path

فلسفة الأفضليَّات في الصيام

article title

الصيام ليس مجرَّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيبٍ للوجود الإنساني كلِّه، إنَّه لحظةُ مراجعةٍ شاملة، يُعيد فيها الإنسان النظر في سلَّم قيمه، وفي موقع كلِّ فعلٍ من أفعاله، وكلِّ معنى من معانيه؛ ففي أيام الصوم لا يجوع الجسد فحسب، بل تستيقظ الروح لتسأل ما الذي ينبغي أن يُقدَّم؟ وما الذي ينبغي أن يُؤخَّر؟ ما الأصل وما الفرع؟ ما الغاية وما الوسيلة؟ من هنا كان الحديث عن الأفضليات في الصيام حديثًا عن الترتيب في الدين، لا عن مجرد تفاضلٍ عدديّ بين الأعمال، فالأفضلية ليست حسابًا رياضيًا، بل وعيٌ بالمقاصد، وإدراكٌ لمواقع الأشياء في ميزان الشرع.

قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فالتقوى هي الغاية الجامعة، وكل أفضليات الصيام تدور في فلكها؛ إذ ليست الغاية أن نجوع، بل أن نرتقي، وليست المقصود صورة الإمساك، بل حقيقة الاتقاء.

أوَّلًا: أفضليات العبادات: من الكثرة إلى الجودة؛ رمضان ليس شهر تضخيم الأرقام، بل شهر تعميق المعاني، قد تكثر الحركات وتقلُّ البركات، وقد يقلُّ العمل ويعظم أثره، لذلك كان أوَّل ترتيبٍ في الأفضليَّات تقديم الفرض على النفل.

فالفرض هو حدُّ العبوديَّة الأدنى الذي لا يسع المؤمن التفريط فيه، وهو إعلان الانتماء الصادق لأمر الله، أمَّا النفل فهو كمال القرب وزينة الطريق، من قدَّم النوافل وأهمل الفرائض فقد عكس الميزان؛ لأنَّه اشتغل بالتحسين قبل التأسيس، وبالزينة قبل البنيان.

ثم تأتي أفضليَّة أخرى، وهي أنَّ العبادة المتعدِّية النفع أرجح من القاصرة؛ فقراءة القرآن نورٌ للقلب، لكن تعليم آيةٍ أو إرشاد جاهلٍ قد يتضاعف أثره؛ لأنَّ الخير إذا تجاوز صاحبه اتَّسع في ميزان الله، وهنا يتحوَّل رمضان من تجربةٍ فرديَّةٍ إلى رسالةٍ اجتماعيَّة.

ويكتمل هذا المعنى بقاعدةٍ ثالثة دوام القليل أفضل من انقطاع الكثير؛ فالثبات دليل رسوخ، أمَّا الاندفاع المؤقت فقد يكون أثر انفعال لا ثمرة إيمانٍ مستقر، والجودة في الاستمرار، لا في الانفجار العابر.

ثانيًا: أفضليَّات العقيدة: تثبيت الأساس قبل زخرفة البناء؛ الصيام يُعيدنا إلى أصل الأصول التوحيد، فلا قيمة لجوعٍ لا يحمله معنى العبوديَّة، ولا وزن لعبادةٍ لم تُبنَ على تصورٍ صحيحٍ عن الله.

أعظم أفضليَّات رمضان أن يُقدَّم تصحيح العقيدة على تحسين الأداء؛ لأنَّ فساد الأصل يُفسد الفرع، بينما صلاح الأصل يُصلح ما بعده، استحضار أسماء الله، وحكمته في التشريع، ورحمته في التكليف، يجعل الصيام وعيًا لا عادة.

ومن هنا كان اليقين مقدَّمًا على الجدل؛ فترسيخ الإيمان في القلب أولى من التوسع في قضايا الخلاف، العقيدة حياةٌ باطنيَّة قبل أن تكون نقاشًا فكريًّا. وما رمضان إلا موسمٌ لتجديد العهد مع الله في هدوء الإيمان لا صخب المناظرات.

ثم يأتي ميزانٌ دقيق: الجمع بين الخوف والرجاء؛ فرمضان شهر المغفرة، لكنَّه أيضًا شهر المحاسبة، فالإفراط في الرجاء يورث الغرور، والإفراط في الخوف يورث القنوط، وأفضليَّة الاعتدال تحفظ للقلب توازنه.

ثالثًا: أفضليَّات المعاملات: العدل قبل التعبُّد؛ الصيام لا يعزل الإنسان عن الناس، بل يرقّي علاقته بهم، فمن فلسفة الأفضليات أن ردّ المظالم مقدَّم على تكثير النوافل، فلا معنى لقيام الليل مع بقاء حقوق العباد معلّقة، العدالة أصلٌ، والتطوع فرعٌ عليها، وكذلك كانت الصدقة الخفية أرجح من العلنية حين تكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، فالقيمة ليست في ظهور العطاء، بل في صفاء النية.

