
بَيْنَ الأَقْصَى وَالقَصِيّ: رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ التَّغْيِير

حين نتأمَّل في مسيرة الرسالة المحمدية، نجد أنَّ التغيير لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان رحلةً ممتدَّة بين محطات تحمل رموزًا ومعاني كبرى. ومن بين تلك المحطات يسطع مشهد مسجد القبلتين في أطراف المدينة المنوَّرة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ذلك المسجد الصغير الذي خلَّد في ذاكرة الأمة لحظةً فارقةً في تاريخها: تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
لقد كان ذلك التحوُّل الجسدي في اتجاه الصلاة تجسيدًا لتحوُّل أعمق وأشمل؛ انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور، وفق قوانين التغيير التي أرسـاها الباري عز وجل في كتابه، حيث يقول سبحانه:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145)﴾ [البقرة: 142-145].
ويقول تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
قوانين التغيير في القرآن
من خلال قصة تحويل القبلة نستخلص أبرز سُنن التغيير:
-
الارتباط بالوحي: لا يكون التغيير الحق إلا بوحي الله وهداه، بعيدًا عن الأهواء وردود الأفعال.
-
إعداد النفوس قبل تغيير المسار: فقد هيّأ النبي ﷺ أصحابه روحيًّا وإيمانيًّا حتى تقبّلوا التحوُّل طاعةً لا جدال فيها.
-
التدرّج: جاء تحويل القبلة في توقيت دقيق بعد تأسيس الإيمان في القلوب وترسيخ الولاء لله وحده.
-
وضوح الهوية: كان التحوُّل إعلانًا لاستقلال الأمة في عقيدتها وشعائرها عن الأمم الأخرى.
التطبيق العملي للتغيير في السيرة النبوية
لم يكن مسجد القبلتين جدرانًا صامتة، بل كان شاهدًا على بوتقة التغيير الشامل الذي قاده النبي ﷺ، حيث تداخلت أبعاد متعددة:
التحوّلات الدينية
من عبادة الأصنام والطقوس الجاهلية إلى التوحيد الخالص.
قصة رِبْعيّ بن عامر مع رستم:
دخل ربعي وهو يمزّق الوسائد والنمارق التي في طريقه حتى أفسدها، فلما وصل إلى رستم سأله: ما جاء بكم؟
فقال كلمات سطّرها التاريخ:
«الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عباده، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلناه منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله».
قال رستم: وما موعود الله؟
قال: «الجنة لمن مات على قتال من أبى الدخول في الإسلام، والنصر لمن بقي».
التحوّلات الاجتماعية
من العصبية القبلية إلى وحدة الإيمان؛ حيث يجلس العربي بجوار الحبشي، والحر بجوار العبد بلا فوارق.
وقد عبّر عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال:
«يا معشر المسلمين! اللهَ اللهَ.. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟».
التحوّلات السياسية
من الشتات القبلي إلى كيان سياسي منظم، له دستور وقيادة ومؤسسات، ووثيقة المدينة شاهد على ذلك.
التحوّلات الاقتصادية
من اقتصاد يقوم على الربا والاحتكار إلى نظام قائم على العدل، وتحريم الغش والاستغلال.
قال رسول الله ﷺ:
«لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يُضمن، ولا بيع ما ليس عندك»
(رواه الخمسة).
التحوّلات التعليمية
من أمة أميّة إلى أمة قارئة كاتبة، تقدّر العلم وتجعل منه عبادة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»
(رواه مسلم).
التحوّلات الثقافية
من ثقافة الشعر والمفاخرات القبلية إلى ثقافة القرآن والقيم الكونية.
قال الشاعر:
أبيَ الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
دعيَ القومُ ينصرْ مدّعيهِ
فيلحقْهُ بذي النسبِ الصميمِ
معنى القصة في التغيير
هذه القصة تضع بين أيدينا جواب الأسئلة الخمسة الكبرى في مجال التغيير:
-
كيف؟ عبر منهج الوحي والقدوة العملية للنبي ﷺ.
-
متى؟ حين تتهيأ القلوب وتشتد الحاجة إلى الانتقال.
-
أين؟ في أي مكان يشرق فيه نور الإيمان، ولو في مسجد صغير على أطراف المدينة.
-
لماذا؟ لأن الرسالة تقتضي التحوُّل المستمر نحو الأكمل.
-
من؟ هم الصفوة الذين استجابوا لله والرسول عن طواعية ويقين.
من الأقصى إلى القصيّ
من الأقصى إلى القصيّ، ومن القبلة الأولى إلى القبلة الثانية، كانت رحلة التغيير في الإسلام نموذجًا خالدًا يعلّمنا أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، ويستند إلى وحي السماء، ويتجسّد في واقع الحياة.
مسجد القبلتين سيبقى رمزًا لأنَّ التحولات العظيمة قد تبدأ في أماكن متواضعة (غزة)، ولكن أثرها يمتد ليغيّر مجرى التاريخ.
قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
- الكلمات الدلالية
- بأقلام الأئمة
د. يونس محمد صالح الزلاوي