path

من حلقات المساجد إلى أكسفورد.. رحلة جون إسبوزيتو مع الإسلام

article title

من حلقات المساجد إلى أكسفورد.. رحلة جون إسبوزيتو مع الإسلام

لقاء مع: أ/ علي محمد صالح

تعود بي الذاكرة إلى مطلع عام 1996م مرحلة الدكتوراة، حين سنحت لي فرصة لقاء البروفيسور جون ل. إسبوزيتو في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، يوم كانت الجامعة لا تزال في مقرها القديم بمدينة بتالينغ جايا (Petaling Jaya)، قبل انتقالها إلى حرمها الحالي في جومباك.

كانت تلك المرحلة من أجمل أيام جامعة UIA، حيث كانت الجامعة تستضيف كبار العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، فتتحول قاعاتها إلى فضاءات للحوار المفتوح وتلاقح الأفكار.

كان إسبوزيتو آنذاك من أبرز الأسماء في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، وقد ذاع صيته في الأوساط الأكاديمية والسياسية، حتى ارتبط اسمه بمراكز صناعة القرار في الولايات المتحدة، كما عُرف بعلاقته العلمية الوثيقة بالشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

ازدحمت القاعة بالأساتذة والطلاب، وتولى نائب رئيس الجامعة تقديم الضيف والتعريف بمسيرته العلمية، ثم ألقى محاضرته، وبعدها فُتح باب النقاش. كانت الأسئلة كثيرة ومتنوعة، غير أن سؤالًا واحدًا بقي حيًا في ذاكرتي حتى اليوم، وربما كان هو السبب الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور بعد كل هذه السنين.

وقف أحد الأساتذة السودانيين وسأل إسبوزيتو:

"ما الذي جعلك تتخصص في الدراسات الإسلامية، وبخاصة في أصول الفقه، وهو من أكثر علوم الشريعة دقة وصعوبة؟".

ابتسم ابتسامة هادئة، ثم أخذ يُحدِّثنا عن بداية رحلته مع الإسلام، فقال: إن الجامعة لم تكن محطته الأولى؛ وإنما بدأ طلب العلم في حلقات المساجد والزوايا، قبل أن يعرف القاعات الجامعية بسنوات.

وذكر أنَّه تتلمذ على يد شيخ مغربي -لا يحضرني اسمه الآن- درس عليه علومًا كثيرة؛ من القراءات والتفسير، إلى النحو والصرف والبلاغة والأدب والإملاء والإنشاء والعَروض، مرورًا بالفقه وأصوله والحديث وعلوم العربية، حتى شعرنا ونحن نستمع إليه أنَّنا أمام صورة حيَّة لطريقة التكوين العلمي التقليدية التي خرّجت علماء الأمة عبر القرون.

ثم انتقل إلى قصة طريفة، لكنها تحمل في طياتها معنى عميقًا.

قال: سألتني أمي يومًا: ماذا يدرسك شيخك؟

فبدأت أعدد لها أسماء العلوم التي أتعلمها واحدًا تلو الآخر.

أنصتت إليَّ، ثم سألتني:

"هل للشيخ أولاد؟"

قلت: نعم.

قالت: "وكم عددهم؟"

قلت: عشرة.

قالت: "وهل يدرسون هذه العلوم معك؟"

قلت: لا، بل إن كل واحد منهم اتجه إلى تخصص مختلف؛ فهذا يدرس الطب، وذاك الهندسة، وآخر العلوم السياسية، وغيرهم في مختلف العلوم الحديثة.

عندها قالت أمي جملة لم أنسها أبدًا:

"لو كان فيما يعلمك شيخك خيرٌ لأبنائه، لبدأ بهم قبل أن يبدأ بك، فلا تُضع وقتك فيما لا ينفع".

ساد القاعة شيء من الابتسام، لكن إسبوزيتو لم يرو القصة ليُضحكنا؛ وإنَّما ليكشف عن لحظة مفصلية في حياته. ثم قال بهدوء الواثق:

"لقد واصلت دراسة الإسلام، لا لأن أحدًا فرضها عليّ، وإنما لأنني وجدتها علمًا يستحق أن يُطلب، وقضية تستحق أن تُفهم".

