path

الهجرة النبوية: فكرة وعبادة ومدرسة وقانون

article title

ونحنُ نستقبلُ عامًا هجريًّا جديدًا، لا ينبغي أن تبقى الهجرةُ في وعينا مجرّدَ ذكرى تاريخيّةٍ نُقلّبُ صفحاتِها، أو حادثةٍ عظيمةٍ نُعجَبُ بتفاصيلِها؛ بل ينبغي أن نقرأَها بوصفِها فكرةً حيّةً، وعبادةً مشروعةً، ومدرسةً تربويّةً، وقانونًا اجتماعيًّا من قوانينِ اللهِ تعالى في حركةِ الدعواتِ والأممِ والمجتمعاتِ.

1- الهجرةُ "فكرةٌ" حيَّةٌ

فالهجرةُ فكرةٌ حيَّةٌ، وليست رحلةً تاريخيَّةً انتهتْ بموتِ أصحابِها؛ بل هي فكرةٌ تتجدَّدُ كلَّما ضاقَ الأمرُ على المؤمنِ، وكلَّما ضُيّقَ على الرسالةِ، وكلَّما حيلَ بينَ الإنسانِ وبينَ أن يعيشَ حرًّا كريمًا، مستقيمَ الدينِ، عزيزَ النفسِ، نقيَّ الضميرِ.

فالمؤمنُ المتمسّكُ بالمبدأِ والرسالةِ والقيمِ سيظلُّ في مواجهةٍ متكرِّرةٍ ودائمةٍ مع المفسدينَ في الأرضِ، والظالمينَ المستبدِّينَ؛ فإمّا أن يبحثَ عن موضعٍ يقيمُ فيه شعائرَ دينِهِ، ويحفظُ فيه كرامتَهُ، ويجدُ فيه كما قالَ القرآنُ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، وإمَّا أن يتنازلَ عن قيمِهِ ورسالتِهِ، ويرتضيَ المهانةَ والذلَّ، ويسمحَ لنفسِهِ أن يرى الاستضعافَ والاستخفافَ والمنكرَ والقهرَ دونَ أن يحرّكَ ساكنًا.

والهجرةُ بهذا المعنى ليست فرارًا من المسؤوليَّةِ، بل هي انتقالٌ من فضاءِ العجزِ إلى فضاءِ القدرةِ، ومن بيئةِ القهرِ إلى بيئةِ البناءِ، ومن انتظارِ الفرجِ السلبيِّ إلى صناعةِ المجالِ الذي يمكنُ فيه للدينِ والإنسانِ والكرامةِ أن تنهضَ من جديدٍ.

 قالَ النبيُّ ﷺ: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتّى تنقطعَ التوبةُ»، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «إنَّها ستكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ». فالهجرةُ باقيةٌ بمعانيها ما بقيَ في الأرضِ ظلمٌ، واستضعافٌ، وفتنةٌ في الدينِ، وحاجةٌ إلى نصرةِ الحقِّ وإقامةِ العدلِ.

---

2- والهجرةُ "عبادةٌ" مشروعةٌ

والهجرةُ عبادةٌ وقربةٌ إلى اللهِ تعالى إذا توفّرتْ شروطُها، وانتفتْ موانعُها، وصدقتْ فيها النيَّةُ. فهي ليست انتقالًا جغرافيًّا فحسبُ؛ بل انتقالٌ تعبّدِيٌّ من حالٍ لا يستطيعُ فيها المسلمُ أن يحفظَ دينَهُ وكرامتَهُ إلى حالٍ أقدرَ على إقامةِ شعائرِ اللهِ، وحفظِ النفسِ، وصيانةِ العرضِ، والعيشِ في عزّةٍ وكرامةٍ.

قالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

فهذه الآيةُ تجعلُ الهجرةَ عملًا تعبُّديًّا عظيمًا إذا كانتْ إلى اللهِ ورسولِهِ، لا إلى دنيا يُصيبُها الإنسانُ، ولا إلى جاهٍ يطلبُهُ، ولا إلى راحةٍ مجرَّدةٍ ينشدُها؛ فالعبرةُ ليست بالخروجِ وحدَهُ، بل بوجهةِ الخروجِ ونيّتِهِ ومقصدِهِ.