ثم إن دوائر المسؤولية مرتّبة؛ فـالإحسان إلى الأقربين أولى من البعيدين، لأن الواجب يتأكد بالقرب، ولأن الإصلاح يبدأ من الداخل قبل الخارج.

رابعًا: أفضليات الأخلاق: الثمرة التي تكشف حقيقة الصيام؛ قال النبي ﷺ: (إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) متفقٌ عليه . بهذا التوجيه يتحول الصيام إلى مدرسةٍ أخلاقية.

أوَّل هذه الأفضليَّات أنَّ كفَّ الأذى مقدَّمٌ على فعل الخير؛ فترك الغيبة، وكبح اللسان، وضبط الغضب، أرجح من كثرة الذكر مع استمرار الظلم، وإزالة الشر شرط تحقُّق الخير.

ثم إنَّ الحلم عند الغضب أصدق من الصمت عند الرضا؛ لأنَّ القيمة الأخلاقيَّة تُختبر عند التحدِّي، لا في أوقات السكينة.

ويبقى الإخلاص روح الأخلاق كلِّها؛ فالفعل الواحد قد يعلو بصاحبه إلى مراتب الإحسان، وقد يهبط به إن خلا من صدق القصد.

خامسًا: أفضليات الإيمانيَّات: صيام القلب قبل صيام الجسد؛ إذا كانت الجوارح تصوم عن الطعام، فإن القلب مدعوٌّ أن يصوم عن التعلّق بغير الله، وهنا تتجلى أعمق الأفضليات: حضور القلب أفضل من طول العمل؛ فركعتان بوعيٍ كامل قد ترجحان ساعاتٍ بشرودٍ طويل، التفكر أعمق من التكرار الآلي؛ فآيةٌ تُقرأ بتدبرٍ قد تغيّر حياة إنسان، الصبر أسمى من مجرد الامتناع؛ لأن الامتناع حركة جسد، أما الصبر فموقف روح، بهذا يتحول الصيام من عادةٍ موسمية إلى تربيةٍ وجودية.

سادسًا: من الكم إلى الكيف: التحوُّل الفلسفي في ميزان الأفضليَّة؛ الأفضليَّة في الإسلام ليست سباق أعداد، بل سباق معانٍ، هي انتقالٌ من ظاهر الفعل إلى باطنه، ومن شكله إلى روحه، ومن عدده إلى أثره.

رمضان يُعلِّمنا أنَّ المقصد أعلى من الوسيلة، وأنَّ القلب أصل والعمل فرع، وأنَّ الإصلاح الداخلي شرطٌ لكلِّ إصلاحٍ خارجي، وأنَّ الجودة مقدَّمة على الكثرة.

إنَّه شهر إعادة الهيكلة الروحيَّة؛ حيث يُعاد ترتيب سلَّم القيم في النفس، فيتقدَّم الإخلاص على الظهور، والعدل على المظهر، والنيَّة على الحركة.

الأفضليَّات في الصيام ليست تصنيفاتٍ فقهيَّة فحسب، بل رؤيةٌ كونيَّة تُعيد ترتيب الحياة؛ فكما يُقدِّم الصائم رضا الله على شهوة الجسد، ينبغي أن يُقدِّم المقاصد على العادات، والحقائق على الصور، والروح على الجسد.

وهكذا يُصبح الصيام مدرسةً في فلسفة الأولويَّات من عرف ما يُقدَّم وما يُؤخَّر، عرف طريق التقوى، ومن أتقن ترتيب قلبه، أتقن ترتيب حياته.

وما رمضان إلَّا تمرينٌ سنويُّ على فنِّ تقديم الأهمِّ على المهم، والأبقى على الفاني، والحقِّ على الهوى، من أدرك هذه المعاني وعمل بها أدرك رمضان.. فيا فوز من أدرك!

بالتوفيق والسداد

بقلم د. يونس محمد صالح الزلاوي 

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

رمضان وإحياء الضمائر

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

أنا رمضان.. فمن أنت؟

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

رمضان وإحياء الضمائر

article title

أنا رمضان.. فمن أنت؟

article title

رمضان في الوعي الأوروبي المسلم

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رمضان وإحياء الضمائر

د. يونس محمد صالح الزلاوي

أنا رمضان.. فمن أنت؟

الشيخ طه عامر

وقع ما كنا نخشاه في أوروبا.. فكيف نتعامل معه؟!