هل نسينا "أقصانا" أم سُكِّرت أبصارنا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
نعم إنه تساؤل صادم ولكنّه واقع يواجهنا، ولو أعدنا صياغته، لما اختلف كثيرًا عن قولنا: هل أُغلق "أقصانا" أم عميت أبصارُنا وذهبت عقولُنا وماتت قلوبنا؟ فإن ضاق صدرك بكلماتي، أيها القارئ، فإن لك أن تختار من العبارات ما تصف به ذلّنا وهواننا، لأنك تعرف أحوالنا وتوقن أن "أقصانا" صار يتحكّم فيه عدوُّ الله وعدوُّنا، وقلّما نجد للجهر بالحقّ أعوانا.
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلَّما يقومُ من مَجلسٍ حتَّى يدعوَ لأصحابِهِ بِكلِماتِ جامعة لكل خير، منها هذا الدعاء العظيم: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا» (أخرجه الترمذي والنسائي والطبراني).
كم نحرص على أبداننا من الأمراض ونهرع للطبيب عند الإصابة، وهو أمر مشروع لا ريب فيه. وقد نغفُل عن أنفسنا وقلوبنا ولا ننتبه لما يصيبنا في ديننا الذي تصلح به دنيانا وآخرتنا، ومن ذلك أن تُمَسّ مقدّساتُنا فلا نتأثر ولا نفحص أنفسنا عن مدى إحساسنا فنتساءل عن مكمن الخلل.
من أخطر أمراض البدن فقدانُ الشعور بالمرض نفسه، سواء كليًا أو جزئيًا. وأشدُّ أمراض القلوب خطورةً فقدانُ المشاعر وموتُها، عندما تعتاد النفوس على المشاهد المروّعة والأخبار الحزينة فلا تتحرك للخطوب. وقد رأينا ذلك بوضوح لدى كثير من الناس أثناء حرب غزة العزة، ولا يزال يحدث حين يشاهدون التقتيلَ والاعتداء على المستضعفين، كما في بلاد المسلمين. وما إغلاقُ المسجد الأقصى، أولى القبلتين، عن هذه المآسي ببعيد.
وكأنَّ الأقصى بلا ناصر!
منذ ثلاثين يوما والأقصى مُغلَقٌ على أيدي الصهاينة الفاجرين، مستفزّين أهل فلسطين ومشاعر كلّ المسلمين، وكثير منا يخوضون معارك كلامية حول نية وتاريخ وحقيقة إسلام من يجابهونهم مشكورين من أهل إيران، بعدما اعتدوا عليهم. وكأن الوقت يسمح لفتح الملفات للمحاسبات والمراجعات بين أطراف الأمة، أو بالأحرى بين عقلائها وعلمائها. وحيثُ انفرطَ العقدُ، استطالَ كلُّ ذي لسانٍ على مخالفِه، يرميه تارةً بحقٍّ، وأخرى رجمًا بالغيب.
لقد تفشّت ظاهرةُ المسارعة إلى الحديث في موضوعاتٍ لها أهلٌ أحاطوا بها خبراً، ويأبى بعض الهائجين وأنصاف المتعلّمين إلا أن يزاحموهم فيها ليُثبتوا لهم بين الناس ذكراً. وكأنه لا آخرةَ ولا حسابَ ولا عقابَ ولا عذابَ، وإنما هو خالصُ الثواب! إن هذا لشيء عُجاب.
أدعو من يحاكم الآن إخوانه المسلمين، بغض النظر عن تقييم أعمالهم إيجابًا أو سلبًا، أن يسدّد القول إلى من لا خلاف في ظلمه على كل تقدير، كما قال ربنا جل وعلا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114]. إنَّ من أغلقوا المسجدَ الأقصى جمعوا بين ظلماتِ كلِّ ظلمٍ؛ لقد أغلقوا أحدَ أهمِّ مساجدِ المسلمين، واحتلّوا قُدسَهم وأرضَ فلسطين، واعتدَوا على كثير من بلدانهم كلبنانَ وسوريا وإيرانَ، في خطّةٍ مُعلَنةٍ يبتغون بها جمعَ ما بين الفراتِ إلى النيل. ولا يزالُ جزءٌ من جهودِ المسلمين، بل من بعضِ المنتسبين إلى العلم، يُبذَلُ سُدًى في تعميقِ انقسامِ الأمّة، حين لا تُرشَّدُ الكلمة.
لو جُمعت أقوال القائلين في الأحداث الراهنة في رزمة، وأُلقيت صيحةً واحدةً على من أغلق المسجد الأقصى، لربما أردته قتيلًا. ولكننا، في الاستقواء على بعضنا البعض، نسلك كل سبيل، ولا نكاد نترك فتيلاً.
في خضمّ الأحداث وكثرة الكلام فيها، خيّمَ الصمتُ على منكَرِ إغلاق المسجد الأقصى في أغلب المحافل واللقاءات، وحتى لدى كثير من أهل العلم والإمامة والدعوة. ولا بدّ لنا في هذا من وقفة...