ومع ذلكَ، فالهجرةُ ليست هي الأصلَ في كلِّ حالٍ، ولا يجوزُ لمسلمٍ ولا مسلمةٍ أن يخرجَ من دارِهِ بغيرِ موجبٍ معتبَرٍ؛ لأنَّ الأصلَ هو عمارةُ الأرضِ، وإصلاحُ المجتمعِ، والصبرُ على البلاءِ ما دامَ الصبرُ ممكنًا، وما دامتْ إقامةُ الدينِ وحفظُ الكرامةِ ممكنَيْنِ.

أمّا إذا تعذّرَتْ إقامةُ شعائرِ الدينِ، أو تعرّضَ الإنسانُ لفتنةٍ قاهرةٍ في دينِهِ، أو ضاعتْ كرامتُهُ وأمنُهُ وعرضُهُ، فحينئذٍ تصبحُ الهجرةُ بابًا من أبوابِ النجاةِ، وسُنّةً من سُننِ التحرّرِ من الاستضعافِ.

قالَ تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟﴾.

ومن رحمةِ اللهِ تعالى أنَّهُ استثنَى المستضعفينَ العاجزينَ، فقالَ سبحانهُ:

﴿إلَّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.

وهذا من كمالِ عدلِ الشريعةِ ورحمتِها؛ فهي لا تكلّفُ الناسَ ما لا يطيقونَ، ولا تسوِّي بينَ القادرِ والعاجزِ، ولا بينَ من وجدَ سبيلًا ومن لم يجدْ سبيلًا.

---

3- الهجرةُ "مدرسةٌ" تربويَّةٌ

والهجرةُ مدرسةٌ تربويَّةٌ كبرى؛ لأنَّ المسلمَ الصادقَ قد يُبتلَى في أحبِّ الأشياءِ إلى نفسِهِ. والنفسُ البشريّةُ تحبُّ الركونَ إلى الأهلِ، والولدِ، والمالِ، والدارِ، والعشيرةِ، والمكانِ الذي ألفتْهُ واعتادتْهُ. أمَّا المهاجرُ الصادقُ، فهو الذي يربّي نفسَهُ على أنَّ الحقَّ أغلى من الراحةِ، وأنَّ الرسالةَ أعلى من العادةِ، وأنَّ كرامةَ الدينِ والنفسِ لا يجوزُ أن تُباعَ بحجّةِ التعلّقِ بالأرضِ أو المالِ أو الجاهِ.

وقد جمعَ القرآنُ هذه العلائقَ الكبرى في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾.

قالَ ابنُ عتيقٍ، رحمهُ اللهُ: "وما من أحدٍ يتركُ الهجرةَ إلّا وهو يتعذَّرُ بشيءٍ من هذه الثمانيةِ، وقد سدَّ اللهُ على الناسِ بابَ الاعتذارِ بها، وجعلَ مَن تركَ الهجرةَ لأجلِها، أو لأجلِ واحدٍ منها، فاسقًا. وإذا كانتْ مكّةُ هي أشرفَ بقاعِ الأرضِ، وقد أوجبَ اللهُ الهجرةَ منها، ولم يجعلْ محبّتَها عذرًا، فكيفَ بغيرِها من البلدانِ؟".

ومن أعظمِ دروسِ الهجرةِ أنَّ التربيةَ الإيمانيَّةَ لا تُقاسُ بالكلامِ وحدَهُ، بل تُقاسُ ساعةَ المفاصلةِ بينَ المبدأِ والمصلحةِ، وبينَ الرسالةِ والراحةِ، وبينَ الكرامةِ واعتياد الذلِّ. فكم من إنسانٍ يرفعُ شعارَ الحقِّ، فإذا ابتُليَ بشيءٍ من مالِهِ أو مقامِهِ أو علاقاتِهِ، تراجعَ، واعتذرَ، وسكتَ عن الباطلِ، وسمَّى عجزَهُ حكمةً، ورضاهُ بالاستضعافِ واقعيَّةً.

