
تلك أمة قد خلت.. عن معالجة الماضي ورجاله

نصيحة:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قيمتان سطّرهما القرآن الكريم في معالجة الماضي ورجاله:
1- ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
2- ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وذلك لا يعني:
1- عدم دراسة التاريخ، وسوء إنزال قول عليّ رضي الله عنه: «تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلنطهر منها ألسنتنا».
2- ولكنّ ذلك يعني: استنباط العبرة قدر الإمكان، مع حفظ مقامات الناس، وخاصة إذا كانوا صحابة أو ممّن جاهد بعلمه ولسانه وقلمه أو بنفسه وماله.
3- كما يعني ذلك عدم الوثوق بالروايات التاريخية كلّ وثوق. إذا كان الحديث نفسه قد خضع لعلم الرجال الذي تفرغ له الجهابذة، ولم تُسنَد السيرة عمدًا بسبب عدم دلالتها على الحكم الشرعي العملي، وما جاء في الكتاب والسنة كافٍ في ذلك وزيادة، فإنّ سيرة الرجال أولى بعدم الوثوق. لا تُهمل تبخيسًا، ولكن لا تُقدّس تقديسًا. الفقيه نفسه والمحدّث والمفسر يتأثر بزمانه ومكانه شاء أم أبى.
4- الحديث المتعلق بقيمة شخص أو مكان أو زمان أو نبوءة لا يحمل قيمة عملية، ولذا تساهل بعض المحدثين في روايته. التشدد هو في كلّ حديث يحمل حكمًا، وخاصة بالإيجاب فلا تُشغل ذمة المرء وهي بريئة بظنّ، وبالتحريم فيُحرَم المرء من طيبات أُحلّت. ولذلك تساهلوا في الترغيب والترهيب وما ضعف من الحديث فيهما.
5- القرآن هو الحاكم، بمعنى أنّ قيمه التي سطرها تظل حاكمة على كل أثر في التاريخ مهما صحّ. الأدب فيه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. والعمل فيه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.
6- هذا الحقل لا يسلم منه سالم ولا ينجو منه ناجٍ، عدا من اعتصم بذلك الأدب، ومن درس التاريخ لأجل العبرة وليس لأجل الانتصار لهذا وفضح ذاك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
7- حقل كفيل بابتلاع من ليس له المؤهلات الكافية (قيمة أخلاقية وقيمة علمية)، كما يبتلع البحر من لا يُحسن السباحة، أو من يروم الغوص في أعماق بدون تجهيزات كافية.
8- ومن تسلح بذلك يظل مطالبًا بهذه القاعدة: (قدسية المبدأ وعلوية القيمة من جهة، ونسبية الفاعل وعدم عصمته من جهة أخرى). ولكن عدم العصمة لا تكفي لهدر قيمته المعنوية، خاصة وهو تحت التراب والله وحده أعلم به.
9- كلّ الاختلافات كانت سياسية أو بدافع سياسي (وربما في بعضها طائفي ومذهبي وغير ذلك)، وليست تفرقًا في الدين. نحن من تفرق في الدين، وليسوا هم.
10- تلك الدماء التي طهّر الله منها أسيافنا لا نطهّر منها ألسنتنا وأقلامنا، بمعنى تجاوز التاريخ وطمر التراث بجرة قلم سواء تبخيسًا أو تقديسًا. إذ نحن مطالبون بدراسة التاريخ، وهو القصة التي تمحض لها الكتاب العزيز بثلثه وأزيد. ولكن ندرس التاريخ (كما فعل ابن خلدون مثلًا) ابتغاء العبرة، لا ابتغاء إحياء معارك هرمت عظامها ونخرت. نطهّر ألسنتنا وأقلامنا من الإساءة لمن سبقنا مهما اختلفنا معه، فكيف ونحن مؤاخذون بحركة جسد مسيئة لمن هو معنا؟! الإساءة إلى من مات أبغض.
خلاصة:
التاريخ والتراث والحديث وعلم الرجال محيطات هادرة، قد ينفق المرء دونها نصف قرن كامل ولا يجني شيئًا كثيرًا. ومن نقل إلينا الحديث والأثر والتاريخ ليس معناه أنه هو يؤمن بذلك، ولكن من باب عدم كتمان العلم: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
فماذا لو سُئلت يوم القيامة عن كلام سطرته بأناملك في حقّ عليّ أو غيره؟! أتعذر عن ذلك بمضادة الشيعة؟! ومثله الحسين وغيرهما كثير.
ما ألجأك إلى هذا؟
أليست تحديات حاضرنا كفيلة بالمواجهة؟!
خذ مني هذا إن كنت ممن يستمع النصيحة:
من شغله الله في مثل هذا بخفض مقام الرجال (وخاصة الصحابة) فقد أراد الله به سوءًا. وقد قال السكندري: «إذا أردت معرفة مقامك فانظر أين أقامك».
من يرد الله به خيرًا يشغله إمّا بالاجتهاد في محاله ومن أهله، أو بالجهاد لتكون كلمة الله هي العليا.
لا يغرنك أنك تبحث. ابحث، ولكن بعد عقود من التعلم والتمحيص ومقارنة الروايات والآثار، وخاصة بأدب القرآن: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾.
اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد..
- الكلمات الدلالية
- بأقلام الأئمة
الشيخ الهادي بريك