نقطة نظام بين الهجرة والهجر من صناعة المكان إلى صناعة الإنسان

مع إطلالة عام هجري جديد، لا ينبغي أن يكون مرور الزمن مجرد انتقال من رقم إلى رقم، ولا مناسبة لذكريات تُستعاد دون وعي، بل هو لحظة مراجعة كبرى؛ لأن الهجرة في جوهرها ليست حدثًا انتهى في بطون التاريخ، وإنما هي سُنن وقانون من قوانين بناء الإنسان وإعادة تموضعه.
إن التقويم الهجري لم يبدأ بميلاد النبي ﷺ ولا بوفاته، وإنما بدأ بلحظة التحول الكبرى وهي الهجرة، وهذا الاختيار يحمل فلسفة عميقة؛ فالأمم لا تُقاس فقط بلحظات الميلاد، وإنما تُقاس بلحظات التحول، حين يترك الإنسان موقعًا لا يستطيع فيه أن يحقق رسالته إلى موقع يصنع فيه معنى جديدًا للحياة.
ومن هنا تأتي نقطة النظام؛ هل ما زلنا نفهم الهجرة كما ينبغي؟ وهل نُميِّز بين الهجرة التي تبني الإنسان، والهجر الذي قد يهدم العلاقات؟ بين الرحيل الذي يفتح أبواب المستقبل، والمقاطعة التي قد تتحوَّل إلى قطيعة؟
أولًا: الهجرة ليست انتقال جسد بل انتقال وعي
الهجرة في معناها العميق ليست مجرد خروج من أرض إلى أرض، بل خروج من حالة إلى حالة، خرج النبي ﷺ من مكة، لكنه لم يهرب من الواقع، بل أعاد صناعة الواقع، ترك المكان الذي ضاقت فيه الدعوة، وانتقل إلى المكان الذي يمكن أن تُبنى فيه الحضارة.
وهنا نقطة نظام مهمة: ليست كل مغادرة هجرة، وليست كل إقامة استقرارًا، فقد يهاجر الإنسان بجسده ويبقى أسيرًا لعاداته وأفكاره، وقد يبقى في وطنه لكنه يعيش هجرة داخلية عن الجهل والظلم والكسل والانغلاق، فالهجرة الحقيقية هي أن يترك الإنسان ما يعوق رسالته، وأن ينتقل من دائرة العجز إلى دائرة الفعل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[سورة البقرة: 218] فالهجرة اقترنت بالإيمان والعمل؛ لأنها ليست هروبًا من الواقع بل إعادة تشكيل له.
ثانيًا: الإنسان المعاصر في عالمنا اليوم تتعدد صور الهجرة عنده
فهناك هجرة طلب العلم، وهجرة البحث عن الكرامة، وهجرة الفرار من الحروب والاضطرابات، وهجرة السعي إلى فرص أفضل وهجرة الفرار بالدين.
لكن السؤال الحضاري هل ننتقل فقط من مكان إلى مكان، أم ننتقل من عقلية إلى عقلية؟ فقد يعيش الإنسان في أكثر البلدان تقدمًا، لكنه يحمل بداخله عقلية الانغلاق والفوضى، فيصبح غريبًا عن عصره، وقد يعيش في بيئة صعبة، لكنه يحمل عقلية البناء والإبداع، فيصنع من التحديات فرصًا، نقطة النظام هنا الهجرة الناجحة ليست التي تغير عنوان الإنسان، بل التي تغير إنسانية الإنسان.
ثالثًا: الهجر في الإسلام له مفاهيم مختلفة
فالهجرة حركة انتقال، أما الهجر فهو موقف من علاقة أو سلوك، وقد ورد الهجر في الإسلام بمعانٍ متعددة؛ فمنه الهجر المحمود، ومنه الهجر المذموم قال تعالى: ﴿... وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10].
