين عنده لا يمس، وكتاب ربه لا يهان، ورسوله حبيبه حرم ممنوع!
لقد كان إذا حمي سخر فأوجع، وغضب فروّع، وهدر فأسمع، وناظر فأقنع! وهذا مما أفقده قرب بعض الشباب الذين أوجعتهم سهامه، من غير أن يعرفوه، وكنت أقارن بين حدته وبين تلطف القرضاوي، وسماحة صلاح أبي إسماعيل، وحياء عبد العظيم الديب، فأقول: ليته كان أرفق، فلم أحرم منه سنيني الأولى في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
وقد تحدث عن حميته شيخي العلامة القرضاوي، والتمس له المعاذير، فقال: صحيح أنه سريع الغضب، وأنه إذا غضب هاج كالبحر حتى يغرق، وثار كالبركان حتى يحرق، وهذا ما لا يجحده الشيخ الغزالي، وما يعلمه من نفسه، وسر هذا أن الرجل يبغض الظلم والهوان لنفسه وللناس، ولا يحب أن يَظلم أو يُظلم، ولا أن يستخف بكرامة أحد، كما لا يستخف بكرامته أحد، كما أنه لا يطيق العوج ولا الانحراف.
كما أن الشيخ لا يفجر في خصومته، ولا يفتري على خصمه، أو يتمنى له السوء، أو يشمت به إذا نزل به بلاء.
ثم إن من صفات الشيخ الغزالي أنه إن كان سريع الغضب فهو سريع الفيء، رجاع إلى الحق إذا تبين له، ولا يبالي أن يعلن خطأه على الناس علانية، وهذه شجاعة لا تتوافر إلا للقليل.
ومن أجلى مواقفه في الاندفاع والحمية، والغيرة على دين الله تبارك وتعالى، موقفان:
أولهما: أحدهما موقف وهو طالب يناقش أستاذه:
قال: "... وجمعنا عميد الكلية في مسجد الخازندارة في حفل عام للتعارف، واستقبال العام الجديد، وتوثيق العرى بين الطلاب وهيئة التدريس، وحدث في هذا الحفل أمر ذو بال؛ فقد كان من بين من تحدثوا الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى أستاذ الفلسفة والأخلاق بالكلية، وجرى على لسانه ثناء حار على المجتمع الفرنسي، وتنويه بما يسوده من أمانة ونظام، وأهاب بنا أن نتمسك بهذه الخلال! وغاظني ما سمعت، فانتفضت قائمًا أصيح:
أي خلال يا أستاذ؟ هؤلاء تقدموا في اللصوصية، اللص عندنا يسرق آنية من بيت، أو حافظة من جيب، أو ثمرة من حقل، وهؤلاء يسرقون الشعوب تحت الشمس، ويختلسون العقائد من القول!
أي خلال تعني يا أستاذ نلتمسها من هؤلاء المعتدين على إخواننا في أقطار المغرب -وكانت كلها محتلة- ولماذا لم تذكرنا بسلفنا العظيم؟
وانطلقت بطريقة همجية اضطرب بها نظام الحفل، ثم أمسك بي بعض المشرفين، وقادوني إلى عميد الكلية الشيخ عبد المجيد اللبان، فرأى شابًّا في العشرين أفقده الحماس وعيه، فقال لي بصوت وديع: اقعد يا ولد! فجلست أمامه، وكلف شيخًا آخر بالتحدث إلى الطلاب، الذين بدا أنهم متعاطفون معي، بل بدا أن أكثر المدرسين لم يستريحوا إلى توجيه الدكتور محمد يوسف، وأنهم يؤيدون موقفي!
لم يعاقبني عميد الكلية مكتفيًا بإسداء بعض النصائح، وصرفني بعد انتهاء الحفل! والغريب أن علاقتي بالأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى توطدت، وكنت فيما بعد أثيرًا عنده، وطيلة مدة الدراسة بالكلية لم أستغن عن توجيهه وإرشاده، وبعد التخرج نمت بيننا صداقة عميقة، وتعاون في خدمة الدعوة الإسلامية! ويا للأستاذ ويا للتلميذ!
