path

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية

article title

ليس الفجر ساعةً من الزمن تُطوى مع دوران الأفلاك، ولكنه صفحةٌ من صفحات السماء، يفتحها الله كل يوم لعباده، ليكتب فيها أهل الإيمان أسماءهم بنور السجود، ومداد التلاوة، ودموع الخشوع.

فإذا سكتت الأصوات، وانحسر سلطان الليل، وأخذ الكون أنفاسه الأولى، خرجت الأرواح المؤمنة إلى بيوت الله، لا تحمل من الدنيا إلا أشواقها إلى ربها، ولا تطلب من الحياة إلا أن تبدأها بكلمةٍ من كلام الله.

وهناك في ذلك النور الهادئ الذي لا تعرفه إلا المساجد عند الفجر، كانت المدرسة القرآنية تكتب رسالتها، لا بالحبر، وإنما بالقلوب؛ ولا بالأوراق، وإنما بالأرواح، ما كان المسجد يومئذٍ بناءً من حجارة، بل كان قلبًا نابضًا، تتدفق في عروقه آيات القرآن، وتتردد في جنباته كلمات الوحي، وتتنزل عليه السكينة كما يتنزل الندى على الزهر في أول الصباح.

كان الأطفال يتسابقون إلى حلقات القرآن، وكأنهم يتسابقون إلى الجنة، وكان الشباب يجلسون في خشوعٍ يطوي عنهم ضجيج الدنيا، وكانت الوجوه المختلفة في أعمارها وألوانها وثقافاتها تتوحد تحت رايةٍ واحدة، هي راية القرآن.

هناك لم يكن الناس يتعلمون الحروف وحدها، بل كانوا يتعلمون كيف يكون الإنسان إنسانًا ، يتعلمون أن القرآن ليس كتابًا يُحفظ، وإنما حياةٌ تُعاش، وأن السنة ليست أخبارًا تُروى، وإنما نورٌ يُقتدى به، وأن الإسلام ليس ألفاظًا تتردد على الألسنة، وإنما خلقٌ يسري في الضمائر، ورحمةٌ تمشي على الأرض ، كم كانت تلك الساعات قصيرةً في حساب الزمن، طويلةً في حساب البركة، فإن الدقيقة التي تُعاش مع القرآن، لا تقاس بعقارب الساعة، وإنما بما تتركه في القلب من حياة، وكيف لا تكون كذلك، والله يقول:﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؟ أيُّ شهادةٍ أعظم من أن تتعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار على مجلسٍ يُتلى فيه كلام الله؟ وأيُّ تكريمٍ أجلُّ من أن يكون القارئ في ضيافة السماء، وهو بعدُ في هذه الأرض؟

لقد كان الفجر دائمًا امتحانًا للحب، فالمحب هو الذي يترك فراشه الوثير حين يدعوه محبوبه، ويغالب نعاسه ليقف بين يدي مولاه، فإذا وقف، انكشف عنه شيءٌ من ظلمة النفس، كما تنكشف ظلمة الليل عن وجه الصباح، ولذلك كانت صلاة الفجر بدايةً لا نهاية، وولادةً لا عادة، وانبعاثًا جديدًا للروح كلما أثقلتها الدنيا بأحمالها، ومن هنا جاءت رسالتنا في المدرسة القرآنية، لم نكن نريد حافظًا يردد الآيات، بل قلبًا يخشع لها، ولم نكن نريد قارئًا يحسن مخارج الحروف فحسب، بل إنسانًا تخرج أخلاقه من بين آيات القرآن كما يخرج العطر من الزهر، ولم نكن نبني برنامجًا دراسيًا محدودًا بساعات، وإنما كنا نغرس عمرًا كاملًا من الإيمان في نفوس الناشئة.

