الشيخ محمد الغزالي.. حين اجتمع حبُّ النبي ﷺ بفقه الدعوة وبصيرة الفكر

كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى علامة فارقة في الدعوة إلى الله تعالى في النصف الثاني من القرن العشرين، ورجلًا فذًّا في منهجه، ورؤيته، وحميته، وحبه، وعاطفته، أحسبه كذلك، ولا أزكيه، ولا أزكي على الله تعالى إلا من زكاه!
وكان ذا حب جم لسيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحبه بعاطفة موارة جياشة، حتى إنه يبكي، وينشج في بعض المواقف، تأثرًا! وإنك لتلمس حبه هذا في دروسه وأحاديثه، وفي كتاباته عنه بأبي هو وأمي! وهو الذي كتب كتابه في فقه السيرة أوائل الخمسينيات في الروضة الشريفة، حيث اختلط مداده الصادق بدمعه الدافق، ليجيء حافلًا بالمشاعر، والصدق، والحب الجهير!
وكتب نواف القيسي في الذكرى الـ 21 لرحيله: الشيخ «الغزالي» فارس حمى دينه لآخر أنفاسه.
المقربون من الشيخ كانوا يعرفون أنه كان دائم البكاء في وقت الأذان، وكان رحمه الله يقول إذا جاء المؤذن إلى الشهادة، وهو لا يستطيع أن يمسك دموعه، على الرغم من كبر سنه:
أشهد أن محمدًا رسول الله، العالم كُلُّهُ يحارب هذا الرجل، صلى الله عليه وسلم!
ويقول د. وليد كساب (في ذكرى الشيخ الغزالي): شاء الله تعالى أن أتقابل مع مجموعة من السيدات من أساتذة الجامعات الجزائرية؛ فبادرتهن بالسؤال إن كُنَّ يعرفن الشيخ الغزالي أم لا!
لم تلبث إحداهن حتى انفجرت في بكاء مرير؛ فأحسست بحرج شديد، ولم أكن أدري ما سبب بكائها؛ حتى استجمعت قواها ثانية، وقصت عليَّ طرفًا من حياة الرجل، فقد كان يدرسها التفسير الموضوعي، وغيره من المساقات الدراسية!
تقول: كنا كلما قرأنا عليه القرآن بكى فأبكى الجميع! وإذا ذُكر الرسول صلى الله عليه وسلم اقشعر، وبكى حتى يبكي مَن حوله!
وإنك لواجد على الشبكة العنكبوتية تسجيلات له وهو يبكي شوقًا لسيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وارتجافًا من خشية الله تعالى، وتحسرًا على حال المسلمين، وتمنيًا للشهادة في سبيل الله، ولن يعسر عليك إيجادها قارئي الكريم!
لكنه مع الحب القلبي المتين، يحب نبيَّه العظيم الحبَّ العقلاني الرزين: فلا يغلو، ولا يوثِّن، ولا يقلل، ولا يسيء، ويكشف عن خبيء السيرة، ويلمس أوتارًا عاطفية تشعرك كم أحب سيدنا المصطفى، وتلمس ذلك أكثر، حين تنثال دموعه جهرة، لا يخبئها، إذا ذُكر اسمه صلى الله عليه وسلم، أو عرض لموقف من مواقفه الرفيعة!
وقد أكرمني الله تعالى فضبطت كتابه (فقه السيرة) بعد أن شاء عز وجل أن أعيش زمنًا غير قصير مع كتب السيرة، ومدارسها المتنوعة، ما بين الكتابة الأثرية الساردة، والنصوصية الفاحصة المخرِّجة، والمدرسية السطحية القافزة، والعقلانية الناجمة عن رد الفعل، والاستشراقية المتجنية، واليسارية الكذابة الهاجمة، والصوفية الغالية، والشعبية الموثِّنة، وغيرها من أشكال تناول السيرة الشريفة!
ثم قرأت كتاب الشيخ رحمه الله تعالى، فوجدته وسطًا، جامعًا لمدارس كثيرة بين دفتيه:
• فهو نصوصي أثري، بتخريج الشيخ الألباني رحمه الله تعالى لأحاديثه.
• وهو تأريخي يسرد أحداث السيرة على نحو تقليدي في ترتيبه وعناوينه.
• وهو عقلاني في تأتيه وقراءته للأحداث.
• ثم هو حافل بعاطفة الشيخ الدفاقة، ولغته الثرة، ومفرداته المشحونة اعتدادًا بالإسلام، وإجلالًا وشوقًا ومحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام.
• وهو لطيف الحجم، غير مثقل بالحشو، والحواشي، والاستطرادات.
• وهو محقق لما أراده الشيخ رحمه الله تعالى من كتابته للسيرة المشرفة، حين يقول:
"وقد بذلت وسعي في إعطاء القارئ صورة صادقة عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهدت في إبراز الحكم والتفاسير لما يقع من حوادث، ثم تركت للحقائق المجلوة أن تدع آثارها في النفوس؛ دون افتعال أو احتيال"!
"وقصدت من وراء ذلك أن تكون السيرة شيئًا ينمي الإيمان، ويزكي الخلق، ويلهب الكفاح، ويغري باعتناق الحق والوفاء له، ويضم ثروة طائلة من الأمثلة الرائعة لهذا كله"!
"ثم إنني أكتب وأمام عيني مناظر قاتمة من تأخر المسلمين العاطفي والفكري؛ فلا عجب إذا قصصت وقائع السيرة، بأسلوب يومئ -من قرب أو من بعد- إلى حاضرنا المؤسف، كلما أوردت قصة جعلتها تحمل في طياتها شحنة من صدق العاطفة، وسلامة الفكر، وجلال العمل، كي أعالج هذا التأخر المثير"!
وهو الذي قال أيضًا في كتابه هذا:
إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست مؤرّخًا محايدًا، مبتوت الصلة بمن يكتب عنه.
إن المسلم الذي لا يعيش الرسول صلى الله عليه وسلم في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره، لا يغني عنه –أبدًا- أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس قصة تتلى في ميلاده، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تُضمّ إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح له، أو صياغة نعوت مستغربة، يتلوها العاشقون، ويتأوّهون، أو لا يتأوهون!
إنَّ حياة محمد صلى الله عليه وسلم ليست -بالنسبة إلى المسلم- مسلاة شخص فارغ، أو دراسة ناقد محايد؛ كلا كلا: إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها، فأيّ حيف في عرض هذه السيرة، وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه.
إن هذا الكتاب ليس صلة محدثة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ولا جملة من الدلائل على صدقه، ولا لمحات تكشّفت للمؤلف عن عبقريته وسناء دعوته؛ فإن ذلك قد استفاض به الكلام في مواضع أخرى. ولكني توفّرت على إخراج هذا الكتاب، وأمامي غاية معينة، أرجو أن أكون بُلِّغتها.
ولعل الله تعالى استجاب دعاءه: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، أو وفاة في بلد حبيبك"؛ ليوافيه الأجل مناظرًا عن الإسلام مناضلًا؛ ثم ليُدفن في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بقيع الجنة، رحمه الله تعالى.
- الكلمات الدلالية
- الشيخ الغزالي
- رسول اله
- فقه الدعوة
- السيرة النبوية
د. عبد السلام البسيوني