والثاني: موقفه الشهير مع حسني مبارك، الذي استفاض على الإنترنت، وأنقله هنا عن الدكتور العوا:
وحكايته أن حسني مبارك التقى ببعض العلماء، ومنهم أصحاب الفضيلة الشعراوي وجاد الحق والغزالي -رحم الله ثلاثتهم- وبعد انتهاء الجميع من الكلام جاء مندوب من مكتب الرئيس ليطلب من الشيخ الغزالي والشيخ الشعراوي والشيخ جاد الحق شيخ الأزهر البقاء، فانتظروا في غرفة أُجلسوا فيها، ودخل الرئيس مبارك عليهم، وكان المكان الخالي على أريكة في ناحية فيها الشيخ الغزالي، وجلس الرئيس في الناحية الأخرى، وبعد مجاملات معتادة قال الرئيس للشيخ الغزالي، وهو يربت على ركبته:
• ادع لي يا شيخ غزالي، أنا حملي ثقيل، أنا مطلوب مني كل يوم الصبح أوكل (أطعم) سبعين مليون!
يقول الشيخ: لم أشعر بنفسي وهو يقول ذلك، واستعدته الكلام: "انت بتجول إيه؟!".
فكرر عبارته: "أنا مطلوب مني كل يوم أوكل سبعين مليون".
فوجدت نفسي أنفجر فيه: انت فاكر نفسك مين؟ إياك انت فاكر روحك ربّنا! هو انت تجدر توكل نفسك! يا شيخ اسكت. وانت لو جت دبانة على أكلك تاكله، ولا تجدر تعمل فيها حاجه!
فارتبك مبارك وتغير لون وجهه، وقال: أنا قصدي من الكلام المسؤولية اللي علي.
لم أكن قد سمعته جيِّدًا، فأكملت: مسؤولية إيه؟! المسؤولية على اللي يجدر، واحنا كلنا في إيد ربنا. انت بكتيره بكتيره.. تدعي وتقول: يا رب ساعدني. لكن تقول: اوكلهم؟! وكِّل نفسك!
فوضع الرجل يده على ركبتي مرة أخرى وقال: استنى يا شيخ محمد، استنى، انت يمكن مش فاهمني.
• مش مهم افهمك، المهم انت تفهمني. يا أخي (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجًا؛ فلولا تشكرون)!
فسكت الرجل ونظرت إلى وجهه وهو متحير، فأدركت ما فعلت، وأفقت، فنظرت إلى الشيخين لعل أحدهما يعينني، فوجدت أكبرهما سنًّا قد أسند ذقنه على عصاه، وأغمض عينيه، ووجدت أكبرهما مقامًا قد أسند رأسه إلى مقعده، وأغمض عينيه تحت نظارته التي نصفها ملون ونصفها الآخر أبيض!
وأكمل الرئيس كلامه بما يشبه الاعتذار عما قال، والرضا بما كنت أقوله، وجامل كلًّا من الشيخين بكلمة، ثم قمنا لنخرج فأوصلنا إلى باب السيارة، فأسرع أحد الشيخين فجلس إلى جوار السائق، ودار الثاني ليركب من الباب خلف السائق، وكنت أنا أبطأهم خطوة، فمشى الرئيس إلى جواري حتى بلغنا باب السيارة، فمددت يدي لأفتحه فإذا بالرئيس يسبقني ليفتحه لي، فحاولت منعه من ذلك، وأمسكت بيده وقلت له: أرجوك يا سيادة الرئيس لا تفعل. فقال:
هذا مقامك يا شيخ محمد... أنا والله أحبك يا شيخ محمد، ادع لي.
ركبت السيارة وأغلق هو الباب، وبقي واقفًا إلى أن تحركت السيارة، فأشار إلي مودعًا، وانطلقت السيارة والشيخان صامتان، لم يتكلم أي منهما بكلمة حتى أوصلناهما؛ واحدًا بعد الآخر، ثم أوصلني السائق إلى بيتي.
وفي نفس الليلة أو صباح ثاني يوم هاتفاني؛ كل منهما على انفراد ليدعو ويقول: لقد قمت بفرض الكفاية عنا يا شيخ غزالي!
رحمه الله، ورضي عنه!
- الكلمات الدلالية
- الشيخ الغزالي
- سير العلماء
- تراجم
- علماء
- الغزالي
- محمد الغزالي
د. عبد السلام البسيوني