path

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فلا شك أن الصحبة الصالحة من أهم العوامل للثبات على الدين واستقامة الفرد والمجتمع؛ لهذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في مقدمة ما قام به من أعمال بعد هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ فلا قيام للمجتمع المسلم إلا بأخوة صادقة وصحبة صالحة..

وإذا كان نبيُّ الله وكليمه موسى عليه السلام قد دعا ربه أن يكون له صاحب يشد أزره في سبيل الدعوة، ويستعين به على مشاق الطريق ومتاعبه قال تعالى {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي}[طه:29]، {هَارُونَ أَخِي}[طه:30]، {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}[طه:31]، {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}[طه:32]، {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا}[طه:33]، {وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}[طه:34]، {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}[طه:35]، فنحن أشد حاجة إلى تلك الصحبة، وإذا كان الكلب قد شُرِّف بالذكر في القرآن لصحبة الصالحين، ألا ينال المرء بصحبة الصالحين خيرا في دنياه وأخراه قال تعالى: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}[الكهف:18].

قال القرطبي: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العُلْيا بصحبته ومخالطته الصُّلَحاء والأولياء، حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه، فما ظنُّك بالمؤمنين الموحِّدين المخالطين المحبِّين للأولياء والصالحين؟، وقال ابن عطية: وحدثني أبي...قال سمعتُ أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمئة: إنَّ مَن أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم، كَلْب أحبَّ أهل فضل وصحبهم، فذكره اللهُ في مُحْكَمِ تنزيله.

ومن الأقوال الجامعة في منزلة الصحبة قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أُعطي العبد بعد الإسلام نعمة... خيرًا من أخ صالح، فإذا وجد أحدكم ودًا من أخيه فليتمسك به"، وكان محمد بن واسع يقول: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: صاحب إذا اعوججت قومني، وصلاة في جماعة يُحمل عني سهوها وأفوز بفضلها، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة ولا لله عز وجل على فيه تبعة.

إنَّ هذه المنزلة لصحبة الصالحين قيلت في زمن الصفاء الذهني وقلة حضور الدنيا في قلوب الناس، وظهور وحضور أدوات ووسائل الثبات الأخرى على الدين، فكيف بعصرنا الذي تضاعفت فيه التحديات، واستعرت فيه الشهوات وأجلبت الدنيا علينا فيه بخيلها ورجلها؟

وكيف بحياة المسلم في الغرب الذي انعدمت أو ضعفت فيه وسائل حفظ الدين والتدين وراجت وزادت فيه صور وأساليب وأشكال التعلق بالدنيا ونسيان الآخرة، وتزينت الشهوات والشبهات على نحو غير مسبوق في التاريخ في تقديري، وضعفت المصدات المقاومة لهذه الشهوات والشبهات فتعقدت مهمة الدعاة والمصلحين لأخذ ورد الناس إلى الدين؟!

إن الصحبة الدائمة والملازمة الحقة للناس في عصرنا خاصة الشباب صارت لصاحب لا يرشد كثيرا إلى الخير وهو الهاتف والشاشة، حتى فُقدت تلك الصحبة بين أفراد الأسرة الواحدة فلا يكاد يقع بينهم حديث مسترسل متصل حتى على الطعام؛ إذ يحمل كل واحد منهم هاتفه ينام ويصحو عليه، لكل هذا تضاعفت حاجة المسلم المعاصر والمسلم في الغرب خاصة إلى صحبة صالحة تعينه على الاستقامة وتأخذ بيده إلى الله، وتستنقذه من مخاطر الهواتف والشبكات وتنتزعه من صحبة الفساق وأصحاب الضلالة والهوى، وسأورد موقفين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يعكسان تضاعف الحاجة إلى الصحبة ويوضحان أثرها على استقامة الفرد والمجتمع:

1. صاحبٌ ينصح بصدق ولا يفقد الأمل في هداية صاحبه:

عن عبدالله  بن عمر عن أبيه قال: لما أردت الهجرة إلى المدينة، اتَّعَدْنا أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، التناضب من إضاءة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه، قال: فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام، وفتن فافتتن -أي طاوعهم على ترك الإسلام- فلمَّا قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش -وهو ابن عمهما وأخوهما لأمهما- حتى قدما المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مُشطٌ حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقَّ لها، فقال له عمر: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم؛ فوالله لو آذى أمَّك القَملُ لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، لكنه صمم على بر أمه والذهاب معهما، وقال: لي مالٌ أعود به، قال عمر: أعطيك نصف مالي ولا تذهب معهما، فأبى، فقال له عمر: إن لي ناقة نجيبة ذلولًا فخذها والزم ظهرها، فإن رابك منهما ريب فانجُ عليها، فخرج عليها معهما، فلما كان معهما ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال عياش: بلى، فأناخ راحلته وأناخا ليتحول عليها، فلما استويا بالأرض عدَوَا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، ففتناه فافتتن، قال عمر: فكنا نقول: لا يقبل الله ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنزل الله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الزمر: 53 - 55]..

قال عمر: كتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص وعياش بن ربيعة، قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد فيها وأصوب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. فتأمل كيف نصح عمر رضي الله عنه صادقا لأخيه وخشي عليه الفتنة، وكيف قطع عليه حجته فعرض عليه نصف ماله، وكيف وضع خطة بديلة لو تعرض للغدر والافتتان عن دينه أن يأخذ ناقته النجيبة لينحو عليها، ثم إنه لم يفقد الأمل في عودته للاستقامة والإيمان فيرسل الرسالة بآية التوبة إلى عياش وهشام وكله أمل ويقين أن يعودا إلى الإسلام فيقع له ما تمنى وأراد، فأي صاحب هذا وأي صحبة تلك؟ وهل نحن نقارب أو نقترب من تلك الصحبة، وهل نبحث عن صاحب يعيننا على الطريق ويأخذ بيدنا إن ضللنا؟!

2. منهجية التعامل مع الصاحب إذا شرد:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رجلا كان ذا بأس وكان يوفد على عمر لبأسه وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع في هذا الشراب فدعا كاتبه فقال اكتب: من:  عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ثم دعا وأمن من عنده ودعوا له أن يقبل الله بقلبه وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأ ويقول: غافر الذنب قد وعدني الله أن يغفر لي، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني الله عقابه، ذي الطول، والطول الخير الكثير، لا إله إلا هو إليه المصير، فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل فسددوه ووفقوه  وادعوا الله أن يتوب عليه. فعمر رضي الله عنه يؤسس لمنهجية التعامل مع الصاحب إذا شرد وانحرف بألا نفقد الأمل في عودته، وأن نبتكر من الوسائل والأساليب اللطيفة ما نذكره فيها بالله، وأن نلح على الله بالدعاء أن يتوب عليه ويرده إليه، وقبل كل ذلك أن نشعر بإخواننا وأن نتفقدهم وأن نرصد تغير أحوالهم مع ربهم وأن نكون عونا لهم على الهداية والاستقامة. 

إن الصحبة الصالحة تؤثر إيجابا على الفرد والمجتمع خاصة في عصرنا، لكننا بحاجة إلى فقه الصحبة، وإلى معرفة الطريق لإيجاد ومعرفة الصحبة الصالحة عسى أن نفلح بها في مقاومة تلك الأخطار والمهددات للدين والهوية في الغرب وفي عالمنا الجديد.

اللهم حبب إلينا وإلى أولادنا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا وإياهم من الراشدين، وارزقهم الصحبة الصالحة التي تعينهم على فعل الخيرات وترك المنكرات، وجنبهم قرناء السوء، اللهم فرج الكرب وارفع الظلم عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل مكان، وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 7 أغسطس 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

article title

سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة

article title

أثر المادية على العبادات .. وقصة إحرام الشباب

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

معركة الوعي وتصحيح المفاهيم | خطبة الجمعة