أفبسكوتنا نحافظُ على قداسة أقصانا في قلوبنا وقلوب أبناء أمتنا؟
ذريعة الموازنات والمآلات:
أعجب أحيانًا لمن يعذر نفسه في التفريط بواجب القول، لمّا يلجأ إلى ليّ أعناق نصوص بعض القواعد الاصولية الشرعية، ليُوهم نفسَه أنه على شيء. فيذكر، على سبيل المثال، أن حديثه الآني حول المسجد الأقصى لا يُقدّم ولا يؤخّر في شيء، عند النّظر إلى المآلات وتقدير الأمور بفقه الموازنات، خصوصًا إذا كان يُحتمل أن يفقد منبره أو صفحته، أو أي وسيلة يبلّغ بها دعوتَه، فيظهر له أنه قد يُنشئ مفسدة بتفويت مصلحة!
ألا يتساءل فقيهنا البارع: أليس من المُحتمل أن يكون سكوتي عينَ المفسدة، لأنه ربّما يساهم في إماتة الغيرة على دين الله، وعلى أحد أهمّ مساجد الله، بغضّ النظر عن نتائجه الخطيرة على أرض فلسطين وأهلها؟ ألا يُعدّ صمتي ركونًا إلى الظالمين؟ وقد قال ربنا: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]، إذ يلزم أن يكون الركون بالموافقة، بل قد يكون بغيرها مما يزيد الظالم جرأة في غيّه، من سكوتٍ عن الحقّ وإخلاء السبيل له.
ثم إني أتساءل: إذا كان الحديث في أمر جلل كهذا لا تُرجى منه ثمرة، فهل تُرجى في غيره بالسكوت عنه؟ ألا يكفي صاحبَنا من ذلك إبراءُ الذمة إلى ربّه، وتثبيتُ الحقّ في قلوب أبناء أمَّته؟
صمت عامّ وغريب ووجه للتطبيع مريب
السكوت عن إغلاق أولى القبلتين مؤذنٌ باحتمال السكوت عن إغلاق الحرمين. لنا أن نتصور جدلًا: لو أُغلق المسجد الحرام في وجهنا، فهل يسعنا أن نصمت ونتوقّف عن الطواف وسائر شعائر الحج؟ أم سنردّد ما قاله عبد المطلب، جدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأبرهة الحبشي عام الفيل: "لِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ"، وننسى أنه ما كان معه رهط يذود به عن الكعبة المشرفة؟
إننا أمة لها دول وشعوب ومؤسسات ومدارس، لكننا لم يعد يؤثر فينا الهول، حيث صرنا غثاءً كغثاء السيل، إلّا من رحم الله، ممّن لا زالوا متمسّكين بالحقّ، وليكن في مقدّمتهم العلماء والمفكرون والدعاة والأئمة. فإن هم فشلوا، فعلى من نُعوّل لتقوم لنا قائمة؟
إن أقلّ ما يمكن فعله هو الدفاع المستميت عن " أقصانا " وعن أمتنا بالكلمة التي قد لا نملك غيرها، والتي قد نؤثر بها على من بيده القرار، ليأخذ الأمر بجدّ، فينظر فيه مع أمثاله على مستويات أخرى بقدر ما هو منوط بكل أحد. فإن فرّط وتخاذل، فلا يجوز لنا الفشل، بل يجب علينا مدافعة الباطل بالحكمة والعمل.
تُحسب لعبد المطلب أنه واجه أبرهة بقوله: «للبيت رب يحميه»، لأنه لم يخش جانبه، بل ذكر له المعقول في وقته، ودليلُه أن الموقف لم يمنعه من أن يُطالب بحقّه قائلا: «رُدّ عليّ إبلي التي أخذتموها». ويا له من درسٍ في الرجولة!
أما نحن، فقد صار أغلبنا لا يحرّك ساكنًا، ليس تنازلاً عن نوق وجِمال، بل سكوتاً عن إغلاق "أقصانا" وأخذ أسرانا، وهتك أعراضنا، وتغيير معالم ديننا، ونحن نتلاءم مع ذلك مطبّعين عمليًا، في حين نصرخ في وجه التطبيع نظريًا.
قال سيدنا عليٌّ رضي الله: "حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهَّم أهل الباطل أنهم على الحق".
كأنّ سكوتنا عن إغلاق المسجد الأقصى كان خطةً مؤقتةً، وحاجةً لاستراحة بعد جهد كبير عقب حرب غزة، بعدما وضعت أوزارها. وكأننا كنا الأبطال الأشاوس فيها! فما الذي فعلناه؟ الخيّر منا من قال كلمة الحق في وقتها وبذل من ماله. نحن الآن نعيش في سعة ورغد مقارنة بما يعانيه إخواننا في أرض الرباط، أفلا نقدر أن نؤازرهم من بعيد، ولو بكلمة؟ كلمة تستوعبها منابر المساجد، وصفحات التواصل، ووسائل المسموعات والمكتوبات، كذا المظاهرات...
رحم الله مالك بن نبي لقوله: "لا تصمت عن قولٍ ولو كان مُرًّا، فعندما تضع لجامًا في فمك، سيضعون سرجًا في ظهرك".
أملُنا أن يراجع أهل العلم والدعوة نيّاتهم وأولويات خطابهم، ليُثبتوا في قلوب المسلمين أن فلسطين محور قضيتهم، وأن السكوت عن المسجد الأقصى والقدس سيبقى عارًا في جبينهم، راجين من الله تعالى أن يربط على قلوبهم، ويوحّد صفوفهم، ويُبصّرهم بأهدى سُبُلهم. {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196]
نسألك اللهمّ فرجا قريبا بفتح المسجد الأقصى وتحرير فلسطين وكلّ بلاد المسلمين أجمعين. آمين
أخوكم عبد الجليل حمداوي
الشيخ عبد الجليل حمداوي