path

العشريَّات الأربع الرمضانية

article title

العشريَّات الأربع الرمضانية

رحلة التثبيت والتوطين والتمكين في مدرسة الصيام

رمضان ليس شهرًا في التقويم، بل هو زمنٌ نوعيٌّ في مسيرة الروح، ومحطةُ إعادة تشكيل للإنسان في أبعاده الثلاثة: الوعي، والإرادة، والسلوك. إنه دورةٌ تربوية متكاملة، تبتدئ بالتخلية ثم التحلية ثم التجلية، حتى يبلغ السالك مقام التمكين.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فالغاية ليست الجوع، بل التقوى؛ وليست المشقة، بل التزكية؛ وليس الامتناع، بل الارتقاء.

ومن هنا كانت العشريّات الأربع الرمضانية منهجًا في الارتقاء الروحي:

عشرٌ عامَّة لاغتنام الشهر كلِّه.

عشرُ التثبيت (الأولى).

عشرُ التوطين (الوسطى).

عشرُ التمكين (الأخيرة).

أولًا: عشر توجيهات لاغتنام شهر رمضان كلِّه

1. استحضار النيَّة الرساليَّة، اجعل رمضان مشروعَ تغيير لا موسمَ عادات؛ قال ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.

2. التوبة النصوح قبل الدخول، لأن القلب الملوَّث لا يتلقى أنوار الشهر. قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: 31].

3. برنامج قرآني يوميٌّ منضبط، رمضان شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185].

4. ضبط الجوارح قبل ضبط المعدة، قال ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.

5. قيام الليل ولو بالقليل الدائم، (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

6. الاقتصاد في الطعام والنوم، لأن الشبع يُثقِل الروح ويُضعِف الإرادة.

7. إحياء فقه الدعاء، وتأمل أن آية الدعاء جاءت وسط آيات الصيام (البقرة: 186)، وكأن الصوم معراج الدعاء.

8. صلة الرحم وإصلاح ذات البين، فالشهر شهر سلام لا خصام.

9. الصدقة اليومية ولو بالقليل كان ﷺ (أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان) متفق عليه.

10. وضع هدف تحولي واضح، عادة سيئة تُقلع عنها، أو فضيلة تُرسّخها؛ ليكون رمضان نقطة انعطاف.

العشر الأولى: عشر التثبيت، هي مرحلة تثبيت العزم وترسيخ الإيقاع التعبدي؛ فالبدايات هي أخطر المنعطفات.

1. تثبيت حضور الفجر جماعة.

2. تثبيت وِردٍ قرآني لا ينقطع.

3. تثبيت صلاة التراويح كاملة بخشوع.

4. تثبيت ذكرٍ صباحي ومسائي.

5. تثبيت ساعة خلوة يومية مع النفس.

6. تثبيت ضبط اللسان.

7. تثبيت الصدقة اليومية.

8. تثبيت النية قبل كل عبادة.

9. تثبيت الصحبة الصالحة.

10. تثبيت جدول يومي واضح.

فالتثبيت هنا هو بناء “العادة الصالحة”، لأن السلوك المتكرر يتحول إلى طبع، والطبع يصنع المصير.

العشر الوسطى: عشر التوطين، بعد أن يثبت السالك إيقاعه، ينتقل إلى “توطين القلب” في مقامات العبودية؛ فلا يعود يؤدي العبادة، بل يسكنها وتسكنه.

1. توطين القلب على الخشوع، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2.]

2. توطين النفس على الصبر العميق.

3. توطين الفكر على التدبر القرآني لا مجرد التلاوة.

4. توطين النفس على الاقتصاد في المباحات.

5. توطين القلب على محبة الله.قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ].

6. توطين النفس على مراقبة الله (الإحسان)، (أن تعبد الله كأنك تراه…) متفق عليه.

7. توطين النفس على العطاء الخفي.

8. توطين الروح على السكينة.

9. توطين العقل على التفكر في المصير والآخرة.

10. توطين القلب على الرضا.

فمرحلة التوطين هي الانتقال من المجاهدة إلى الأنس، ومن التكلف إلى التذوق.

العشر الأخيرة: عشر التمكين، هنا تبلغ الرحلة ذروتها؛ إنها مرحلة الاصطفاء، وموعد العتق، وزمن القدر.

قالت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» متفق عليه.

1. الاعتكاف ولو بالنية والوقت المحدود.

2. تحرّي ليلة القدر، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ القدر: 3.

3. إحياء الليل كاملًا أو جُلّه.

4. مضاعفة الدعاء بالعفو، قال صلى الله عليه وسلم قولي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رواه الترمذي وابن ماجه.

5. الانقطاع عن الملهيات.

6. مراجعة شاملة لمسار الشهر.

7. إصلاح علاقةٍ متصدِّعة.

8. تجديد العهد مع القرآن.

9. الاستعداد لما بعد رمضان بخطة استمرار.

10. طلب التمكين في التقوى لا في الدنيا، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

فالتمكين هنا ليس سلطانًا أرضيًّا، بل سلطان النفس على نفسها، وتمكين القلب من الاستقامة بعد الانقضاء.

هيا معا ننتقل من التثبيت إلى التمكين رمضان رحلة أربعينية مكثّفة: تبدأ بالعزم، ثم تثبيت السلوك، ثم توطين المعنى، ثم تمكين الأثر.

فإذا خرج العبد من رمضان وقد تغيَّر وعيُه، وترسَّخت عاداته الصالحة، واستوطنت الطاعة قلبه، واستقرت التقوى في ضميره — فقد نال العيد الحقيقي قبل يوم العيد.

قال بعض السلف: "ليس العيد لمن لبس الجديد، إنَّما العيد لمن خاف الوعيد".

اللهم اجعلنا من أهل التثبيت، وأهل التوطين، وأهل التمكين، واكتب لنا في هذا الشهر عتقًا من النار، وفتحًا في البصائر، وثباتًا بعده إلى يوم نلقاك.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وبالسداد والتوفيق.

د. يونس صالح 

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

feather د. عبد السلام البسيوني

حدث في رمضان: وفاة المبرأة من فوق سبع سماوات

feather د. عبد السلام البسيوني

اقرأ أيضا للإمام

article title

وحدة المرجعية الأوروبية بين الظن واليقين

article title

فلسفة الأفضليَّات في الصيام

article title

رمضان وإحياء الضمائر

banner title

مقالات مرتبطة

د. عبد السلام البسيوني

حدث في رمضان: وفاة التي سلم عليها رب العالمين

د. عبد السلام البسيوني

حدث في رمضان: وفاة المبرأة من فوق سبع سماوات

الشيخ سالم الشيخي

ضبط الخطاب في زمن الاستقطاب: رؤية شرعية للحرب على إيران