الرياضة بين متعة المشاهدة ووظيفة الممارسة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن العالم مشغول هذه الأسابيع بحدث رياضي عالمي كبير وهو مباريات كأس العالم؛ حيث يترقب الناس المباريات للمشاهدة والمتابعة والتحليل والتوقع ومنهم من يسافر للحضور المباشر وتشجيع الفرق التي يحب، وينفق في سبيل ذلك آلاف الدولارات في غفلة تامة عن الأضرار والمخاطر والسلبيات الناتجة عن هذه الحالة الشائعة والمتكررة خاصة مع مشاركة عدد كبير من الدول العربية في هذا الحدث الكبير، ومن أهم ما يجب التوقف معه في متابعة هذا الحدث هو الانشغال بمتعة المشاهدة والتشجيع وتضييع الممارسة للرياضة واستفادة البدن بها، فالرياضة التي يمارسها الإنسان تفيد بدنه وتقيه الكثير من الأمراض والمخاطر الصحية، وهي للشباب ضرورية حيث تبني أبدانهم وتصرفهم عن الشهوات والمحرمات، كما تقلل من ساعات استخدامهم للهواتف والشبكات، كما تقلل الرياضة التوتر وتحسن المزاج والصحة النفسية، وتحسن جودة النوم وتجعل صاحبها نشيطا قادرا على الإنجاز متجاوزا للكسل، أما المشاهدة فلا فائدة تعود منها على البدن أو العقل سوى المتعة الوقتية والفرح أو الحزن المؤقت لفوز أو هزيمة الفريق المفضل للمشاهد، والمستفيد الحقيقي من المشاهدة هم اللاعبون والساسة وأصحاب المصالح الذين يوظفون هذه الأحداث والانتصارات الكروية الوهمية في نسبتها لأنفسهم والتغطية بها على فشلهم وظلمهم ونهبهم لثروات شعوبهم، والمؤلم حقا هو الانشغال بهذا الحدث والاستمتاع به في ظل حصار أهلنا في غزة، وتعدد الآلام والجراح في واقع أمتنا المكلومة وكأن من يشاهد بحماس المباريات لا ينتسب للأمة الجريحة ولا يـتألم لألمها، وكأننا أم هزل ليس فيها جد، لا أمة جد فيها ترويح مؤقت للنفس، وهذه معالم الرؤية الوسطية للتعامل مع هذا الحدث الرياضي ومثيلاته:
1. الترويح عن النفس مشروع بضوابطه:
لا يمكننا تحريم المشاهدة والتشجيع لمباريات كأس العالم الجارية الآن فالأصل في الأشياء الإباحة قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون}[الأعراف:32]، وقد أذِن النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها بمشاهدة لعب الأحباش بالحراب في المسجد قائلاً: تشتهين تنظرين؟ قالت: نعم، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "فأقامَني وراءَه، خَدِّي على خَدِّه، وهو يقولُ: دونَكُم يا بَني أرفِدةَ! حتَّى إذا مَلِلتُ قال: حَسبُكِ؟ قُلتُ: نَعَم، قال: فاذهَبي" متفق عليه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أذن لها بالمشاهدة وكان يشجعهم على فعلهم المباح، وقد أحسنَتْ بعض المساجد في أوروبا إذ وضعت شاشات فيها لمشاهدة المباريات لتشجيع الشباب على البقاء في المسجد وأداء الفرائض وغض البصر، ولكن لا بد من ضبط الترويح والمشاهدة بضوابطه الشرعية.. وأهمها: أن لا يشغل عن واجب أو يوصل إلى محرم؛ كتضييع الصلاة أو النظر إلى محرم، ومنها: عدم العصبية لفريق من الفرق، ومنها: عدم إضاعة الوقت والتوازن في اختيار فرق المتابعة والمشاهدة، ومنها: عدم الانشغال بها عن قضايا الأمة الكبرى، ومنها: تجنب الظلم غير المباشر بتشجيع فرق يترتب على فوزها المزيد من القهر والظلم للشعوب، ومنها: الاستفادة من إيجابيات المشاهدة كبث روح التعاون والجماعية، والتخلي عن القيم السلبية ونوازع الشر في النفس، وإظهار الأخلاق الحسنة عند الغضب.
2. الحذر من الغرق في مخاطر المشاهدة والتشجيع:
إنَّ شعوبنا العربية المسلمة غرقت في التشجيع والفرح بالفرق الفائزة والحزن على الخاسرة إلى حد جعلها تُذهل عن مخاطر وسلبيات هذه المباريات بل تغرق فيها وتصبح جزءا من منظومتها الفكرية والقيمية التي تتعارض مع منظومة وقيم الإسلام..
ومن هذه المخاطر: العصبية المقيتة المذمومة في الإسلام؛ وقد رأينا كيف أدت العصبية للفرق إلى التقاتل والشجار بين المشجعين وإلى إثارة النعرات القومية والعصبية بين الدول والشعوب تلك التي هدمها الإسلام، والأصل أن تُظهر هذه الأحداث الرياضية تآخي المسلمين وتناصر الشعوب لا تعاركها وتدابرها، بل ربما وصلت الفُرقة والعداوة إلى البيت الواحد وإلى الأصدقاء..
