path

لماذا نهاجر؟ .. الغاية والكيفية

article title

بارك الله لكم جميعا في عامكم القمريِّ الجديد 1448

أنا مولع بسؤال الغاية (لماذا) دون إهمال صنوه سؤال الهيئة (كيف).

لماذا؟ هما (سؤال الهيئة وسؤال الغاية) جناحا التّحليق؛ فلا يطير طائر من وحل السّفوح ابتغاء انعتاق عدا بهما معا.

فإن لم يكن ذلك كذلك فهو مهيض الجناح، بل أعدّ أنّ من أسباب تأخّرنا عكوف على سؤال الهيئة (كيف أؤمن وكيف أصلّي وغير ذلك) من دون اهتمام بصنوه (جناحه الأيسر)؛ أي سؤال: (لماذا أومن ولماذا أصلّي.. وغير ذلك).

كمثل مسافر يحتاج إلى الأمرين معا: تحديد غايته، والتجهّز بما يبلّغه إيّاها. هو سؤال المعنى بلسان الفلاسفة والحكماء، وهو سؤال المقصد بلسان الفقهاء، وهو سؤال المفهوم بلسان أهل اللّسان، وهو سؤال التدبّر بلسان القرآن الكريم؛ ذلك يقيك داء الحوَل وشرّ العوَر.

الهجرة سنّة كونية واجتماعية:

فقه سنن الكون والإجتماع فقرة فقه ووعي وعلم ومعرفة؛ فمن علم السّنن ووافقها يكون مثل الكوكب الذي يؤدّي رسالته في فلكه؛ فلا يأفل ولا يخرّ فتخطفه المهاوي ويفترسه الرّدى، لا علم في الدّين البتّة من دون علم بالسّنن، لذلك أطّر جهابذة علم المقاصد (الشاطبيّ وإبن عاشور) هذا العلم تحت سقف الفطرة وسننها. 

الكون مهاجر:

إلى أين تتّجه الشّمس وهي (تجري لمستقرّ لها)؟ جريانها ضمن ذلك النّطام الفلكيّ الواسع المحكم يعني جريان غيرها من مكوّناته، كمثل الجبال التي (تمرّ مرّ السّحاب)؛ إذ يعني ذلك مرور الأرض نفسها فلا تنفصل جبال في مرورها عن الأرض التي هي منبتها، المقصود من ذلك أنّ الكون كلّه في حركة هجرة. وليس ساكنا.

ذلك من أقوى الأدلّة التي اعتمد عليها علماء الكون (من رياضيين وفيزيائيين وكيميائيين وفلكيين) لإثبات حدوث الكون، وليس أزليته. ومعلوم لكلّ عاقل أنّ كلّ حادث متحرّك، وأنّ ذلك (الحدوث والحركة) مفضٍ بالضّرورة إلى الموت والفناء والزّوال. 

عالم الأحياء نفسه:

سنّة الهجرة مكتوبة على من في الأرض كذلك؛ إذ تهاجر الأطيار والحيتان في الأبحار ودابّة الأرض كلّها، والإنسان منها.

هو قانون الطّورية؛ أي الانتقال من طور إلى طور خلقة وزمنا. المقصود الأعظم من ذلك هو ترسيخ الاعتقاد بأنّ كلّ شيء يتغيّر ويتطوّر (أي ينتقل من طور إلى آخر بغضّ النّطر عن اتّجاه ذلك التطوّر) فهو إذن لا أزليّ؛ بل حادث، وكلّ حادث زائل، إلاّ الله سبحانه.

كلّ ذلك إذن موظّف عقديًّا بطريقة علمية، لا خرافية أسطورية، سواء بمنوال عربيّ أم غربيّ، بل منّ سبحانه على الإنسان بذلك وجعله من أسباب كرامته؛ أي حمله في البرّ والبحر (وحملناهم في البرّ والبحر).

عالم البضاعة والقيم نفسه كذلك؛ إذ لا رغد من دون هجرة البضاعة وهجرة العملة والقيم الدينية ذاتها ليرتدّ هذا عن دينه ويرتدّ ذاك إلى دين آخر.

عنوان حياة الإنسان الكدح والسّعي:

من فقه ذلك سنّة غلَّابة قبل فقهه فروع الدّين فقد ولج الإسلام من بابه الرّئيس؛ إذ فقه الحياة مقدّم على فقه الدّين، والدّين نفسه فقّه الإنسان في الحياة قبل تفقيهه في فروع الدّين؛ إذ قدّم له هوية رسالته وبوصلتها ووصم الكافرين بعدم الفقه.

من فقه ذلك جمع بين دأب العمل دون قنوط وعدم الانصدام ممّا يطرأ في هذه الحياة؛ إذ مبناها الهجرة، وليس السّكون.

عجبي لا ينقطع من كثيرين ممّن يتعجّبون -بل يصابون بالصّدمة الرّابكة- من التغيّرات التي تصيب الإنسان وقيمه وحياته. من مثل انحياز "شيوخ" كثيرين إلى الاحتلال أو الدولة المتصهينة العربية، لو يعي هؤلاء -وهم طيّبون- أنّنا محكومون بسنّة الطُورية؛ أي التغيّر وفي كلّ الاتّجاهات خيرها وشرّها معا.

ألسنا مقبلين على "المسيح الدجّال" الذي يتّبعه أكثر النّاس عند نزوله لفرط نجاحه في سحر عقولهم وطمس بصائرهم؛ فهو يحوّل لهم الجبال الصّخرية ذهبا اصفر يتلألأ؟

هنا عليك نفسك، ولكن بالمعنى الصّحيح، وليس بمعنى العزلة المفسدة (عليكم أنفسكم)، وليس: بأنفسكم؛ أي أهّلوها أن تفقد مناعتها الدّاخلية فتكون طعمًا سائغا في بطن كلّ ساحر أفّاك. 

وإلى لقاء جديد ..

الشيخ الهادي بريك الشيخ الهادي بريك

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

أثر المادية على العبادات .. وقصة إحرام الشباب

feather د. خالد حنفي

من سربرينيتسا إلى غزة .. عندما يتكرر المشهد ويختلف المكان

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

تلك أمة قد خلت.. عن معالجة الماضي ورجاله

article title

المقاصدية: سبيل استقامة أم تمييع؟

article title

لماذا نتجاهل الرجال في حياتهم فإذا ماتوا ذرفنا دموعا؟

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

أثر المادية على العبادات .. وقصة إحرام الشباب

د. يونس محمد صالح الزلاوي

من سربرينيتسا إلى غزة .. عندما يتكرر المشهد ويختلف المكان

د. يونس محمد صالح الزلاوي

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية