path

لأن أهاجر في جلباب أبي

article title

الهجرة ليست انتقالًا بالجسد فقط من مكان إلى مكان، وليست تغييرًا للعنوان الجغرافي فحسب، بل هي في حقيقتها انتقال في الوعي والفكر وطريقة النظر إلى الحياة. فالإنسان حين يهاجر يحمل معه حقيبته المادية، لكنه يحمل أيضًا حقيبة غير مرئية فيها ذكرياته، وثقافته، وعاداته، ومفاهيمه، وصورته عن المجتمع والإنسان والعلاقات.

ومن هنا تأتي الإشكالية: أن يهاجر الإنسان في جلباب أبيه؛ أي أن ينتقل من بلد إلى آخر وهو يحمل كل ما ورثه من بيئته الأولى دون مراجعة أو تأمل، وكأن الهجرة مجرد تغيير للمكان مع بقاء العقل والذهنية كما هي.

لا شك أن الإنسان لا ينبغي أن يهاجر من قيمه ومبادئه، فالدين والأخلاق والهوية ليست أمتعة تُترك عند الحدود. فالمهاجر يحمل معه إيمانه، وصدقه، وأمانته، واحترامه للإنسان، وحرصه على بناء الخير أينما كان، هذه قيم إنسانية ودينية ثابتة، وهي التي تجعل وجوده إضافة للمجتمع الجديد.

لكن الحديث هنا ليس عن القيم الثابتة؛ وإنما عن بعض الأفكار والعادات والتقاليد الاجتماعية التي نشأت في بيئة معينة، وربما كانت مناسبة لظروفها التاريخية والثقافية، ثم انتقلت مع الإنسان إلى بيئة جديدة مختلفة تمامًا، فبعض المهاجرين ينتقلون إلى مجتمعات جديدة بأفكار مغلقة، أو تصورات اجتماعية لا تتلاءم مع واقع المكان الذي اختاروا العيش فيه، فيحاولون إعادة إنتاج مجتمعهم القديم بدل أن يكونوا جزءًا إيجابيًا من مجتمعهم الجديد.

إن من حكمة الهجرة أن يدرك الإنسان الفرق بين الثوابت والمتغيرات؛ بين ما يجب الحفاظ عليه وما يحتاج إلى تطوير. فليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما وجدناه في بيئتنا الأولى صالحًا لكل زمان ومكان، هناك عادات جميلة تحمل روح المجتمع وقيمه، وهناك عادات أخرى تحتاج إلى مراجعة لأنها قد تعيق الاندماج أو تمنع الإنسان من التفاعل مع محيطه.

لقد كان المسلمون الأوائل في هجرتهم مثالًا على القدرة على التوازن؛ حملوا عقيدتهم وأخلاقهم، لكنهم تفاعلوا مع المجتمعات التي عاشوا فيها، وتعلموا، وبنوا، وأضافوا. لم تكن الهجرة عندهم انسحابًا من العالم، بل كانت انتقالًا لصناعة أثر جديد.

المهاجر الناجح ليس من يذوب في المجتمع الجديد حتى يفقد هويته، وليس من ينغلق داخل الماضي حتى يعجز عن العيش في الحاضر، وإنما هو من يجمع بين الأصالة والانفتاح؛ يحفظ جذوره لكنه يمد أغصانه نحو فضاء أوسع.

إن التحدي الحقيقي أمام المهاجر ليس كيف يحافظ على ما كان عليه فقط، بل كيف يطوّر نفسه ليكون قادرًا على العطاء في المكان الجديد. فالهجرة فرصة لإعادة اكتشاف الذات، وتنقية التجربة، وتحويل التراث إلى طاقة بناء لا إلى قيد يمنع الحركة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مهاجر على نفسه ليس: ماذا أخذت معي من بلدي؟ بل: ماذا أحتاج أن أراجع؟ وماذا أستطيع أن أضيف؟

فليس المطلوب أن نهاجر في جلباب آبائنا، وإنما أن نحمل من آبائنا الحكمة والقيم، ونخيط لأنفسنا جلبابًا جديدًا يناسب زماننا ومكاننا، ويحفظ أصالتنا ويمنحنا القدرة على المشاركة في صناعة المستقبل.

بالسداد والتوفيق 

د.يونس محمد صالح

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

article title

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

article title

قوارب النجاة .. عاشوراء طوفان الماضي وطوفان الحاضر

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

د. خالد حنفي

3 مسارات لتفعيل أثر القرآن في قلوبنا