ومنها: تكريس الظلم والاستبداد حيث يَنسِب المستبد انتصار فريق دولته لنفسه ويُشعر شعبه أنه قد حقق نصراً مبيناً، بينما الواقع هزيمته الحضارية في شتى الميادين، ومنها: سفه الإنفاق على الكرة واللاعبين في ظل الشح بالميزانية والإنفاق على التعليم والصحة والأولويات الضرورية للشعوب، ومنها: اختلال منظومة القيم فاللاعب يكسب ما لا يكسبه العالِم في أي تخصص ويصبح قدوة للشباب وحلما أن يصبحوا مثله، على الرغم من أنه لا يضيف في الواقع شيئا لشعبه أو أمته سوى شهرته وثروته الخاصة، ومنها: صناعة البطولات الزائفة الوهمية للاعبين والدول
وتخدير الشعوب وإلهائها بالكرة، ومنها: اختلال مفهوم الفوز والخسارة واعتبار المعيار الدنيوي هو معيار الفوز أو الخسارة رغم أن المعيار القرآني مختلف قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [آل عمران:185]، ومنها: قلب الحقائق والمفاهيم فيصبح الانتماء للوطن والأمة بقدر ما تُشجِّع وتدعم فريق بلدك لا بقدر ما تقدم له من علم وأثر حقيقي للنهوض وتجاوز الأزمة الحضارية التي تحياها الشعوب المسلمة.
3. ضرورة الانتقال من المشاهدة إلى الممارسة:
إنَّ توظيف الحدث الرياضي الذي يتابعه العالم بأسره في الانتقال من مجرد المشاهدة إلى الممارسة هو واجب الوقت الحقيقي للرجال والنساء؛ فالرياضة تحفظ مقصدين من مقاصد الشريعة وهما: النفس والعقل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال مُصدِّقًا قول سيدنا سلمان رضي الله عنه "صدق سلمان"؛ وذلك عندما قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: "إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" البخاري، وممارسة الرياضة من حقوق البدن.
وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم العديد من أنواع الرياضة المتاحة والشائعة في زمنه؛ كالسباق والجري، وركوب الخيل والفروسية وقال: "ارموا واركَبوا" البيهقي، وأبو داوود، والترمذي بسند حسن، ورياضة الرماية قال صلى الله عليه وسلم: "مَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفَرٍ مِن أسلَمَ يَنتَضِلونَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ارموا بَني إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكُم كان راميًا، ارموا وأنا مع بَني فُلانٍ، قال: فأمسَكَ أحَدُ الفَريقَينِ بأيديهم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما لَكُم لا تَرمونَ؟ فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، نَرمي وأنتَ معهُم! قال: ارموا وأنا معكُم كُلِّكُم" البخاري.
ومارس النبي صلى الله عليه وسلم رياضة المصارعة، وكانت مشيته صلى الله عليه وسلم مشية رياضية وصفها سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "إذا مشى تَكفَّأَ كأنَّما ينحدِرُ من صبَبٍ" أحمد والحاكم بسند حسن. فالحاصل أن ممارسة الرياضة المتاحة والمباحة لكل مسلم في الغرب ضرورية لوقاية البدن وحمايته، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب المهم من جوانب الاقتداء به، والرياضة للمسلمة في الغرب آكد منها للمسلم بضوابطها الشرعية لمقاصد ووظائف لا تخفى.
4. بين الحماس لشهوة والفتور عن طاعة:
تذاع مباريات كأس العالم لهذا العالم في أوقات متأخرة أو مبكرة جدا كالرابعة صباحا أو بعيد منتصف الليل؛ لفروق التوقيت في بلد اللعب، ورغم ذلك يستيقظ الناس ويتابعون بكل حماس ويقظة وبعد انتهاء المباراة ربما ينامون عن فريضة الفجر، وإذا رغَّبناهم في قيام الليل وفضله حتى قبل النوم استثقلوه ولم ينشطوا له وتركهم له قبل الفجر آكد، فكيف يتحمس المسلم لشهوة آنية وقتية فارغة، ويترك النوم والراحة لأجلها ويشعر بمتعة فائقة وهو يتابعها ولا يحصُل له مثلها أو قريبا منها في العبادة فرضا أو نفلاً..
إنَّ هذا التناقض المؤلم يشير إلى حقيقة موت القلب أو ضعف إيمان صاحبه فمتعة العبادة ولذتها لا تقارن أبدًا بمتعة المشاهدة والتشجيع للكرة، فليراقب كل مستيقظ للمشاهدة فجرا قلبه ورحه ونشاطه لقيام الليل وحرصه عليه، واغتنام أصفى الأوقات وأغلاها للتوبة والاستغفار وإجابة الدعاء وكيف أضاعها في ترفيه يمكن استدراكه بالمشاهدة في وقت لاحق!!
اللهم أصلح فساد قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأصلحنا واصلح بنا، واجعل قلوبنا عامرة بذكرك وشكرك، وفرج الكرب عن أهلنا في غزة وفلسطين وكل مكان، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 26 يونيو 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- الرياضة
- كأس العالم
د. خالد حنفي