path

عبد الله كويليام .. الإنجليزي الذي أصبح "شيخ الإسلام" في بريطانيا

article title

في مساء صيفي من عام 1887، كان محامٍ إنجليزي شاب يعبر مياه المتوسط على متن عبَّارة متجهة إلى طنجة، حين شدَّ انتباهه مشهدٌ لم يفارق ذاكرته لاحقًا: مجموعة من الحُجَّاج المغاربة يتوضؤون بمياه البحر ثم يقيمون صلاتهم بخشوع تام، غير مبالين بتمايل السفينة ولا بعصف الرياح. ذلك الشاب هو ويليام هنري كويليام، وذلك المشهد كان بداية طريق قادته بعد أشهر قليلة إلى اعتناق الإسلام، وتأسيس أول مسجد مسجَّل رسميًّا في بريطانيا، وحمل لقب "شيخ الإسلام في الجزر البريطانية" بتكليف من الخلافة العثمانية.

قصة كويليام ليست مجرَّد حكاية اهتداء فردي، بل فصل مؤسِّس في تاريخ الإسلام في أوروبا الحديثة، تحمل دروسًا ما زالت ذات صلة بواقع المسلمين في القارة اليوم.

من عائلة ميثودية إلى الإيمان بالإسلام

وُلد ويليام هنري كويليام في (10 أبريل/نيسان 1856) في مدينة ليفربول، لعائلة إنجليزية من أصول مانكسية (من جزيرة مان)، وكان والده صانع ساعات معروفًا. نشأ كويليام في بيت متدين على المذهب الميثودي الويسلياني، وارتبط منذ صغره بحركة "الاعتدال" (Temperance)، وهي رابطة من المسيحيين الملتزمين بالامتناع التام عن الخمر، حتى إنه أوفى بعهد قطعه على نفسه في هذا الشأن طوال حياته.

تخرَّج كويليام محاميًا عام 1878، وبرع سريعًا في قضايا الجنايات حتى وصفته صحيفة "ليفربول ويكلي كوريير" بأنه "النائب العام غير الرسمي لليفربول". وإلى جانب المحاماة، عمل محررًا وصحفيًا، وناصر قضايا العمال والنقابات، ودافع عن إصلاح قوانين الطلاق - وهي القضية التي ستكلفه لاحقًا مسيرته المهنية.

في عام 1882، سافر للاستشفاء من إرهاق أصابه جراء انشغاله الدائم بالعمل، فقصد إسبانيا ثم المغرب والجزائر، وهناك بدأ اطلاعه الأول على الإسلام. غير أن الرحلة الحاسمة كانت عام 1887 حين توجه إلى طنجة، وشهد على متن العبّارة مشهد الحجاج المتوضئين المصلّين الذي وصفه لاحقًا بقوله إنه "تأثر كثيرًا وهو ينظر في وجوههم التي أظهرت إيمانًا كاملًا وصدقًا". وفي طنجة جالس رجلًا مسلمًا ورجلًا يهوديًا يتناظران حول أديانهما، وقرأ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى جانب كتاب "الأبطال" للمؤرخ توماس كارلايل، فخلص إلى أن الإسلام هو الدين "المعقول والمنطقي" الذي لا يتعارض مع قناعاته.

عاد كويليام إلى ليفربول وقد حسم أمره. وفي محاضرة علنيَّة ألقاها في 17 يونيو/حزيران 1887 بعنوان "التعصُّب والمتعصبون"، أعلن إسلامه أمام الجميع، واختار لنفسه اسم "عبد الله" رغم أن الإسلام لا يُلزم من يعتنقه بتغيير اسمه. كان عمره حينذاك 31 عامًا، وبات بذلك -بحسب دعواه- أوَّل إنجليزي أصيل يعتنق الإسلام في العصر الحديث.

من قاعة صغيرة إلى "شيخ الإسلام"

لم يكتفِ عبد الله كويليام بإسلامه الشخصي، بل انطلق فورًا في الدعوة. وجد أوَّل من استجاب له في السيدة إليزابيث كيتس التي اتَّخذت اسم "فاطمة"، ثم توالى المهتدون. وبحلول يوليو/تموز 1887 أسَّس مع رفاقه "معهد ليفربول الإسلامي"، الذي تحوَّل خلال سنتين إلى أوَّل مسجد رسمي في بريطانيا [لهذا المسجد قصَّة مستقلة تجدها على الموقع في مقال "مسجد ليفربول .. كيف وُلد أول مسجد في بريطانيا ونهض من رماد النسيان؟"].

