رمضان في الوعي الأوروبي المسلم

في السياق الأوروبي المعاصر، حيث تتجاور العقلانيَّة النقديَّة مع الفردانيَّة الحديثة، وحيث تُقاس القيم غالبًا بمعايير الإنتاج والحرِّيَّة الشخصية، يقف المسلم أمام تحدٍّ مضاعف في فهم رمضان: هل هو مجرَّد طقسٍ جماعي يحفظ الهويَّة في بيئة علمانيَّة؟ أم هو تجربة روحيَّة خاصَّة تنفصل عن المجال العام؟ أم أنه، في عمقه، مشروعٌ لإعادة تشكيل الإنسان نفسه على مستوى الوعي والمعنى؟ إن اختزال رمضان في الامتناع عن الطعام والشراب يظلمه، كما يظلم المسلم الأوروبي حين يُبقيه في حدود العادة الاجتماعية فالحقيقة أن رمضان، في بنيته العميقة، هو شهر المقامات؛ أي شهر التحول الوجودي المتدرّج، حيث ينتقل الإنسان من مستوى إلى مستوى، ومن إدراكٍ إلى إدراك، في مسارٍ تربوي مقصود.
يبدأ هذا المسار من الظاهر، لكنه لا يقف عنده، فالإمساك عن الطعام والشراب ليس غايةً في ذاته، بل هو تمرينٌ على ضبط الإرادة، وفي بيئةٍ تُعلي من شأن الرغبة الفردية وتكاد تقدّس الاختيار الشخصي، يأتي الصيام ليقدّم نموذجًا مغايرًا للحرية: حرية الانضباط لا حرية الانفلات، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فتكون الغاية هي التقوى، أي اليقظة الأخلاقية الدائمة، هنا يتحول الامتناع الجسدي إلى أداةٍ لإعادة ترتيب الداخل، ويصبح الصائم قادرًا على أن يقول: لا لشهوته، في مجتمعٍ اعتاد أن يقول: نعم لكل رغبة، وهذا التحول ليس سلوكًا فرديًا عابرًا، بل هو بداية مقام المجاهدة، حيث يُدرك الإنسان أن معركته الحقيقية ليست مع الجوع، بل مع نفسه، غير أن رمضان لا يكتفي بتدريب الإرادة؛ بل يفتح بابًا أعمق هو مقام التوبة، فالشهر يبدأ بنداء العودة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ التحريم: 8]، وكأن الزمن ذاته يتحول إلى فرصةٍ لإعادة البداية، جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا جَاء رَمَضَانُ فُتِّحَـت أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُـلِّـقَـتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّـدَتِ الشَّـيَاطِينُ) رواه مسلم. وهو إعلانٌ رمزي بأن العوائق الكبرى قد خُفِّفت، وأنَّ القرار بات بيد الإنسان.
في السياق الأوروبي، حيث يكثر الحديث عن إعادة تعريف الذات وبناء الهوية، يقدّم رمضان نموذجًا مختلفًا: إعادة تعريف الذات لا بالانفصال عن المرجعية، بل بالعودة إليها، التوبة هنا ليست شعورًا بالذنب فحسب، بل وعيًا بالاتجاه؛ تصحيحٌ للمسار، وإقرارٌ بأن للوجود قبلةً أخلاقية ينبغي أن يُعاد توجيه البوصلة نحوها.
ومع استمرار الأيام، يدخل الصائم مقام القرب، وهو انتقالٌ من الامتثال إلى الأنس، فالعبادات في رمضان تتكثف: صلاة، قيام، تلاوة، دعاء. ويأتي النص القرآني في سياق آيات الصيام ليقول:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[ البقرة: 186] فيربط بين الانضباط الظاهري والشعور الباطني بالحضور الإلهي، هنا لا يعود الإيمان قضيةً نظرية تُناقَش في الفلسفات، والمنطقيات، بل تجربة تُعاش، الصائم الذي يقف في سجوده يستحضر ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء) ؛ رواه مسلم فيدرك أن القرب ليس مجازًا بل حالًا، وفي بيئةٍ يغلب عليها الإحساس بالاغتراب الوجودي، يمنح رمضان المسلم الأوروبي خبرةً معاكسة: خبرة القرب بدل العزلة، والحضور بدل الفراغ.