ثم التفت إلى الحاضرين، وقال عبارة لا تزال تتردد في ذهني كلما تذكرت ذلك اللقاء:

"علِّموا أبناءكم الإسلام الذي تحملونه، إن كنتم حقًّا مؤمنين به ومقتنعين برسالته".

لم تكن تلك الكلمات مجرد خاتمة لمحاضرة، بل كانت رسالة صادقة خرجت من باحث غربي أمضى سنوات طويلة في دراسة الإسلام من مصادره، وعرف أن كثيرًا من المسلمين يحملون هذا الدين، لكن قليلًا منهم يورثه لأبنائه علمًا وفهمًا وقناعة.

بعد ذلك بسنوات، عاد اسم جون إسبوزيتو ليحضر في حياتي الأكاديمية من زاوية أخرى. فقد أحالني مشرفي في مرحلة الدراسات العليا إلى عدد من مؤلفاته في الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان، وكان هو وإسبوزيتو قد درسا معًا تحت إشراف الأستاذ الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ومن أوائل من أسسوا لدراسة الحوار بين أتباع الديانات الإبراهيمية في إطار أكاديمي رصين.

ومن خلال قراءتي لكتبه أدركت سر حضوره الواسع في الجامعات الغربية. فقد جمع بين سعة الاطلاع، وغزارة الإنتاج، والقدرة على مخاطبة القارئ الغربي بلغة يفهمها، وإن كنت أخالفه في بعض استنتاجاته وتحليلاته، فإن ذلك لم يمنعني من الإفادة من أعماله، فالإنصاف يقتضي أن يُؤخذ الحق ممن جاء به، وأن يُناقش الخطأ بالحجة والبرهان.

ألَّف جون إسبوزيتو أكثر من خمسة وثلاثين كتابًا، وأشرف على تحرير عدد من أهم الموسوعات العالمية في الدراسات الإسلامية، من أشهرها The Oxford Dictionary of Islam، وThe Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic World، وThe Oxford History of Islam، وThe Oxford Encyclopedia of the Islamic World، وغيرها من المراجع التي أصبحت من المصادر الأساسية في كثير من الجامعات ومراكز البحث.

وكلما تذكرت ذلك اللقاء الأول في بتالينغ جايا، لم أتذكر الرجل بصفته باحثًا غربيًّا مشهورًا فحسب، وإنما تذكرت طالب علم جلس يومًا في حلقات المساجد، وتلقى العربية والفقه على يد شيخ مغربي، ثم حمله شغفه بالمعرفة إلى أن أصبح أحد أشهر الأسماء في الدراسات الإسلامية في الغرب.

وربَّما كان هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به من ذلك اللقاء: أن المعرفة الصادقة تبدأ بالشغف، وأن طلب العلم إذا اقترن بالإخلاص والجد، تجاوز الحدود والأوطان، وصنع لصاحبه أثرًا يبقى بعده.

إدارة الإعلام

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

رجل قارة أوروبا الشيخ أحمد الحمادي (رحمه الله) رائد العمل الخيري

feather د. علي فتيني

روجيه جارودي .. لمحات من حياته

feather إدارة الإعلام

اقرأ أيضا للإمام

article title

أكبر المساجد في أوروبا .. حضور معماري ورسالة دعوية لمسلمي القارة

article title

هل يجوز التفريق بين المسلمين وغيرهم في المواساة؟

article title

مسجد ليفربول: كيف وُلد أول مسجد في بريطانيا ونهض من رماد النسيان؟

banner title

مقالات مرتبطة

د. علي فتيني

رجل قارة أوروبا الشيخ أحمد الحمادي (رحمه الله) رائد العمل الخيري

إدارة الإعلام

روجيه جارودي .. لمحات من حياته

إدارة الإعلام

مالك بن نبي منظر النهوض الحضاري