اعتمد كويليام في دعوته أسلوبًا تدريجيًّا ذكيًّا يُراعي السياق الثقافي الغربي: كان يستشهد بالإحصاءات العلمية، ويسمح للمهتدين الجدد بالصلاة بأحذيتهم إلى أن يطمئنوا بأنفسهم إلى حكمة الوضوء وخلع النعال، وييسِّر ما استطاع من غير تفريط في الثوابت، وفي هذا الصدد ألَّف كتابه "اعتقاد الإسلام" (The Faith of Islam) عام 1889، فطُبع منه 2000 نسخة نفدت سريعًا، ثم 3000 نسخة أخرى، وتُرجم إلى عدد من اللغات، حتى إنَّ الملكة فيكتوريا نفسها طلبت نسخةً منه وستَّ نسخٍ أخرى لعائلتها، على الرغم من أن المجتمع البريطاني العام كان يعتقد حينها أنَّ الإسلام "دين عنف".

توسَّعت جهود كويليام الدعوية حتى بلغ عدد من دخلوا الإسلام على يديه، بحسب مصادر متعدِّدة، نحو 600 شخص من مختلف الطبقات، من بينهم نبلاء وأكاديميون وسيدات مجتمع، وأبرزهم "روبرت رشيد ستانلي" الذي أصبح عمدة مدينة ستالي بريدج، وهو أول عمدة بريطاني معتنق للإسلام.

بلغت مكانة كويليام أوجها عام 1893، حين أصدر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قرارًا بتعيينه "شيخ الإسلام" على الجزر البريطانية، بموافقة ضمنية من الملكة فيكتوريا التي كانت تحكم من المسلمين أكثر ممَّا كانت تحكمه السلطنة العثمانية نفسها، وكان هذا المنصب حكرًا تاريخيًّا على كبار علماء إسطنبول؛ فمثَّل تعيين كويليام فيه سابقةً غير معهودة، مثَّل بموجبها السلطان في مناسبات رسميَّة بأوروبا وإفريقيا، ودافع عن وحدة الأمة الإسلاميَّة ومشروع "الجامعة الإسلاميَّة".

التضييق والمعاناة: تجربة "إسلاموفوبيا" مبكرة

لم يكن طريق الدعوة مفروشًا بالورود؛ فقد تعرَّض عبد الله كويليام والمهتدون الجدد لعنتٍ شديد من محيطهم؛ إذ رُشقوا بالطوب والفضلات، وتعرَّضوا للسخرية والتنمُّر العلني على الرغم من الاعتراف الرسمي بديانتهم، ووصف كويليام حال من هاجموهم بأنَّهم خضعوا لـ "غسيل مخ أدَّى إلى الاعتقاد بأننا أشرار"، وهي شهادة توثِّق ما يمكن اعتباره من أبكر التجارب الموثقة لما يُعرف اليوم بـ "الإسلاموفوبيا" في بريطانيا الحديثة.

كما لم يخلُ نشاطه من الجرأة السياسية؛ فقد انتقد بشدَّة المجازر التي ارتكبتها القوات البريطانية بحقِّ مسلمي الصومال عام 1904، وأصدر فتوى تحرِّم على الجنود المسلمين قتال إخوانهم في السودان تحت الراية البريطانية، وحذَّر الناخبين المسلمين من التصويت لمن أرسل الأساطيل الحربيَّة ضدَّ الدولة العثمانية. وقد جلب عليه هذا الولاء العلني للخلافة اتهامات متكرِّرة في الصحافة، وإن كان يردُّ دائمًا بأنَّه يجمع بين الولاء القانوني لبلده والوفاء الروحي لأمَّته.

الأفول والرحيل

انتهت مسيرة كويليام العلنيَّة في ليفربول بشكلٍ مفاجئ عام 1908؛ إثر قضيَّة طلاق مثيرة للجدل اتُّهم فيها بتدبير فخٍّ لإثبات خيانة زوجيَّة، ما أدَّى إلى إيقافه عن ممارسة المحاماة، ثم غادر المدينة ليُخفِّف وطأة الفضيحة عن الجالية المسلمة الناشئة، وتفرَّق من بقي من أتباعه، ولم تبقَ سوى أُسَرٍ قليلة، بينها أسرته.