كان الطفل يدخل المسجد صغيرًا، فتحتضنه آيات الله قبل أن تحتضنه الكتب، وكان الشاب يجلس في الحلقة، فتسكن نفسه بعد اضطرابها، وكأن القرآن يعيد ترتيب فوضى القلب كما يعيد الفجر ترتيب ظلمة الليل، وهكذا كانت حلقات القرآن؛ مدارسَ للقلوب قبل أن تكون مدارس للعقول، وكانت دروس السنة تُعلِّم الناس كيف يتحول القرآن إلى سلوك، وكيف تمشي الآية في الأسواق، وتدخل البيوت، وتظهر في المعاملة، وتُرى في الصدق والأمانة والحياء والإحسان.

إن الأمة لا تُبنى بكثرة أبنيتها، وإنما بكثرة قلوبها العامرة بالقرآن، ولا يحرس مستقبلها كثرة السلاح، وإنما يحرسه جيلٌ عرف الفجر قبل أن يعرف اللهو، وألف المسجد قبل أن تألفه الشهوات، وأحب كتاب الله قبل أن تمتد إليه أيدي الغفلة.

وإن بلاد المهجر -بما فيها من تحديات- أحوج ما تكون إلى هذا الفجر؛ فإن الهوية لا يحفظها الشعار، وإنما يحفظها القرآن، ولا يصنع الأبناء كثرة الكلام، وإنما تصنعهم ساعةٌ يجلسون فيها بين يدي كتاب الله، فيتعلمون أن لهم رسالةً أكبر من حدود المكان، وأوسع من حدود الزمان.

إننا لا نشتاق إلى أيامٍ مضت، وإنما نشتاق إلى الأرواح التي صنعت تلك الأيام، نشتاق إلى مسجدٍ كان يضيق بأهله ولا يضيق بهم، وإلى معلمٍ يرى في كل طفل مشروعَ أمة، وإلى أبٍ يوقظ ابنه للفجر كما يوقظه لمستقبله، لأنه يعلم أن مستقبل الدنيا يبدأ من صلاح الدين.

فيا أهل القرآن إذا أردتم أن تعرفوا قيمة الفجر، فانظروا إلى القلوب التي عمرها، وإذا أردتم أن تعرفوا قيمة القرآن، فانظروا إلى النفوس التي هذبها، وإذا أردتم أن تعرفوا سرَّ بقاء هذه الأمة، فابحثوا عنه في تلك الصفوف التي تنتظم قبل طلوع الشمس، حيث يقف الناس سواءً بين يدي ربهم، لا يرفع أحدهم إلا التقوى، ولا يزينه إلا القرآن.

سيظل الفجر وعدًا إلهيًا يتجدد كل صباح، وستظل المساجد التي تعمره بالقرآن مناراتٍ تهدي الحائرين، وتصنع الرجال، وتربي الأجيال، وتغرس في الأرض بذور السماء، فإذا أشرقت الشمس بعد ذلك، لم تكن قد أشرقت على عالمٍ استيقظ من نومه فحسب، بل على قلوبٍ استيقظت للحياة بالله، وعرفت أن النهار الذي يبدأ بالقرآن لا تغلبه ظلمة، وأن الأمة التي تجعل الفجر موعدها مع ربها، لا يخبو نورها، وإن تكاثفت حولها الليالي.

وسيظل الفجر موعدًا مع الله، وسيظل القرآن روح الفجر، وستظل المدارس القرآنية -ما بقي فيها معلِّمٌ مخلص، وطالبٌ صادق، ومسجدٌ عامر- مصانع للنور، ومناراتٍ للهداية، وحصونًا تحفظ للأمة دينها وهويتها، جيلًا بعد جيل.

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فطوبى لمن شهد الفجر بالقرآن، وشهد له القرآن عند الله.

حفظ الله لنا مدرستنا القرآنية، وحفظكم الله جميعًا. وبالسداد والتوفيق.

د. يونس صالح.

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

article title

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

article title

قوارب النجاة .. عاشوراء طوفان الماضي وطوفان الحاضر

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

د. خالد حنفي

3 مسارات لتفعيل أثر القرآن في قلوبنا