path

رمضان وإحياء الضمائر

article title

رمضان وإحياء الضمائر

حين يهلُّ شهر رمضان، لا يدخل علينا شهر جوعٍ وعطش، وإنما يدخل شهر يقظةٍ داخلية، تعود فيه الروح إلى أصلها، ويستيقظ فيه الضمير من غفلته. وإذا أردنا أن نُلخِّص سرَّ هذه اليقظة في اسم من أسماء الله الحسنى، فإن اسم الله الرقيب يتصدر المشهد؛ فهو الاسم الذي يربط القلب بعلم الله الدائم، ويجعل الإنسان يعيش في دائرة المراقبة الإلهية التي لا تنقطع.

لقد ورد اسم الله الرقيب في القرآن الكريم ثلاث مرات: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)، وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (الأحزاب: 52)، وقوله على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَكُنْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا﴾ (المائدة: 117)، والرقيب في اللغة هو الحافظ المطلع المنتظر، وفي حق الله تعالى هو الذي لا يغيب عنه شيء، المطلع على السرائر كما يطلع على الظواهر، العليم بخفايا النفوس كما يعلم حركات الجوارح.

ومن هنا تتجلى الصلة العميقة بين اسم الله الرقيب وبين رمضان؛ فالصيام عبادة سرّية في جوهرها، يستطيع الإنسان أن يفطر بعيدًا عن أعين الناس، لكنه لا يفعل لأنه يعلم أن الله يراه، ولذلك جاء في الحديث القدسي: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به) رواه البخاري ومسلم؛ إذ الصيام ميدان تتجلى فيه حقيقة المراقبة، فلا يقوم إلا على ضمير حيٍّ يستحضر نظر الله في كل لحظة.

ومعنى أن يراقب الإنسان نفسه هو أن يعيش حالة حضور دائم مع الله، فيجعل بينه وبين المعصية حاجزًا من استحضار العلم الإلهي، فهو حين يهمّ بكلمة، يتذكر أن الله يسمعها؛ وحين تمتد عينه إلى ما لا يحل، يتذكر أن الله يعلم خائنة الأعين؛ وحين تخطر في قلبه نية فاسدة، يعلم أن الله مطلع على ما تخفي الصدور، وهنا تتحول المراقبة من مفهوم نظري إلى سلوك عملي، يقوم على محاسبة النفس، وتجديد النية، والاستحياء من الله أكثر من الاستحياء من الناس.

والرقابة في حياة الإنسان ليست لونًا واحدًا، بل لها أبعاد متكاملة؛ فهي أولًا رقابة نفسية تقوم على محاسبة الذات ومراجعة الأعمال، وهي ثانيًا رقابة اجتماعية تجعل الفرد يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه، فيحرص على ألا يكون مصدر فساد أو أذى.، وهي ثالثًا رقابة خُلقية تضبط اللسان، وتحفظ الأمانة، وتمنع الغش والخيانة، وهي قبل ذلك وبعده رقابة إيمانية تنبع من تعظيم الله في القلب، وكثرة ذكره، واستحضار الوقوف بين يديه يوم القيامة.

غير أن مقام المراقبة يختلف عن مقام الإحسان، وإن كان بينهما ترابط وثيق، فالمراقبة هي أن تستحضر أن الله يراك، أما الإحسان –كما في حديث جبريل عليه السلام– فهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فالمراقبة تبدأ من اليقين بعلم الله، والإحسان يرتقي إلى مقام المشاهدة القلبية التي تجعل العبد يعيش في حضرة الله شعورًا واستحضارًا، المراقبة أساس الطريق، والإحسان ذروته.

ولكي تقوى هذه الرقابة في النفس، لا بد من أسباب تُعين عليها، منها تعظيم أسماء الله وصفاته، وتدبر القرآن، ومجالسة الصالحين، وتذكر الموت والحساب، والابتعاد عن مواطن الفتن، فالقلب إن لم يُغذَّ بالإيمان ضعفت فيه المراقبة، وإن قُوِّي بالذكر والعلم اشتدت فيه يقظة الضمير.

وحين تترسخ المراقبة في الفرد، تظهر آثارها واضحة؛ فيصبح صادقًا في عمله، مخلصًا في عبادته، ثابتًا عند الفتن، مطمئن القلب، وإذا انتشرت هذه الروح في المجتمع، قلّت الجرائم، وسادت الأمانة، واستقامت المعاملات، لأن الناس صاروا يراقبون الله قبل أن تراقبهم الأنظمة.

وفي واقعنا المعاصر، يستطيع الموظف الذي يعمل عن بُعد أن يزوِّر تقريرًا، أو يدَّعي إنجازًا لم يُحقِّقه، لكن استحضاره لاسم الله الرقيب يمنعه، ويستطيع الشاب أن يفتح نافذة محرمة في هاتفه بعيدًا عن أعين البشر، لكن علمه بأنَّ الله مطَّلعٌ على سرِّه يجعله يغلقها، ويستطيع التاجر أن يخفي عيبًا في سلعته، لكنه حين يستشعر رقابة الله، يقدّم الصدق على الربح.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين رقابة الله ورقابة الكاميرات، فالكاميرات تراقب الظاهر فقط، ويمكن التحايل عليها، وهي محدودة بزمن ومكان، أما رقابة الله فشاملة للظاهر والباطن، لا تنقطع، ولا يمكن الإفلات منها، الكاميرات تمنع الجريمة خوفًا من العقوبة، أما رقابة الله فتصنع إنسانًا صالحًا حتى في غياب القانون، الأولى تضبط السلوك، والثانية تزكِّي القلب.

إن الصائم حين يعيش رمضان بروح اسم الله الرقيب، ينتقل من مجرد الامتناع عن الطعام إلى بناء ضمير حيٍّ يصاحبه بعد رمضان، فيغض بصره لأنه يعلم أن الله يراه، ويحفظ لسانه لأنه يعلم أن الله يسمعه، ويصلح نيته لأنه يعلم أن الله يعلم سرّه، وهكذا يتحول رمضان إلى مدرسة سنوية لتجديد معنى المراقبة، حتى يبلغ العبد مقام الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه.

وإذا خرج المسلم من رمضان وقد تعلَّم أن يعيش في ظل اسم الله الرقيب، فقد ربح أعظم مكسب، قلبًا يقظًا، وضميرًا حيًّا، وسلوكًا مستقيمًا في السر والعلن.

 فاللهمَّ ارزقنا مراقبتك في الغيب والشهادة، واجعل رمضان بداية عهدٍ جديدٍ مع اسمك الرقيب، لا ينقضي بانقضاء الشهر، بل يمتد ما امتدت بنا الحياة.

بارك الله فيكم وتقبل الله صيامكم، وبالسداد والتوفيق.

بقلم د. يونس محمد صالح.

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

أنا رمضان.. فمن أنت؟

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

وقع ما كنا نخشاه في أوروبا.. فكيف نتعامل معه؟!

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

أنا رمضان.. فمن أنت؟

article title

رمضان في الوعي الأوروبي المسلم

article title

حين يُهدَّد السِّلم العالمي.. نداء القيم في زمن استعلاء القوة

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

أنا رمضان.. فمن أنت؟

الشيخ طه عامر

وقع ما كنا نخشاه في أوروبا.. فكيف نتعامل معه؟!

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رمضان في الوعي الأوروبي المسلم