عاد كويليام إلى الظهور لاحقًا تحت اسمين جديدين هما "هنري دو ليون" ثم "هارون مصطفى ليون"، ويُرجِّح مؤرخون -أبرزهم البروفيسور رون جيفز مؤلف سيرته "الإسلام في بريطانيا الفيكتورية"- أنَّ هذا التخفِّي كان محاولةً للإفلات من ملاحقة الأمن البريطاني للمتعاطفين مع الدولة العثمانية إبَّان الحرب العالمية الأولى، نظرًا إلى ولائه الثابت للخليفة حتى بعد خلعه. وعلى الرغم من تخفِّيه، فقد ظلَّ معروفًا لدى كثيرين، وشارك في تأسيس "الجمعية الإسلامية البريطانية" مع اللورد هيدلي، وأصدر مجلة "The Islamic Review"، وساند حركة الخلافة في الهند بعد الحرب.

توفِّي عبد الله كويليام في أبريل/نيسان 1932، ودُفن في مقبرة بروكوود قرب ووكينغ، إلى جانب علمين من أعلام الإسلام في بريطانيا: عبد الله يوسف علي، ومحمد مارمديوك بكثال؛ وهما من أبرز من ترجم معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية.

إرث يمتدُّ أكثر من قرن

لم يكن كويليام مجرَّد داعية عابر، بل مؤسِّسًا لأوَّل بنيةٍ مؤسَّسيَّةٍ للإسلام في بريطانيا: مسجد، ومدرسة، ودار أيتام، ومطبعة، ومجلتان دوريتان. واليوم يحمل مسجد ليفربول اسمه، وتُخلِّد "جمعية عبد الله كويليام" -التي تأسست في أواخر التسعينيَّات- ذكراه من خلال إدارة مركز تراثي وطني في الموقع نفسه الذي انطلق منه قبل أكثر من قرنٍ وثلاثين عامًا.

في مسيرة كويليام عبرة للمسلم الأوروبي اليوم: فالرجل الذي جاء إلى الإسلام من خارج أيِّ بيئةٍ إسلاميَّة أو عائلةٍ مهاجرة، استطاع أن يبني مؤسَّساتٍ راسخة، ويصمد أمام التضييق، ويُحافظ على هويَّته الدينيَّة والوطنيَّة معًا في آنٍ واحد، تاركًا وراءه نموذجًا لمسلمٍ أوروبيٍّ أصيل الانتماء، فاعلٍ في مجتمعه، ثابتٍ على دينه.

المصادر

Ron Geaves, Islam in Victorian Britain: The Life and Times of Abdullah Quilliam, Kube Publishing, 2010.

Abdullah Quilliam, Wikipedia (نسخة محدثة 2026)، بالاستناد إلى وثائق أرشيفية ومقالات صحفية معاصرة.

الموقع الرسمي لجمعية عبد الله كويليام: abdullahquilliam.org.

الجزيرة نت: "هذا هو أول من بنى مسجدا في بريطانيا ولقبوه بشيخ الإسلام".

هيئة الإذاعة البريطانية (BBC بالعربية): وثائقي "مسلمو العصر الفيكتوري".

Arab News: "Restoring Britain's Islamic heritage", 2009.

إدارة الإعلام

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

من حلقات المساجد إلى أكسفورد.. رحلة جون إسبوزيتو مع الإسلام

feather إدارة الإعلام

رجل قارة أوروبا الشيخ أحمد الحمادي (رحمه الله) رائد العمل الخيري

feather د. علي فتيني

اقرأ أيضا للإمام

article title

من حلقات المساجد إلى أكسفورد.. رحلة جون إسبوزيتو مع الإسلام

article title

أكبر المساجد في أوروبا .. حضور معماري ورسالة دعوية لمسلمي القارة

article title

هل يجوز التفريق بين المسلمين وغيرهم في المواساة؟

banner title

مقالات مرتبطة

إدارة الإعلام

من حلقات المساجد إلى أكسفورد.. رحلة جون إسبوزيتو مع الإسلام

د. علي فتيني

رجل قارة أوروبا الشيخ أحمد الحمادي (رحمه الله) رائد العمل الخيري

إدارة الإعلام

روجيه جارودي .. لمحات من حياته