path

الخبيئة الصالحة وأثرها في صلاح الدارين

article title

مُلهم هذا المقال.. رجلٌ نحسب أنَّ له سرًّا بينه وبين الله!

منذ شهرين ونصف كنَّا نُصلِّي على أحد إخواننا في فرانكفورت، وقبل أن نفرغ من الدفن بقليل وجدنا جنازةً وحيدةً ليس معها أحد، فسألْنَا عنها فقالوا إنَّها امرأةٌ ولا أحد لها، فتداعى جميع من بالمقبرة مسرعين وصلَّيْنَا عليها وكلُّنا في دهشة، وقلنا: إنَّ هذا الميِّت بينه وبين الله سرًّا لا نعلمه؛ فقد كنَّا على وشك الانتهاء من الجنازة الأولى والانصراف، وساقنا الله جميعًا للصلاة على تلك الجنازة.

ودارت الأيام وجاءني اتصالٌ يكشف حقيقة الأمر..

كانت الجنازة لرجلٍ من مسلمي كوسوفا يُقيم في فرانكفورت، وأولاده في مدينةٍ بعيدة، ومات الرجل بالمستشفى بعد إجراء عمليَّة، وتم تجهيزه دون أن يعلم أولاده، وبعد أن علموا ذهبوا وسألوا وعرفوا الواقعة..

وسألتُ أولادَه: ما السرُّ الذي كان بين أبيكم وربِّه سبحانه وتعالى؟

فقالوا:

- كان دائم الذكر لله.

- وكان كثير الصدقة.

وكان يقول لنا: حينما أموت سيُصلِّي عليَّ إخواني العرب.

انظروا كيف ساقنا الله جميعًا إليه!

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة".

 

كلُّ مسلمٍ بحاجةٍ في عصرنا إلى خلوةٍ بينه وبين ربِّه؛ يُراجع فيها نفسه، ويحاسبها ويجاهدها ويراقبها، ليُصحِّح الأخطاء، ويشدَّ من عزمه على فعل الخيرات وترك السيئات.

العبادات نوعان:

الأولى: ظاهرة، وتلك أعمال الجوارح.

الثانية: باطنة، وتلك أعمال القلوب.

الأعمال الظاهرة يراها الناس ويطَّلعون عليها، وقد ينال المسلم منها المدح والثناء، ولا ضير في ذلك لو أنَّ القلب مشغول بالله تعالى.

الأعمال الباطنة لا يطلع عليها إلا الله تعالى.

ونحن بحاجةٍ -في عصرنا عامَّةً والغرب خاصَّةً- إلى الأعمال الباطنة؛ بحاجة إلى العناية بقلوبنا والالتفات إلى عبادات السرِّ التي لا يطَّلع عليها إلا المولى الجليل تبارك وتعالى.

وتلك هي الخبيئة؛ إنها عبادة السر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبير بن العوام رضى الله عنهما قال: "مَن استطاع منكم أن تكون له خَبِيْئَةٌ من عملٍ صالحٍ فليفعل». رواه النسائي. 

اجعل بينك وبين الله تعالى حالًا:

- صلاة في جوف الليل.

- صدقة السر.

- أذكار وأوراد.

- دعاء بظهر الغيب لأخيك.

- تبرع مالي شهري.

- كفالة يتيم.

- دمعة خاشعة بينك وبين الله.

- أساء إليك أحد وسامحته لله تعالى.

قال تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271].

وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ اللهِ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ في خَلاءٍ ففاضَت عَيناه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَسجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ، ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نَفسِها، قال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه».

تأمل تجد ثلاثة من السبعة اجتمعت فيهم عبادة السرِّ فنالوا تلك المنزلة.

فهذا تغلَّبَ على شهوته حينما قويت في قلبه مَلَكَةُ المراقبة لله تعالى، وهذا تصدَّق وأخفى صدقتَه، وهذا ذكر الله خاليًا فدمعت عينُه حيث لا يراه أحد.

إنَّ البيئة الغربيَّة بما فيها من شهوات وشبهات من شأنها أن تُضعف ملكة المراقبة ما لم يتعاهد المسلم قلبه ويجاهد في ذات الله نفسه.

ورضى الله عن أبي بكر وعمر اللذان كانا يتسابقان في خدمة امرأة عجوز دون أن يعلم أحدهما بالآخر.

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه لمَّا حضرته الوفاة وهو في الصحراء أوصى امرأته وغلامه، فقال: إذا متُّ فاغسلاني وكفِّناني وضعاني على الطريق، فأوَّل ركبٍ يمرُّون بكم فقولا: هذا أبو ذر.