ومن أخصِّ خصائص هذا الشهر مقام الإخلاص فالصيام عبادة خفية، لا يطَّلع عليها أحد إلا الله، ولذلك جاء في الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.
في مجتمعٍ تُقاس فيه الأفعال غالبًا بمدى ظهورها وتأثيرها الإعلامي، يعلّم رمضان الإنسان قيمة العمل الصامت، والنية الخالصة، والفعل الذي لا يحتاج إلى تصفيق، إن الإخلاص هنا ليس مفهومًا روحيًا مجردًا، بل هو إعادة تأسيس للعلاقة بين الذات والفعل؛ حيث يصبح معيار القيمة هو الصدق الداخلي لا الاعتراف الخارجي، وهكذا ينتقل الصائم من مقام السلوك المنضبط إلى مقام الوعي المراقِب، حيث يشعر أن الله يراه في كل لحظة، وأن معنى الحياة يتحدد في ضوء هذه المراقبة.
وتبلغ الرحلة ذروتها في مقام الإحسان، خصوصًا في العشر الأواخر، حيث يجتهد المؤمن في طلب ليلة القدر التي قال الله عنها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [سورة القدر]. هنا لا يكون الصيام مجرد تدريب أخلاقي، بل معراجًا روحيًا، ويستحضر المسلم تعريف الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". هذا المقام يمثّل نقلةً من الإيمان البرهاني إلى الإيمان الشهودي؛ من الاعتقاد بأن لله وجودًا إلى استشعار حضوره في تفاصيل الحياة، وفي هذا التحول يكمن البعد الفلسفي العميق لرمضان: إنه ينقل الإنسان من مستوى السؤال إلى مستوى المعايشة، ومن الجدل إلى الذوق.
غير أن الحكمة الربانية لم تجعل هذه المقامات مبعثرة، بل رتبتها في شهرٍ واحد، ليعيش الإنسان تجربة تحولٍ مكثفة من التوبة إلى المجاهدة، ومن المجاهدة إلى القرب، ومن القرب إلى الإخلاص، ومن الإخلاص إلى الإحسان، كأن رمضان دورة سنوية لإعادة بناء القلب، أو مختبرٌ روحي يُعاد فيه تشكيل الوعي، وهنا تتجلى أهميته للمسلم في أوروبا؛ فهو ليس مجرد وسيلة لحفظ الهوية في مجتمعٍ متنوع، بل فرصة لإنتاج إنسانٍ متوازن، يجمع بين الانخراط الإيجابي في المجتمع الأوروبي وبين الارتكاز العميق إلى مرجعيته الإيمانية.
رمضان، إذن، ليس نهاية الرحلة بل بدايتها، فالمطلوب ليس أن يعيش المسلم حالةً روحية مؤقتة تنتهي بانتهاء الشهر، بل أن يخرج منه وقد ارتقى درجةً ثابتة في سُلّم الإيمان، حاملاً معه عاداتٍ جديدة من الانضباط، ووعيًا أعمق بالمعنى، وإحساسًا دائمًا بالمراقبة الإلهية. فإذا كان الفكر الأوروبي المعاصر منشغلاً بسؤال من هو الإنسان؟، فإن رمضان يقدّم إجابة عملية: الإنسان كائنٌ قابل للترقي، يُعاد تشكيله عبر التربية الروحية، ويبلغ كماله حين تتناغم إرادته مع غايته.
بهذا المعنى، يُصبح رمضان في الوعي الأوروبي المسلم أكثر من شهرٍ للصوم؛ إنه مشروع سنوي لإعادة تأسيس الذات، وسُلَّمًا للارتقاء من ظاهر الانضباط إلى باطن الشهود، ومن عادة العبادة إلى يقظة العبادة، حتى يدرك المؤمن أن الصيام ليس امتناعًا مؤقتًا عن الطعام، بل رحلة صعودٍ دائمة نحو الله، وصناعةٌ متجددة لإنسانٍ يعرف لماذا يعيش، ولأجل من يعيش.
اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم رمضان لنا، وستلمه منا سالما يا رب العالمين.
- الكلمات الدلالية
- رمضان
- بأقلام الأئمة
- الإيمان
- الدعاة
د. يونس محمد صالح الزلاوي