الهجرةُ تعلّمُنا كذلكَ أنَّ محبّةَ الأوطانِ لا تعني عبادةَ الترابِ، وأنَّ الوفاءَ للأهلِ والعشيرةِ لا يجوزُ أن يكونَ قيدًا يُعطّلُ طاعةَ اللهِ، وأنَّ المسلمَ لا يخاصمُ وطنَهُ، ولكنّهُ لا يرضَى أن يتحوّلَ الوطنُ إلى صنمٍ يُقدَس، أو سجنٍ لروحِهِ ودينِهِ وكرامتِهِ.

---

4- الهجرةُ “قانونٌ” اجتماعِيٌّ

والهجرةُ من نواميسِ الكونِ الغلَّابةِ، ومن سُننِ اللهِ الماضيةِ في الأممِ والمجتمعاتِ؛ فما دامَ في الناسِ برٌّ وفاجرٌ، وأمينٌ وخائنٌ، وظالمٌ وعادلٌ، ومصلحٌ ومفسدٌ، فإنَّ حركةَ الدعواتِ ستظلُّ تصطدمُ بسلطانِ الفسادِ والاستبدادِ، وستظلُّ تحتاجُ أحيانًا إلى انتقالٍ واعٍ، لا يهربُ من الواقعِ، بل يبحثُ عن موقعٍ أصلحَ للتأثيرِ والبناءِ.

وعلى المسلمِ أن يفهمَ هذا الدرسَ جيِّدًا؛ لأنَّ قوانينَ الكونِ وسُننَ اللهِ تباركَ وتعالى غالبةٌ وقاهرةٌ، ولا يمكنُ مصادمتُها بالأمنياتِ والشعاراتِ. ولكنَّ الواجبَ هو اكتشافُ الفرصِ من خلالها، وتوظيفُ تلكَ السُّننِ لنصرةِ دينِ اللهِ، والتعريفِ برسالتِهِ الخالدةِ في أيِّ مكانٍ.

فلولا الهجرةُ لما بلغتْ دعوةُ اللهِ تعالى آفاقَ الزمانِ والمكانِ، ولولا الهجرةُ لما عُرفتْ معادنُ الرجالِ، ولما تميّزَ الصادقُ من المتردّدِ، ولا الثابتُ من المتعلّقِ بالأعذارِ، ولا صاحبُ الرسالةِ من صاحبِ المصلحةِ.

ومن دلائلِ كونِها سُنّةً وقانونًا أنَّ ورقةَ بنَ نوفلٍ، لمّا سمعَ خبرَ الوحيِ من النبيِّ ﷺ، قالَ لهُ: "ليتَني أكونُ حيًّا إذ يخرجُكَ قومُكَ". فقالَ النبيُّ ﷺ: «أَوَمُخرِجيَّ هم؟». فقالَ ورقةُ: "نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثلِ ما جئتَ بهِ إلّا عُوديَ".

لا يسع المقام لتعداد الدروس والعبر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فالسيرةُ ترجمانٌ عمليٌّ للقرآنِ، والقرآنُ لا تنقضي عجائبُهُ، ولا يخلقُ من كثرةِ الردِّ.

كلُّ عامٍ وأنتم إلى اللهِ تعالى أرضَى وأقربُ، وأيامُكم أهنأُ وأهيأُ للخيرِ والعملِ الصالحِ.

د. ونيس المبروك

د. ونيس المبروك د. ونيس المبروك

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

نقطة نظام بين الهجرة والهجر من صناعة المكان إلى صناعة الإنسان

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

أين نجد إيمان العجائز؟ وما حاجتنا إليه؟

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

المصلحون وعصر "التفاهة"

article title

أخطر أمراض العصر .. رسالة إلى أئمة المسلمين

article title

محاولة في ترشيد الوعي والسعي

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

نقطة نظام بين الهجرة والهجر من صناعة المكان إلى صناعة الإنسان

الشيخ طه عامر

أين نجد إيمان العجائز؟ وما حاجتنا إليه؟

د. عبد السلام البسيوني

الإسلام والحملة على قبح الجاهلية وعوائدها [2]