فالهجر في القرآن ليس مجرد قطيعة أو غضب، بل قد يكون وسيلة إصلاح وضبط وإعادة توجيه، لكن الإسلام لم يجعل الهجر أصل العلاقة بين الناس، بل جعل الأصل هو الإصلاح والوصل والرحمة، قال النبي ﷺ:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" رواه أبو داوود وأحمد وصححه الألباني عليهم رحمة الله جميعا، فالهجر ليس انتقامًا للنفس، وإنما أداة لها ضوابط ومقاصد.
رابعًا: متى يكون الهجر حكمة ومتى يكون هروبًا؟
في واقعنا المعاصر أصبحت المقاطعة سهلة جدًا؛ قد يهجر الإنسان شخصًا بضغطة زر، ويحذف علاقة كاملة بكلمة واحدة.
لكن السؤال: هل هذا هجر إصلاحي أم هروب من الحوار؟ هناك فرق بين أن تهجر الظلم حتى لا تصبح جزءًا منه.
وأن تهجر الفتنة حتى لا تُسهم في نشرها، وأن تهجر المعصية حتى تحفظ قلبك، وبين أن تهجر الناس تكبرًا أو انتقامًا أو عجزًا عن الإصلاح؛ فالهجر الشرعي ليس جدارًا يبنيه الإنسان حول نفسه، بل رسالة تربوية لها هدف.
خامسًا: الهجرة والهجر في زمن الانقسام
نحن نعيش عصرًا كثرت فيه الهجرات وكثرت فيه المقاطعات، وهاجر الناس من بلدانهم، لكنَّهم حملوا معهم أحيانًا خلافاتهم، وتوسَّعت وسائل التواصل، لكن قلَّ التواصل الحقيقي، وأصبح الإنسان يملك آلاف المتابعين، لكنه قد يهجر أقرب الناس إليه.
وهنا تأتي نقطة النظام: المشكلة ليست أن نغادر الأماكن، بل أن نحمل معنا أمراض الأماكن، والمشكلة ليست في أن نختلف، بل أن يتحوَّل الاختلاف إلى هجر دائم وقطيعة مستمرة، إن هجرة النبي ﷺ صنعت مجتمعًا من المهاجرين والأنصار، ولم تصنع مجتمعًا من الغرباء المتخاصمين.
سادسًا: بين هجرة النفس وهجر النفس
أحيانًا يحتاج الإنسان أن يهاجر عن نفسه القديمة، أن يهجر الكسل، ويهجر اليأس، ويهجر الأنانية، ويهجر عقلية الضحية، فأعظم هجرة قد يقوم بها الإنسان هي أن يخرج من سجن ذاته، وأعظم هجر قد يفعله هو أن يهجر ما يبعده عن الله وعن قيمه وعن إنسانيته.
مع بداية عام هجري جديد لا ينبغي أن نسأل فقط ماذا مضى من أعمارنا؟ بل نسأل ما الذي ينبغي أن نهاجر عنه؟ وما الذي ينبغي أن نهجره؟ نحتاج إلى هجرة من الضعف إلى القوة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن ردود الفعل إلى صناعة المبادرات، ونحتاج إلى هجر كل ما يفسد قلوبنا وعلاقاتنا، لكن دون أن نهجر قيم الرحمة والإصلاح.
فالهجرة في الإسلام ليست هروبًا من الحياة، والهجر ليس قطيعة مع الإنسان؛ بل كلاهما وسيلة لصناعة إنسان أفضل.
وهذه هي نقطة النظام؛ هاجر عن كل ما يمنعك من أن تكون أفضل، واهجر كل ما يفسد عليك طريقك، لكن لا تفقد قلبك الذي جاء الإسلام ليبنيه.
بالسداد والتوفيق
د. يونس صالح
- الكلمات الدلالية
- الهجرة النبوية
- الهجرة
- العام الهجري الجديد
- المحرم
- صناعة الإنسان
د. يونس محمد صالح الزلاوي