فمر عبد الله بن مسعود في رهطٍ من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر. فاستهلَّ ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله ﷺ: «يرحم الله أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده».

بأيِّ شيءٍ نال أبا ذر رضى الله عنه هذه المنزلة وتلك المكانة السامقة؟ 

كان مثالًا فريدًا في الزهد والورع، وصلاته من أعجب عبادات السر.. يروي أبو ذر بنفسه كما جاء في صحيح مسلم قائلًا: "وقد صلَّيْتُ يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، قلتُ: لمن؟ قال: لله. قلتُ: فأين توجه؟ قال: أتوجَّه حيث يوجِّهني ربي، أُصلِّي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنِّي خفاء حتى تعلوني الشمس ...".

كيف كانت صلاته؟

كان يصلي بالليل سرًّا طويلًا، حتى إذا كان من أواخر الليل يسقط على الأرض من التعب كأنَّه كساء..

وأمَّا سَيْره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فعجب؛ فحين أبطأ بعيرُه به تركه وحمل متاعه على ظهره ومشى وحده في الصحراء، حيث بُعد المسافة وشدَّة الحر ومشقَّة الطريق. فهذا هو الصدق مع الله جلَّ جلاله.

وها هو زين العابدين الملقَّب بالسجَّاد، وجدوا عند تغسيله قطعة لحمٍ متجمِّدةٍ في كتفه من أثر حمل الطعام إلى الفقراء والمساكين ولا يعلم الناس بحاله.

ما حاجتنا لعبادة السر؟

نحن في أشدِّ الحاجة لخبيئةٍ بيننا وبين الله تعالى.

بحاجة أن نقوم بالليل ندعو ونتضرَّع ونسأل ربًّا كريمًا ودودًا يستحي أن يرفع العبد إليه يده ويردَّه خائبًا، بحاجة أن نقرأ وردًا من القرآن الكريم في خلواتنا، تلك الطاعات الخفيَّة عن عيون الناس تُحقِّق كثيرًا من المصالح العاجلة والآجلة، منها: 

1- تعزيز الإخلاص لله ربِّ العالمين.

{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} [الشعراء: 88-89].

2- تدريب النفس على المراقبة لله تعالى.

3- مقاومة الرياء والتصنع في الطاعات.

4- الثبات في المحن والشدائد.

5- أن يكون بينك وبين الله علاقة خاصة.

6- التوبة من ذنوب الخلوات بحسنات الخلوات تلك التي تكفرها على الحقيقة.

قصة أصحاب الغار وغارنا المعاصر

وفي تلك القصة دروسٌ كثيرة، أهمُّها أنَّ الخبيئة الصالحة سببٌ في تفريج الكروب وزوال الشدَّة.

وعن أبي عَبْد الرَّحْمَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ قَالَ رجلٌ مِنهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلًا وَلا مالًا فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْمًا فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ. قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ.

وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا.

وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. وقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَّه وَذَهبَ فثمَّرت أجْرَهُ حَتَّى كثرت منه الأموال فجاءني بَعدَ حِينٍ فَقالَ يَا عبدَ اللهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى منْ أَجْرِكَ: مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالرَّقِيق فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتهْزيْ بي، فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَهْزي بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْه شَيْئًا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فخرَجُوا يَمْشُونَ". (متفقٌ عليه).

ماذا لو كنت أنت في الغار؟

بأي عملٍ تتقرَّب به إلى الله ليُنجيك من المهالك، ويتعرَّف عليك في الشدائد، ويفرِّج عنك همَّك ويكشف كربتك؟

لا شكَّ أنَّنا نلقى في حياتنا كثيرًا من الشدائد والمتاعب والابتلاءات، وما علينا سوى صِدق اللجوء إلى الله، وقرع باب الدعاء والتقرُّب إليه بخفايا الأعمال الصالحة.

عَسَى الكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ

يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ.

طه سليمان عامر

الشيخ طه عامر الشيخ طه عامر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

فلسفة الخيرية في بيت النبوة والمجتمع

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اختيارات خاصة لا أحكام عامة

feather دكتور سعد الكبيسي

اقرأ أيضا للإمام

article title

التربية الراشدة في الغرب.. هل ممكنة؟

article title

ماذا قدم الإمام القرضاوي لمسلمي الغرب؟

article title

هل سمعت بأغرب شكوى في التاريخ؟

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

فلسفة الخيرية في بيت النبوة والمجتمع

دكتور سعد الكبيسي

اختيارات خاصة لا أحكام عامة

دكتور سعد الكبيسي

أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي